الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | قراءة في كتاب تجديد الخطاب الديني

قراءة في كتاب تجديد الخطاب الديني

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 عادل سالم عطية – أكاديمي مصري
 
قراءة في كتاب " تجديد الخطاب الديني " تأليف الأستاذ الدكتور أحمد عرفات القاضي

لقد حاولت في هذه الصفحات تقديم قراءة جادة، ورسم صورة متكاملة الملامح والقسمات عن قضية تمثل مطلبًا حياتيًّا من مقتضيات حياتنا الضرورية والوجودية، بل هي سنة من سنن الله تعالى التي لن تجد لها تبديلا؛ وذلك من خلال كتاب " تجديد الخطاب الديني "، وهو من منجزات الأستاذ الدكتور أحمد القاضي، أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي والعربي. وقد بلورتُ هذه القراءة في نقاط ثلاثة، وهي:
- التجديد مطلب ذاتي وضرورة حياتية .
- عرض محتويات الكتاب .
- الملامح المنهجية وتطبيقاتها .
وفيما هو آت تفصيل هذه النقاط الثلاث بالشواهد والأدلة.
أولا: التجديد مطلب ذاتي وضرورة حياتية .
تحتل قضية التجديد مكانًا مركزيًّا في الفكر الإسلامي؛ فالتجديد – في الرؤية الإسلامية – سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل، وليس مجرد حق من حقوق العقل الإنساني، وميادين هذا التجديد عامة وشاملة، فهو قانون دائم العمل في كل عوالم الخلق: المادية، والنباتية، والحيوانية، والإنسانية، وهو سنة متبعة في عوالم الأفكار. والدين والفكر الديني ليس استثناء من عمل وإعمال قانون التجديد، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها )؛ لذلك كان هذا التجديد الإسلامي: عودة إلى المنابع الجوهرية والنقية للدين الثابت، وفقهًا لهذه الثوابت، بعقل عصري ومعاصر، وذلك لاستلهامها في الإجابة على علامات الاستفهام للواقع الحياتي المعين فهو – في حقيقته – فقه للواقع المعين واستلهام للمنابع وعقد للقران بين فقه الواقع المتجدد وفقه الكليات والثوابت للدين على حد قول المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة، كما أنّ عملية تجديد الفكر بمعنى العودة لمنابعه الصافية ممثلة في أصول الشريعة الكتاب والسنة بعيدًا عن الاختلافات والتحيز والأهواء، قضية محورية منذ ظهور الإسلام الذي كان ظهوره في الأصل عملية تجديد ضد الفساد المألوف في حياة الناس، الذين ألفوا الظلم والاستبداد وتحكم طبقة محدودة في حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية .
إنَّ حاجة مجتمعاتنا إلى الاجتهاد والتحديث حاجة متجددة لابد أن تراعى أولويات الاجتهاد، التي يتعين علينا أن نوليها العناية المستحقة، فالاجتهاد - كما يرى الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري - أنواع وله مجالاته، وهي: الاجتهاد الفقهي والسياسي، والاقتصادي، والتقني، العلمي، والثقافي، والحضاري، وغير ذلك من ضروب الاجتهاد الذي يختص كلُّ منها بمجال يتسع بتعدد المسائل التي تقتضي الاجتهاد. ولذلك فإنَّ حركة الاجتهاد في هذه المجالات جميعًا لابد أن تستمر وتتواصل في إطار رؤية دقيقة، وموائمة رشيدة لمقاصد الشريعة ومصالح العباد في الحال والمآل . لذلك نرى أن هذه الأمة لم تعدم في عصر من عصورها مجددين في الدين، وأئمة في العلم، وعماليق في الفكر، وأبطالا في الجهاد، وأعلامًا في الإصلاح. إن هذا التجديد يتصل بطبيعة هذا الدين وقدرته العجيب على الإنتاج والتوليد، وطبيعة هذه الأمة وصلاحيتها للبعث الجديد، وهذا هو لطف الله بهذه الأمة بل بالإنسانية، إذ لو ضاعت هذه الأمة لضاعت أمانة السماء، ولضاعت أمانة الإنسانية، وإنما هي حراسته الكريمة لهذا الدين الذي فرض عليه أن يرافق الحياة إلى آخر مرحلة من مراحلها كما أكد على ذلك في قوله عز وجل: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) .
ثانيًّا: عرض محتويات الكتاب.
- يعرض هذا الكتاب الذي بين أيدينا؛ وهو كتاب تجديد الخطاب الديني عبر فصوله المختلفة والمتنوعة لقضية تجديد الخطاب الديني من خلال معالجة جملة من المشكلات والرؤى، وتحليل دقيق لقضايا فكرية تمس في مجملها البيئة الواقعية، وهو يضم بين دفتيه مدخلا وثلاثة أقسام متداخلة ومتكاملة إلى حد كبير، وقد جاء في لغة سهلة ودقيقة تناسب ثقافة الجماهير، وطبعة مهذبة شكليًّا أصدرتها الهيئة المصرية العامة سنة 2008م .
- يطرح الدكتور القاضي - في القسم الأول من هذه الأقسام الثلاث - قضية تجديد الخطاب الديني من خلال مجموعة عناصر تشكل مجمل الإشكاليات المطروحة أو الأطر النظرية للقضية، والتي تشتمل على طبيعة الإشكالية ومعنى التجديد، والمصطلحات المستخدمة في هذا المجال بالإضافة إلى منهج التجديد، وعلاقته بالاجتهاد، وأهم التحديات أو المشكلات التي تواجه عملية التجديد سواء أكانت هذه المشكلات داخلية أم خارجية، فيعرض - بالتفصيل - لأبرز التحديات الداخلية التي تشكل إشكالية حقيقية أمام الخطاب الديني المعاصر، مثل:
الاستقطاب الطائفي والمذهبي بين السنة والشيعة.
مشكلة التخلف الحضاري عند المسلمين.
مشكلة الغلو والتطرف والفهم المنقوص للإسلام.
- وعالج – أيضًا - في القسم الثاني من مؤلفه مجموعة من القضايا التطبيقية، والنماذج العملية المختارة لقضية التجديد، تأتي في مقدمتها قضية الحرية في الفكر الإسلامي الحديث وكيف تعامل معها، وما حدود الحرية ومجالاتها، وهذا لب الفصل الأول ومحوره الرئيس . وتنبع أهمية الحرية في فكرنا الإسلامي؛ لأنها مؤشر هام على تطور الفكر الإسلامي وواقعيته من ناحية، وعلى قدرته على التجدد الذاتي ومواجهة التحديات من ناحية ثانية، كما أنها مؤشر على أن تقدم المجتمع مرتبط بقضية الحرية برباط وثيق .
- الحرية هي لحظة وعي بالذات ينتج عنها تغيير حقيقي في حياة الإنسان فردًا كان أو جماعة، وقد تحققت مرتين: أولاهما على يد محمد علي باشا نتيجة إيمانه التام بالحرية كإرادة واختيار، والثانية على يد الإمام محمد عبده الذي آمن بحرية الإنسان وكرامته، في العدل، والمساواة، وحرية المرأة، وغيرها من الحريات . وركز المؤلف على جهود الطهطاوي وتجربته التي تمثل حدًّا فاصلا بين مرحلتين في تاريخنا، وله مشروع حضاري كبير تمثل قضية الحرية عصب هذا المشروع وروحه، واستعان بالنهضة الأوربية من أجل محاولة الرقي بالمجتمع العربي، وقسم التمدن إلى نوعين: التمدن المادي، والتمدن المعنوي الذي يتعلق بالآداب والأخلاق .
- وتأتي الحرية عند الطهطاوي مقسمة على خمسة أقسام؛ وهي: الحرية الطبيعية، والحرية السلوكية، والحرية المدنية، والحرية الدينية، والحرية السياسية . وقد ركز الطهطاوي على حرية المرأة خاصة، فدعا إلى تحريرها من قيود العصور الوسطى، واعتبرها ركنًا من أركان المجتمع لا تقوم نهضته الحقيقية بدون مشاركتها، وتمتعها بحرية كاملة كإنسانة لها حقوقها الاجتماعية والإنسانية .
- وقد عالج – أيضًا – مفهوم الحرية عند الشيخ عبد المتعال الصعيدي الذي آثر طريق التجديد على الجمود، ورجح الاجتهاد على التقليد، وقد أفسح أمام العقل الإنساني الباب واسعًا لكي يتعامل مع النص الديني بحرية تامة، متجاوزًا ضيق الأفق وحدوده . وتحدث – كذلك – عن تقسيمه للحرية إلى الحرية: العلمية، والسياسية، والدينية، وأشار – أيضًا – إلى أرائه الجريئة في معالجة القضايا، مثل: حق الفرد في الاعتراض على الحاكم، وقضية الردة وغيرهما .
- ثم عرض في الفصل الثاني – من القسم الثاني - لقضية النهضة الحديثة عند علم من أعلام فكرنا الحديث؛ وهو العلامة محمود محمد شاكر الذي تصدى لمحاولات التغريب وطمس أصول الثقافة الإسلامية، وتذويب هويتها. فهو – على حد قول المؤلف - يمثل مدرسة متميزة وأصيلة في هذا المجال، تصدى بحزم للذين حاولوا طمس تراث هذه الأمة من أنصار التغريب، كما تصدى - أيضًا - بحزم أشد للمتنطعين الذين أساءوا فهم هذا التراث، وسعوا إلى تطويعه بما يخدم أفكارهم كتيار سياسي يسعى إلى الحكم، ثم عرض لموقفه من بدايات النهضة، وأنها نابعة من مصدر داخلي؛ وهو محاولة مجموعة من الأعلام إصلاح الخلل في كافة جوانب الحياة: السياسية، واللغوية، والعقدية، والاجتماعية .
- وبلور حديثه في الفصل الثالث حول قضية حيوية، وهي مكانة الإنسان في فكر الإمام محمد عبده من خلال معالجته لمكانة العقل في الفكر الإسلامي، وحرية الإنسان، ومكانة المرأة وغيرها من القضايا التي لا زالت تحتل أهمية خاصة في الخطاب الإسلامي المعاصر. ويرى المؤلف أن الإمام محمد عبده استطاع أن يؤسس المدرسة الاعتزالية الجديدة في نهاية القرن الثامن عشر، كما استطاع أن يصوغ أصول الإسلام صياغة عقلية إنسانية حضارية جديدة، تحترم حق الإنسان في الحياة وفي الحرية، وفي عمارة الأرض كخليفة عن الله منوط به القيام بهذه الأمانة؛ وهي التعمير والبناء والتنمية، ونبذ الشرور والمفاسد، وكل ما يؤدي إلى الخراب والدمار. ثم يناقش الدكتور القاضي الأصول الإنسانية عند الإمام محمد عبده، وهي تتلخص في أصلين، هما: العقل والحرية .
- ثم عرض في الفصل الرابع لقضية الدعوة الإسلامية في الغرب وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا،، وما الشروط التي يجب أن يتمتع بها الداعية الإسلامي الذي يتصدى لمهمة الدعوة الإسلامية في الغرب مثل: فهم العقلية الغربية، وكيف يمكن أن يخاطبها ويتعامل معها، وضرورة الإلمام الجيد بالأصول والعلوم الإسلامية، والاطلاع على علوم العصر وثقافاته، وإجادة بعض اللغات الأجنبية، ثم ناقش بعض الموضوعات الأخرى كشروط الدعوة نفسها، وشروط المدعو مثل: معرفة طبيعة البلد محل الدعوة، والإحاطة بثقافة أهله، ومعرفة – أيضًا – التراكمات التاريخية والصورة المشوهة المترسبة في ذهن المواطن الغربي عن الإسلام والمسلمين، ثم ناقش أهم الصعوبات في طريق الدعوة كالخلافات بين أبناء الجالية الإسلامية، افتقار القدوة المثلى لتمثيل الإسلام بصورة صحيحة، والانقسامات في صفوف المسلمين، والخلافات المتكررة بين الشعوب العربية والإسلامية وغيرها الكثير .
- أما القسم الثالث – من هذا الكتاب – فيهدف إلى ضرورة تجديد أدوات الخطاب الديني المعاصر، وتخليصه من أسلوب الرتابة وتثقيف العاملين في مجال الدعوة، وتحديث خطاب معاصر يتناسب بطبيعة التحديات المعاصرة داخليًا وخارجيًّا . كما أنَّ الخطاب الديني المعاصر يواجه مأزقًا حقيقيًّا في التعامل مع الغرب عمومًا، من حيث طبيعة هذا الخطاب، وكيفية إيجاد خطاب إسلامي واضح ومميز يجيد التعامل مع العقلية الغربية، بعيدًا عن أسلوب الوعظ المباشر والنمطية السائدة في عالمنا العربي والإسلامي. فالغرب يحتاج لعقلية عاشت وفهمت الثقافة الغربية، وتعرف كيف تخاطب المثقف الغربي بلغته بعيدًا عن أسلوب الخطابة والوعظ المباشر. فالغرب يحتاج للغة العقل والبرهان، وبناء على هذا يحتاج لعقلية أمثال علي عزت بوجوفيتش ومراد هوفمان، وليس لمن يحدثهم عن البدعة ودار الكفر ودار الإيمان .
- ومن ثم يدور هذا القسم حول الخطاب المعاصر وحوار الحضارات، والصراع المستمر بين الشرق والغرب، ثم عرض فيه لطبيعة الحوار في الإسلام وخصائصه، التي يمكن إجمالها في الخصائص الآتية: الحوار بالحسنى، الحرص على إظهار الحق، وحدة الجنس البشري، الاختلاف والتنوع حكمة إلهية، وثم أبرز أهم معوقاته الداخلية والخارجية، ويرى الدكتور القاضي أن الإسلام حذرنا من مغبة الفرقة والخصومات والتناحر بين الأطياف والأحزاب، بيد أن المسلمين لا يكترثون بتطبيق مبادئ الوحدة وانسجام الصفوف، ولم يلتزموا بقول الله تعالى: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا )(آل عمران: من الآية103)، وإنما كانت الفرقة والتناحر والقتال بين أبناء الشعب الواحد معوقًا داخليًّا لابد من تداركه والتخلص منه . ثم يشير أن المعوقات الخارجية تتمثل في الحركة الصهيونية التي تسعى إلى عرقلة كافة أشكال الحوار، وإلى تكريس الصورة النمطية المشوهة عن الإسلام في الغرب، خصوصًا وأنهم يسيطرون على وسائل الإعلام، وقريبون من دوائر صنع القرار السياسي، وخصوصًا أمريكا التي تساندهم ضد المصالح العربية والإسلامية .
- ثم عرض لقضية الخطاب الديني والتنوير، باعتبار أن التنوير الإسلامي منهج حياة وشريعة إلهية منبثقة من تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية، وتحدث عن الوحي ومضمونه من خلال نقاط ثلاث متكاملة، وهي: بداية الوحي، ومضمونه، ومدلول ختم النبوة . فالوحي في الإسلام منذ بدايته أكد على العلم وجعله المحور الرئيس، واستثار العقل، وفجر طاقاته، في إنشاء حضارة شاسعة مترامية الأطراف، استوعبت في أحشائها الحضارات السابقة، وتجاوزتها إضافة ونقدًا بما يؤكد أن هناك تلازمًا عليًّا بين نشأة الدين، وقيام الحضارة في الإسلام .
- وقدم – أيضًا - رؤية عن الدكتور عبد الرحمن بدوي ومكانته في الخطاب المعاصر، مبرزًا مفهومه للفلسفة الإسلامية ومجالاتها المتعددة، وموقفه من التصوف الثورة الروحية في الإسلام. ويرى – والحق معه – أن الدكتور بدوي يحتل مكانة مرموقة في عقلنا الجمعي الراهن، أي في الواقع الثقافي، والمسار الحضاري لأمتنا العربية والإسلامية، فقد ساهم مساهمة فعالة في تكويننا الثقافي والفكري من خلال إنتاجه الفلسفي المتنوع والممتد بين التأليف والترجمة والتحقيق، مع معالجته لميادين الفلسفة القديمة والوسطى والحديثة، وقدم الدكتور عبد الرحمن بدوي مشروعًا فلسفيًّا لدراسة الفلسفة الإسلامية يدور حول ثلاثة محاور رئيسة بهدف توضيح جوانبها المختلفة على النحو الآتي:
1- صلة الفلسفة الإسلامية بالفلسفة اليونانية وأثر تلك الفلسفة في بلورة وتشكيل الفلسفة الإسلامية .
2- التأصيل التاريخي لمجالات الفلسفة الإسلامية المختلفة، وقد ظهر ذلك في حديثه عن الفلسفة المشائية التي تعتبر امتدادًا للفكر اليوناني القديم، وفي دراسته المتعددة عن المدارس والفرق الكلامية، والتصوف والاتجاهات الروحية على اختلاف مشاربها، والأخلاق والمنطق .
3- تأصيل الاتجاه الروحي على اختلاف مشاربه في الحضارة العربية . ولا يمكن – في الوقت نفسه – إنكار جهوده في فن تحقيق النصوص، ونشر المخطوطات، بالإضافة إلى جهوده في ميدان الترجمة من اللغات الأوربية المختلفة وبخاصة لمؤلفات المستشرقين .
ثالثًا: الملامح المنهجية وتطبيقاتها .
- الاتجاه النقدي .
- التنوع في طرح الأسئلة والتساؤلات .
- الجمع بين التنظير والتطبيق .
- تحديد المفاهيم والمصطلحات .
وفيما يلي عرض لهذه الملامح بصورة تفصيلية.
1- الاتجاه النقدي .
إنَّ من أهم معايير التفلسف وضوابطه أن تظهر معالم النزعة النقدية في مؤلفات المفكرين ونتاجاتهم الفكرية والفلسفية؛ فالنزعة النقدية - كما تصورها الدكتورة فاطمة إسماعيل في كتابها منهج البحث عند الكندي - مبدأ أساسي لابد أن يمارسه الباحث من أجل تمحيص الحقائق، ونقد الآراء، والتحقق والتثبت من صحة الأفكار ... ويجب ألا يمنع ذلك من الاعتراف بالفضل للسابقين . كما يمثل الاتجاه النقدي أول معنى من معاني الموضوعية كما هي متمثلة عند الفلاسفة، ومعنى هذا الاتجاه ألا يتأثر المفكر بالمسلمات الموجودة والشائعة، وأن ينقد نفسه، وأن يتقبل النقد من الآخرين، فأهم ما يميز المفكر قدرته على أن يختبر الآراء السائدة بذهن ناقد لا ينقاد وراء سلطة القدم أو الانتشار أو الشهرة، ولا يقبل إلا ما يبدو له مقنعًا على أسس عقلية وعلمية سليمة .
وإذا كانت الفلسفة نقاشًا أو حوارًا أو طرحًا للسؤال كما يقول هيدجر، كان الفيلسوف ناقدًا بطبعه، وكانت الفلسفة فاعلية نقدية، أو نشاطًا نقديًّا، والنقد هنا – أيضًا – تمييز للزائف من الصحيح في عالم الفكر على حد قول الدكتور إمام عبد الفتاح . 
وعلى الرغم من تقدير الدكتور القاضي لجهود الدكتور عبد الرحمن بدوي، ووصفه له بصفات جيدة، من أهمها " المؤرخ الفيلسوف " فإنّ هذا لم يمنعه من مناقشة الآراء التي أبداها ثم نقدها والرد على بعضها، فيقول – على سبيل المثال - : " واضح تجني بدوي – في حديثه السابق – على الفكر العربي والروح العربية، والفلسفة العربية، كما يتضح – أيضًا – تبنيه وترديده لمقولة المستشرقين حول هذا الموضوع " . 
واستلهم المؤلف في نقده للدكتور بدوي بآراء رواد الفكر الفلسفي الإسلامي في العصر الحديث كالدكتور إبراهيم مدكور الذي لا ينكر تأثير الفلسفة اليونانية في الفلسفة الإسلامية، وإن كان هذا التأثير لا ينفي أصالتها واستقلالها وذاتيتها الخاصة في بعض الموضوعات والمشكلات، وأنَّ هذا التبادل الفكري لا يستلزم – دومًا – استرقاقًا وعبودية.
كما أظهر الدكتور القاضي مخالفته لرؤية المفكر الدكتور عبد الرحمن بدوي في تحديده للفلسفة الإسلامية وحصرها في مجال واحد بعينه؛ وهو مجال الفلسفة المشائية، فيقول: " نخالف مفكرنا الكبير في تحديده للفلسفة الإسلامية وحصرها في جزء ضيق ألا وهو الفلسفة المشائية والفلاسفة الذين درجوا على نهج اليونان، وهذا النمط بلا خلاف كان يمثل الفكر اليوناني أكثر مما يمثل الفكر الإسلامي، لكن جوهر الفكر الإسلامي الذي يمثل فلسفة المسلمين الحقيقية، وذاتهم المستقلة، إنما يتمثل في علم الكلام والتصوف التي كانت علومًا إسلامية صرفة ونبتًا ذاتيَّا نبعت من داخل البيئة الإسلامية، هذا بالإضافة إلى أن دور المسلمين مع علوم اليونان وفلسفتها لم يكن مجرد النقل والمحاكاة، ولكن تجاوز ذلك إلى النقد والإضافة والإبداع ". ولعل الدكتور القاضي متأثر - إلى حد كبير - في هذه الرؤية بالشيخ مصطفى عبد الرازق رائد الدرس الفلسفي في العصر الحديث . 
ويتفق الدكتور القاضي مع أبي فهر محمود شاكر في أن عصر الانحطاط في العالم الإسلامي بدأ بعد منتصف القرن التاسع الهجري، وبالتحديد بعد فتح القسطنطينية في عام 857هـ، ومن ثم ينكر وينتقد رأي بعض الباحثين الذين يرون بدء عصر الانحطاط في الفكر الإسلامي منذ القرن السادس الهجري .
وبالنسبة للطائفة التي تستخدم مصطلح السلف بمعنى الذم والانتقاص، فيرى المؤلف أن هذا الانتقاص والنظرة الدونية لهذا المصطلح، تعود إلى أنّ هذه الطائفة نقلتْ هذا الاستخدام دون وعي حقيقي بمضمونه عن الغرب الذين يستخدمون هذا المصطلح - فعلا - بمعنى الفكر القديم وخاصة في عصور الظلام والتخلف عندهم، وبذلك صار المصطلح بمعنى التأخر والرجعية، وهذا المعنى لا مبرر لإطلاقه على الفكر الإسلامي في العصور الأولى؛ لأنها عصور ازدهار وعلم وحضارة وعمل، وليستْ عصور ظلام وتخلف، هذا بالإضافة إلى أن هذا الفكر السلفي يمثل لنا في عمومه استمرارًا وزادًا خصيبًا، يجبُ علينا تمثله، والإفادة منه في تحديث الخطاب الديني وتجديده . 
2- التنوع في طرح الأسئلة والتساؤلات .
يطرح المؤلف في بداية كتابه مجموعة من الأسئلة المتنوعة والتي يهدف من خلال الإجابة عنها صياغة البحث وبناء هيكله، ومن أبرز هذه التساؤلات : هل قضية تجديد الخطاب الديني إشكالية حقيقية أم مزيفة ؟ وما طبيعة الأزمة ؟ وما حدودها ؟ وهل أزمة الخطاب الديني تبحث منفردة أم يجب معالجتها في ضوء قضية الإصلاح الشامل ؟ بمعنى آخر هل يمكن معالجة إشكالية الخطاب الديني بمعزل عن القضايا الأخرى، كالقضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية. هذا بالإضافة إلى قضايا أخرى يجب معالجتها مثل: ما معنى التجديد ؟ وما حدوده وضوابطه ؟ وهل التجديد قضية ذاتية أم نتيجة لعوامل ضغط خارجي ؟ وما أهم القضايا والإشكاليات التي يجب تناولها في موضوع التجديد ؟ ولماذا فشلت كل الجهود السابقة التي سعت إلى تجديد الخطاب الديني على مدى قرنين متصلين في خلق خطاب ديني قوي متوازن ومتفاعل مع قضايا الأمة ؟ وما النموذج المبتغي للتجديد ؟ 
هذه الأسئلة وغيرها تشكل القضايا المحورية التي سعى المؤلف لمناقشتها بالبحث والتحليل في مؤلفه.
3- الجمع بين التنظير والتطبيق .
تعد سمة الجمع بين التنظير والتطبيق ذات دلالة جيدة في مناقشة القضايا وتحليلها، وتأصيل أهم الأفكار الواردة في جنباتها عن طريق المزج بين التجريد والتطبيق، القوة والفعل، فبعد أن قدم المؤلف للأطر النظرية، والإشكاليات الفكرية لقضية التجديد، فقد سعى إلى معالجة مجموعة من القضايا التي تتصل اتصالا وثيقًا بقضية الخطاب الديني كقضايا تطبيقية تمثل مشكلات حقيقية عالجها الخطاب الديني، مثل : قضية الحرية الدينية والفكرية، وحرية المرأة، وحقوق الإنسان، وموقف الفكر الإسلامي الحديث من هذه القضايا، وكيفية تناوله لها في سياق التحديات المعاصرة التي تواجه الإسلام . 
فعلى سبيل المثال عرض الدكتور القاضي لقضية الحرية في الفكر الإسلامي الحديث، وكيف تعامل معها أعلام الفكر ورواده من المصلحين، كرفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده، وعبد المتعال الصعيدي من مختلف جوانب القضية بما يتناسب مع طبيعتنا وثقافتنا الإسلامية، فوقف هؤلاء الرواد في وجه الحرية المنفلتة التي تهب علينا من الغرب، وتهدف إلى إشاعة الفوضى، والانحلال تحت شعار الحرية، كما بينوا كيف كفل الإسلام للإنسان حقه في إبداء رأيه بحرية تامة دون أن يناله أذى حتى لو كان هذا الرأي يتعرض صراحة مع رأي النظام الحاكم .
4- تحديد المفاهيم والمصطلحات .
لا ريب عندي في أنَّ تحديد الألفاظ، وبيان دلالاتها مدخل أساسي، ومنهج ضروري لفهم ماهية الموضوع المطروح للمناقشة، كما أنه يقلل من الفوضى الفكرية، ويحسم مشكلات اللبس والخلط، وسوء الفهم بين المتحاورين. ويحلل الدكتور القاضي مصطلح التجديد ومرادفاته، فيذكر أنه تم استخدام مصطلح " التجديد " بمعان ومترادفات مختلفة، منها الإصلاح، النهضة، التطور، الإحياء وغيرها. وهذه المصطلحات استخدمت للتعبير عن مفهوم التجديد على مدار ما يزيد على قرن من الزمان، ويبدو أن مصطلح الإصلاح كان الأكثر قبولا في التعبير عن معنى التجديد من مصطلح التجديد نفسه.
ويناقش – أيضًا – مصطلح السلف والسلفية، فيرى أن مدلوله عام يقصد به من مضوا من الأجيال السابقة من أبناء هذه الأمة عبر عصورها المختلفة دون تمايز أو تفضيل، بالإضافة إلى أن مدلول السلف والسلفية ليس قاصرًا على مدرسة دون أخرى، بدليل أننا نجد بجوار الشيخ محمد بن عبد الوهاب الحنبلي، الإمام الشوكاني الزيدي، والمهدي من رجالات الصوفية، وربما " كان الأوفق إطلاق لقب السلف على جميع الحركات التي سعت بعودة الخطاب الديني لنقائه الأول في مجال العبادات والعقائد في عهد الرسول وخلفائه الراشدين باعتبارهم النموذج والقدوة التي يسعى الجميع إلى الاقتداء به والسير على هديه ".
وناقش المؤلف – كذلك – مصطلح الهيمنة، وهو مصطلح قرآني له دلالات متعددة، منها: التصديق، والرقابة، والشهادة، والحفظ والائتمان . كما أن الهيمنة القرآنية هي هيمنة الإسلام على بقية أديان العالم بهدف العودة إلى الدين الواحد للبشرية؛ دين التوحيد، واعتباره مهيمنًا على الأديان.
5- المقارنة بين الآراء والتصورات .
يميلُ المؤلف – أحيانًا - للمقارنة بين الرؤى والتصورات الشائعة، فيرى – مثلا – أن التجديد في الإسلام يسير على منهج ثابت، ويطالب بالعودة للأصول الصحيحة في القرآن والسنة. أما التجديد في المسيحية وغيرها من الأديان، فلا يخضع لقاعدة معينة، ولا منهج ثابت، لأنَّ أصول هذه الأديان تعرضت للتحريف والتزييف. فالتجديد في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، حلقة في سلسلة تجسد فكرة التجديد العميقة الجذور في تاريخنا الإسلامي، كما أن الصحوة المعاصرة منذ عقد السبعينيات من القرن الماضي، هي امتداد لتيار اليقظة والنهضة والإحياء، الذي تدفق في العلم الإسلامي، منذ الاستعمار الغربي معبرًا عن استجابة الفاعلة لما مثله هذا الغزو من تحد .
فيرى أحد رجال الدعوة والفكر المعاصرين، وهو أبو الحسن الندوي أن السبب في قدرة الإسلام على مواجهة هذه التحديات تعود إلى قوتين الأولى هي حيوية الإسلام الكامنة فيه والثانية قوة الإسلام بالمجددين القادرين على تجديد دين الأمة . ويمكن تفسير هاتين القوتين من خلال تعريفهما فالقوة الأولى: هي الحيوية الكامنة في وضع الإسلام نفسه وصلاحيته للحياة والإرشاد في كل بيئة، وفي كل محيط، وفي كل عهد من عهود التاريخ، فقد خص الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - برسالة وتعاليم كاملة للإنسان صالحة لكل زمان ومكان، تستطيع أن تواجه ما يتجدد من الشئون وأطوار الحياة، وتحل كل ما يعتري من المشكلات والمعضلات، والدراسة العميقة الشاملة للقرآن الكريم والحديث النبوي الصحيح ومصادر الإسلام، كافلة بالاقتناع بما أقول، ولكنه موضوع الفقه الإسلامي والنظم الإسلامية.
والقوة الثانية: هو أن الله قد تكفل بأن يمنح هذه الأمة التي قضى ببقائها وخلودها رجالاً أحياء أقوياء في كل عصر. ينقلون هذه التعاليم الإسلامية إلى الحياة، ويعيدون إلى هذه الأمة الشباب والنشاط. إن هذا الدين نفسه هو من أقوى العوامل في وجود هؤلاء الأشخاص في كل عصر ومصر، لأنه يثير في أتباعه ودارسيه كوامن القوة ويبعث فيهم الثورة والتمرد على الأوضاع الفاسدة، والمجتمع الزائغ والأخلاق المنحلة والسياسة المستبدة، والحكم الجائر والترف المسرف، ويفرض عليهم إنكار المنكر وكلمة حق عند سلطان جائر، ويحرم عليهم الاستنامة إلى الأوضاع الفاسدة، والرضا بالحياة الدنيا، وبيع الضمائر ويهبهم كذلك الأصول والنصوص المتينة الحكيمة التي يحلون في ضوئها المشاكل الطريفة والمسائل المعقدة. 
وتتضح هذه المقارنة – أيضًا - بوضوح عند عرض قضية الردة وموقف الشيخ عبد المتعال الصعيدي منها.
- وأظن – في ختام هذه الملامح – أنه من الضروري أن أؤكد أنَّ هذه بعض القسمات المنهجية التي تبين مدى أهمية هذا الكتاب في معالجة قضية تجديد الخطاب الديني، وهي إشارات قابلة للمناقشة والتحليل، عساها أن تفتح مجالا للآخرين نقدًا وتحليلا في بلورة المفاهيم .

شوهد المقال 4299 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان ـ وهناكَ أنتِ

عادل السرحان                  وهناكَ أنتِ وقد أويتِ لتربةٍ  عنيبعيدةالله شاء وقد قضىأن ترقدي بثرىًوحيدة وتنازعين الموت وحدك بينما تبكيك بعداًويح نفسي كل ذرّاتي الشريدةأوّاهُ كيفَ تبعثرت تلكَ السنين وأبحرت في موجة الزمنالعتيدةوكيف
image

العياشي عنصر ـ في كتاب علم الاجتماع الأنثروبولوجي

 د. العياشي عنصر  علم الاجتماع الأنثروبولوجي تحت إشراف؛ عادل فوزيتعريب وتحرير؛ العياشي عنصر إصدار مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية - وهران، 2001  تـوطئـــة لعل إحدى السمات الثابتة والمميزة للساحة
image

حمزة حداد ـ الجمهورية لا تحتاج إلى وسطاء !

حمزة حداد   إذا كان الدعاء هو الواسطة بين العبد وربه فان الحق في حرية الاختيار هو الواسطة الحقيقة والوحيدة بين المواطن ومؤسسات الجمهورية. بها يزكي
image

عثمان لحياني ـ رسالة الى متملق (سقاية لكل من دافع عن نظام الخراب)

عثمان لحياني              تُنسى كأنك لم تكنتنسى كأنك لحظة مرت..ونافذة لريحتُنسى كتفاح عَفِنْ  كنا نرتب قش عش حمامةفي الصيف.. ونحفر مجرى ماءوكنت تسرق من وطن  لا وجه لكالا ملامح
image

وليد عبد الحي ـ مستقبل الصراع العربي الصهيوني : 2028

 أ.د. وليد عبد الحي  هل يمكن النظر لصراع تاريخي وشمولي من خلال " اللحظة؟ ام لا بد من تتبع المسار التاريخي وتحقيبه للاستدلال على المنطق
image

بن ساعد نصر الدين ـ شيزوفرينا الشرطة

بن ساعد نصر الدين  شيزوفرينا الشرطة او انفصام الانسان بين حياته العادية و حياته العملية داخل المسالك الأمنية !!_ لا زال السؤال الاخلاقي يضرب عقل كل
image

ناصر جابي ـ الجزائر: هل سيحكمها الستيني أخيرا؟

د . ناصر جابي  كنت دائما مقتنعا بأهمية القراءة الجيلية ـ الديمغرافية للحياة السياسية في الجزائر. لما تملكه من قوة تفسير تاريخي. عندما يتعلق
image

نوري دريس ـ الحرية السياسية

 نوري دريس    الحرية السياسية هي أن تعيش تحت دولة القانون. الذين يعيشون في مناطق (انسحبت بشكل نسبي) منها سلطة الدولة لحسابات سياسية, لا يعيشون الحرية,
image

حميد بوحبيب ـ دائرة الطباشير الابتدائية : أبجد،هوز،حطي، كلمن... A.b.c.d.e.f.g...

د. حميد بوحبيب طلاسم اللغة ومفاتيحها ، منذ فجر ظهور المدرسة نتلقاها على أيديهم الهشة الناعمة ...هم ...هم المعلمون ، شيوخا تاع ليكول...les instituteurs...تصادفهم كل صباح
image

نجيب بلحيمر ـ الأسبوع الأخير من سنة أولى ثورة سلمية:

 نجيب بلحيمر  - منع ندوة صحفية للإعلان عن تنظيم لقاء لناشطين- قمع مظاهرة للمعلمين - تعيين كريم يونس في منصب وسيط الجمهورية الرسائل: - النظام يمنع المجتمع من تنظيم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats