الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | متى يُكرّم المبدع العربي...؟

متى يُكرّم المبدع العربي...؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
بقلم: مصطفى قطبي

ظاهرة تكريم المبدعين ظاهرة ثقافية وسلوك حضاري في حياة أي مجتمع كونه يحفز ويحافظ على التوازن الفكري والنفسي للنخب المثقفة من شعراء وأدباء وفنانين تشكيليين، غير أنه وبحسب ما تمليه ذهنيات تأبى التغيير ولا تريد تخطي أشياء ما عادت نافعة ولا لائقة سواء لشريحة المبدعين أو للحراك الثقافي ككل، وهي متفشية في الوطن العربي، لا يعترف بالمثقف والمبدع إلا إذا تمدد في قبره وتأكد أنه لن ينهض أبداً... عندها يفزع الكل ويجري أولو الأمر من مسؤولين وقائمين على الشأن الثقافي لإقامة احتفاليات التكريم وتنظيم الملتقيات والندوات على شرف رحيل المبدع، فكأنما يعربون عن فرحتهم بمغادرته الحياة وتخلصهم منه...

وإن كنا لا نعارض تكريم المثقفين الراحلين لما يحمله من عرفان لأعمالهم وما أضافوه للحقل الثقافي والمعرفي، فإننا نتساءل مع جل المثقفين والمبدعين: متى نقلع ونكف عن هكذا حرمان وتنكر وتجاهل للمثقف فقط لأنه موصوم بالحياة ويعاني من شبهة الحاضر ونجري لتبجيله والاحتفاء به فقط لأننا تأكدنا أنه ما عاد هنا... مات وغاب عن الوجود؟

اِن ظاهرة تكريم المبدعين وذكر خصالهم الحميدة بعد موتهم لم تكن حكراً على الثقافة العربية، إنما هي عقلية عربية، فالموت عند الإنسان في الثقافة العربية يرتبط بالكمال، وعليه أعتقد أن هذه الامتدادات التراثية أثرت على السلوك الثقافي وهو أننا لا نحتفي بالتجارب إلا إذا مات صاحبها، وهذا الأمر يجب تجاوزه من خلال إعادة علاقتنا بالحياة إلى مجراها الطبيعي وأن نكون أبناء الحياة وإذا جاء الموت كنا أبناء الآخرة، أما أن نكون أبناء الموت قبل أن يأتي ونكون سفراؤه بالحياة وهو لم يكلفنا بذلك أمر غريب وبشع، بالمقابل لا يمكن أن نقول عن التكريم سوى أنه تقليد طيب مهما كانت نوايا القائمين عليه لأنه يدخل في ثقافة الاعتراف وعليه لابد من تكريسه في مشهدنا الثقافي والسياسي والاجتماعي والإعلامي، علينا أن تكون لنا الجرأة وأن نعترف بالتجارب الجيدة والجادة مهما كانت حتى وإن لم توافق مزاجنا الفكري، وعلينا أن نعترف بالجيد حتى نخلق نوعاً من التراكم والإمداد والتواصل.

ولا يختلف كثيراً عما يحصل حالياً مع بعض المبدعين وأصحاب الفكر، والذين يعمون أعينهم تحت وطأة ضوء خافت لتأليف كتاب تاريخي وثائقي مهم أو للكتابة عن أديب يستحق الوقوف عنده، وتفنى عظامهم على بسط يتيمة ترسم نقوشها على أجسادهم ثم يموتون عليها ويدفنون تحتها دون أن يدري أحد بهم أو يعيرهم أدنى اهتمام.

وفي ظاهرة غريبة نسمع أن فنانين ومبدعين عرب كرموا في الخارج بدول عربية وأوربية بينما يقومون بدور مزمار الحي الذي لا يطرب ببلدهم... و إذا أتينا لمعاناة الأدباء والكتاب نرى المشكلة أكثر تعقيداً وأشد إيلاماً، فربما تكون مقولة أن القارئ هو من يمنح الكاتب انتشاره صحيحة، حينما يتم الترويج لهذا الكاتب بالشكل الذي يستحقه. أمّا حجة أن شعبنا العربي لا يقرأ في زمن تغلبت فيه الصورة على الكتابة ليست دقيقة، بل إن صحوة ثقافية تسود مجتمعنا بعد ابتذال الصورة وعدم تعبيرها. كما لن نقول إن الأدب الأصيل اللافت للانتباه ذهب مع الريح، بل يجب أن نسأل كيف لأديب يفترش البساط ويلتحف السماء أو السقف القرميدي أن يحقق انتشاراً لرواياته ويوزعها بآلاف النسخ وبتكلفة باهظة حتى يُعرف، وهنا تبرز مسؤولية الحكومات العربية وغيرها في البحث عن المبدعين، وتكريمهم بتحويل كتاباتهم إلى أعمال سينمائية ودرامية تلفزيونية.
اِن التراجع والانحسار الذي حدث على المستوى الثقافي العربي، جعل المثقف في حالة يرثى لها، نحن مصابون بالانكسار، كل ما في واقعنا يسيطر عليه أشباه المثقفين الذين يتيوؤون مناصب في مجالات مختلفة في هذه الحياة لا سيما في مجال الإبداع الثقافي، المثقف عندما يصاب بالترف الفكري أي يصبح لديه كماً معرفياً وحشداً للمعلومات في مخيلته وهذا الترف يستخدمه للممارسة اليومية للتعبير عن هموم شعبه وعن محيطه، وإن لم يستطع أن يعبر عن ذلك فهو يمتلك آلة تعطيل الحركة والتفاعل والحيوية والتواصل ويمتلك من القدرات، آلة التآمر لجعل المثقفين الحقيقيين في موقع هامشي، لأنه يخشاهم وهو يعرف أنهم الأحق بمنصبه وأنهم الحق في أن يتبوؤوا المكانة التي يستحقونها في وجدان الأمة، حين نقول إننا متخلفون فهذا ليس وصفاً شعرياً، إنما نمط علاقة الناس فيما بينهم لأننا لسنا منفتحين على العالم وعلى ذواتنا، وحين نتكلم عن الأمراض والأوبئة التي تعشش بدواخلنا فإني لا أحمّل الناس مسؤولية ذلك إنما أحمّل الأزمة الشاملة التي تمر منها الأمة العربية، ولهذا أقول إن التكريم الذي يأتي بعد الموت يعتبر انتقاصاً من قيمة المبدع، ولا يقدم هذا التكريم أي إضافة للمكرم الراحل، لأنه في حكم الغائب ولا يرى ولا يحس بطعم ولذة تكريمه لا من بعيد ولا من قريب.

فالمبدع إجمالاً يعيش حالة انهزام مستمرة وحنين دائم إلى وطنه وإلى حالة مجتمعه، فهو يحتاج إلى مساعدة ومساندة الآخرين له، وحالة المبدع في الوطن العربي تنذر بالخطر إذ هناك من لا يتوفر على على قوت يومه ويستدين أموالاً حتى يتمكن من الاستمرار في هذه الحياة، وهناك الكثير من الحالات التي تعاني من ضيق العيش وتحيى حياة الضنك والفقر، رغم أن المبدع يفرط في صحته ويستهلك طاقته ويتآكل داخلياً، كل ذلك في سبيل إنتاج مادة فكرية تستعمل كمرجع يستمد منه حلولاً لتساؤلات تطرحها التنمية البشرية والاقتصادية…

لذلك نرى أنه من الضروري من القائمين على الهيآت الثقافية والفنية في الوطن العربي أن يهتدوا إلى تكريم المبدعين قبل أن تغلق جفونهم ويغادرون عالم الأحياء ويلتحقون بعالم الأموات لأنه حينها لا يجديه التكريم نفعاً ولا ضراً، فالتكريم بالنسبة للمبدع وهو حي يزيد من قيمته ويضاعف أعماله وطاقته مما يمكنه من مواصلة إنتاجه وعطائه.

وأخيراً وليس آخر، صدق أوغست كونت حينما قال: ( الرجال العظام ينالون الخلود الذاتي بعد موتهم عن طريق تكريم الأجيال المتلاحقة لهم) في محاولة منه لتبيان أننا لا يجب أن نحيل واجب التكريم والجزاء إلى اللاهوت، بل يجب أن نبدأه نحن. وأقول: (ما أجمل أن ينال العظام الخلود الذاتي قبل موتهم أيضاً، وحينها لا بأس من الأسف عليهم بعد وفاتهم لا بسبب تقصيرنا نحوهم بل لفقدانهم فحسب).

شوهد المقال 3272 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ الحراك ..والكيد لمحاولات اعتقال الحراك والسطو ...

 د. العربي فرحاتي  صحيح أن العصابات أرهقت الشعب طيلة حكمها منذ الاستقلال بكيدها ومكرها وبسياساتها التحكمية والاحتوائية .حيث أزاحوا الشعب ومقومات ثورته باسم الشعب
image

النظام الجزائري يرفض رسمياً ترخيص لإقامة ندوة جامعة في قاعة حسان حرشة لفتح نقاش جاد بين نشطاء وفعليات الحراك

بيان  تأجيل الندوة الجامعة لنشطاء وفعاليات من الحراك الشعبي والدعوة الى عقد ندوة صحفية غدا الخميس *نحن فعاليات ونشطاء من الحراك الشعبي، احتفالا بالذكرى الأولى
image

وليد عبد الحي ـ في مختبراتهم نحو المستقبل

 أ.د . وليد عبد الحي  ما الجديد في جعبة العلم القادم ؟ وما هي المشروعات التي يفكرون ويعملون على انجازها ؟  1- الوصول الى
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الفقر يصافح صانعه

عثمان لحياني  يحدث أن يلتقي الفقر بصانعه في قصر المؤتمرات في العاصمة الجزائرية، فعلى شاشة كبيرة شاهد الرئيس عبد المجيد تبون والوزراء في الحكومة
image

سعيد لوصيف ـ الموقف: ارادة التغيير لا تتأتى ببيانات.. المبادرات تشخيص مغلوط لواقع معلوم...

د. سعيد لوصيف  الواقع مستمر منذ سنة ويعبر عن صراع ارادات : ارادة التغيير في مواجهة ارادة اعادة انتاج النظام واستمراره... القول بندوة جامعة ينمي
image

فوزي سعد الله ـ عن إسهام الأندلسيين في نهضة بجاية وازدهارها والدِّفاع عنها...

فوزي سعد الله   "...في القرن 13م، أًصبح الأندلسيون، يقول ناصر الدين سعيدوني في "دراسات أندلسية" ، يحتكرون تقريبا المناصب العليا في الدولة في
image

نجيب بلحيمر ـ سلطان الظلام ..القانون غير المكتوب في الجزائر

نجيب بلحيمر  في ثلاثة ايام يظهر الحكم بالإعدام الذي صدر في حق جريدة النهار. لا يهم رأينا في الجريدة ومحتواها، لا نعرف كيف اتخذ قرار حرمانها من
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك لا تختصره في زاويتك المفضلة لكي لا تصدر عليه حكما

 د. عبد الجليل بن سليم  الامبراطور الروماني Marcus Aurelius لم يكن فقط رجل سياسة بل كان أحد أعمدة الفلسفلة الرواقية التي كان يستعملها في
image

محمد هناد ـ مواصلة النظام الجزائري استغباء الشعب ..يوم الأخوة بين الشعب والجيش ؟؟

 د. محمد هناد   1. الرئيس عبد المجيد تبون يقرِّر «تخليد الذكرى الأولى لحراك 22 فبراير» ! 2. الرئيس عبد المجيد تبون «يعلن يوم 22 فبراير يوما وطنيا
image

زهور شنوف ـ عام الصوت المرفوع.. "قولولهم" 22 فبراير ثورة شعب

زهور شنوف  خلال عام الثورة هزم الجزائريون الغلق وتحدوا الاعلام المؤدلج.. قاموا بثورتهم الاتصالية بشكل عبقري وفعالية وابداع كبيرين.. رفعوا شعاراتهم ودافعوا عن خياراتهم..

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats