الرئيسية | إبداعات الوطن | خاطرة | يسرا محمد سلامة - قصة كفاح .. قصة الجنة التي بين يديك

يسرا محمد سلامة - قصة كفاح .. قصة الجنة التي بين يديك

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 يسرا محمد سلامة 

 

 

عاشت حياتها بعيدًا عن صخب الدنيا، رضت منها بأقل القليل وكانت في أوج سعادتها، لم تشتكِ يومًا من ضنك المعيشة، عانت كثيرًا وجاهدت في شبابها من أجل لقمة العيش، نامت قريرة العين مرتاحة البال رغم أنين أوجاعها، تلك قصة كل أم أرادت أن يحيا أبناءها حياةً كريمة تكن أفضل من شظف العيش الذي عانت منه. 
تبدأ القصة مع نسمات الصباح، تصحو من نومها، تقوم بتجهيز شطائر (ساندويتشات) الافطار لصغارها قبل ذهابهم إلى المدرسة، قد لا تجد ما يكفيها من "الغموص" لعمل شطيرة لها، فتأخذ رغيف الخبز فقط وهى ذاهبة إلى العمل، وتقول في نفسها سآكله كأنَّ به ما لذَّ وطاب ولن يُلاحظ أحدٌ ذلك، راضية سعيدة؛ لأنَّها أطعمت أولادها، تعود من العمل في الثالثة عصرًا، لتبدأ رحلة تجهيز الغذاء، فإذا لم يكن هناك طعامًا جاهزًا، تذهب بعد خروجها من العمل إلى السوق، لتُحضر ما تود إحضاره من المكونات التي ستُعد معها الغذاء.
تفتح باب المنزل عند دقات الرابعة بعد العصر، مُنهكة، تَعبة، لكن تكتم ذلك في نفسها حتى لا يُلاحظها من بالمنزل، فالشكوى لن تُفيد صغارها ولن تُطعمهم أو تكسيهم، أو تعتني بهم وقت المرض، إذن مع نزعها المفتاح من باب المنزل، تنزع معه همومها وتعبها أمام عتبته، تدخل مُبتسمة ليهلل أولادها فرحين برؤيتها، فهم قد عادوا قبلها بساعتين مُنتظرين عودتها بفارغ الصبر، تُجهز الغذاء سريعًا بملابس العمل – فلا يوجد وقت لديها لتغيير ثيابها - فقد تعودت على ذلك لعلمها أنهم جوعى فهم لم يأكلوا سوى شطائر الصباح، وبعد أنْ تفرغ من وجبة الغذاء تظل مستيقظة رغم صحوها باكرًا عن الشروق، لتتابع مذاكرة صغارها، متأهبة للرد على أى تساؤل يقف معهم في أى درس، وبعد العشاء تقوم بتجهيز الوجبة المسائية قبل خلودهم للنوم، تتذلل إلى والدهم ليجلسوا قليلاً لمشاهد ة التلفاز، وتُغطي عليهم أمامه، نعم لقد ذاكروا جيدًا، إذن فقليل من التسلية لن يَضر، حتى لو لم يستحقوا تلك التسلية، فهى عليهم أرأف من أى انسان آخر، وبعد زحام اليوم ومشقته، تنام – أخيييرًا – لتصحو في اليوم التالي وتقوم بما ينتظرها من عمل في داخل المنزل وخارجه دون كلل أو ملل.
اليوم أولادها في مناصب مميزة، معهم شهادات عليا، تفتخر بهم أمام الجميع، وتتباهى بما وصلوا إليه، اليوم أنهكها التعب وخارت قواها، ولم تَعد تقوى على التحرك كثيرًا، فكما قال لها طبيب العظام عندما رأى أرجلها المُتعبة "دي رجل شقيانة"، عبارته هذه لخصت كل القصة، فالشقى كان سِمة حياتها، لكنها ظلت تصبر وتحتسب، حتى أكرمها الله عزَّ وجل في أبنائها ورأتهم في أفضل حال كما أرادات تمامًا، فتحويشة العمر كانت فيهم، واليوم هم كنزها، اليوم فقط تأكدت أنَّ معاناتها لم تضيع هباءً، إنها قصة كل أم .. إنها قصة أمي، اللهم بارك في عمر كل أم صبرت وذاقت مرارة التعب والألم، وارزقها وافر الصحة والعافية، وعوضها خيرًا في الدنيا كما بشرتها بأنَّ الجنة تحت أقدامها في الآخرة، واجعل كل ابن بار بها، اجعله قرة عينها كما تمنت، واحفظها بحفظك إنك على ذلك قدير، فنحن نعلم أنك لن تُكرمنا بغير رضاها ..
أكرمكِ الله يا أمي وأطال لي في عمرك، ورزقني دائمًا دعاءك لي، فبدونه لا يُمكن أنْ أعيش حياتي، فتوفيق الله يكمن في دعاءك هذا ...

 

شوهد المقال 3778 مرة

التعليقات (2 تعليقات سابقة):

جزائري في 03:22 23.03.2016
avatar
هؤلاء هم الأمهات .إنهن فعلا الشمعات التي تحترق من أجل غيرها .إضيف لك ياأستاذة أن كل نساء الجزائر أمهات شهداء الثورة التحريرة لم يدخلن مدرسة ولا عرفن أقسام الدراسة ولا سمعن بحقوق المرأة ولكنهن منحن للجزائر أبطالا وبطلات ملأوا الدنيا بأخبار بطولاتهم التي دوخت العالم نعم دوخت العالم وأضيف لك أن هؤلاء الأمهات الرائعات منحن للجزائر بطلات من أمثال (الجميلات الثلاث) ((جميلة بوحيرد__وجميلة بوعزة__وجميلة بوباشا)) والتي وصلت قضيتهن إلى الأمم المتحدة نعم الأمم المتحدة .إحدى هذه الجميلات وهي جميلة بوحيرد أخرج لها المخرج المصري العملاق (يوسف شاهين ) فيلما تحت عنوان (جميلة).كما قيلت فيها أشعار من قبل الكثير من شعراء العرب بل أن سليمان العيسى الشاعر السوري ألف فيها ديوانا .
هؤلاء هن حرائر العالم العربي هؤلاء هن اللائي يحتفل بهن .مع العلم أن ج.بوحيرد حكم عليها بالإعدام .لكن الله كتب لها أن تشهد استقلال بلادها ومازالت على قيد الحياة حفظها الله وحفظ كل الأمهات الرائعات .وحفظ لك أمك أيتها الكاتبة الرائعة .
دينا تلحمي في 12:55 28.03.2016
avatar
المرأة وجدت كي تضع بصمتها في هذا الكون وإلا ما فائدة مجيئها إليه ؟

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يسين بوغازي - في رحيل آخر مفجري ثورة القيام النوفمبري الجزائرية . عمار بن عودة لمن لا تنساه الزغاريد

  يسين بوغازي أماسي القرى والمداشر والمشاتي مند النصف الثاني من عقد خمسينيات القرن العشرين  إلى عام الغياب الحزين ، ما تزال
image

جيهان أبواليزيد - من سيذهب ليقول " يُتبــــع " ومن سيذهب ليقول " تــــم " ؟

   د. جيهان أبواليزيد  كأس العالم ...أعتبرها فرصة لتصفية خلافات وأحقاد سنين فمن لم يأتى بالسياسة يأتى بالرياضة ، فخريطة المجموعات الغريبة إلى حد
image

نوميديا جرّوفي - أقراطٌ طويلةٌ

نوميديا جرّوفي -  شاعرة ، كاتبة،باحثة و ناقدة.              حملتُ معي أقراطي الطّويلة تلك التي يهواها
image

أطباء الجزائر المقيمين الذين أجبروا الدولة البوليسية على كشف وجهها الذميم.

 ربما هي اكبر مسيرة سلمية تشهدها العاصمة منذ سنوات و لكن لا توجد اي تغطية اعلامية لا في التلفاز و لا في الصفحات الكبرى الموالية
image

عزالدين عناية - أومبرتو إيكو والدين

  عزالدين عناية* نادرة المؤلفات التي باح فيها الكاتب الإيطالي أومبرتو إيكو بما يختلج في صدره بشأن تجربته الدينية وتصوراته الوجودية -مع أنه
image

محمد مصطفى حابس - منتدى دافوس:"لعبة الأمم ومستقبل نظرية (القوة الذكية) للتعايش في عالم متصدع"

محمد مصطفى حابس : دافوس/ سويسرا   اسدلت في مديمة دافوس السويسرية فعاليات الدورة الـ48 للمنتدى الاقتصادي العالمي ستارها مساء الجمعة بحصيلة متباينة حول نتائج
image

عادل السرحان - كبير ياعراقيين

 عادل السرحان            كبير ياعراقيينأن طالت مآسيناوصارالليل حاديناونور الصبح قالينابه ضاءت خواليناونحن النور مذ كناكبير ياعراقيينوهم من قبل قد كانوا وهذي الناس واغلة ضباع في بوادينافوق
image

شكري الهزَّيل - غُل وأغلال وغلال : لَقَّموة الهزيمة وهضموا حقوقة وقالوا لة هذه سنة الحياة يا عربي؟!

د.شكري الهزَّيل بادئ ذي بدء لا بد من القول ان الكثيرون في العالم العربي لا يدركون مدى الضرر الهائل اللذي لحق ويلحق بالشعوب
image

عدي العبادي - قراءة في مجموعة اشيائي الاخرى للشاعر الدكتور عماد العبيدي

        عدي العبادي                          يقول الناقد الايطالي الكبير امبرتو
image

محمد بونيل - الساورة: صور ورسائل

محمد بونيل الساورة: صور ورسائلThe Saoura: Pictures And Messagesالصور: محمد بونيل/ فنان وكاتبPhotography: By Mohamed BOUNIL/Artist And Writer موسيقى: الأستاذ علا - عبد العزيز عبد الله

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats