الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | سوسيولوجيا الفن والأدب...الرّهـــان

سوسيولوجيا الفن والأدب...الرّهـــان

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

فارس شرف الدين شكري *


تلقى سوسيولوجيا الفن اليوم، في العديد من الجامعات الكبرى العالمية، انتشارا واسعا وبخاصة في فرنسا وأمريكا وانجلترا. هذا الانتشار الملحوظ ترسَّخ في ثمانينيات القرن العشرين إثر ذلك التأسيس المتين لها في السبعينيات من نفس القرن. ولقد حاولنا أن نوجز في بعض النقاط آنفا تلك الظروف أو الشرائط التي جعلت ذلك ممكِنًا. وكرؤية حصرية، تذهب مباشرة إلى قلب تلك الشرائط، وتميط الغطاء عن الفكرة التي تنطلق من هذا التساؤل سنجيز لأنفسنا هذا السؤال: - لماذا اعتُبِرت سنوات الثمانينيات تلك، بمثابة الانطلاقة الفعلية للبحوث الخاصة بميدان سوسيولوجيا الفن كتكملة للبدايات التي قوبلت بوجه تفاؤلي في السبعينيات من القرن العشرين؟.
يجيب ريتشارد.أ.ب Richard .A.PETERSON عن هذا السؤال: " ليس مردّ هذا الاهتمام الكبير بهذا الميدان المعرفي إلى نظرية جديدة ولا إلى أداة جديدة للبحث، ولا إلى وثائق أرشيفية، ولا إلى مركز تجريبي، ولا إلى مصدر مالي. ولكنه يعود كما يثبت ذلك البحاثة، إلى نفاذ مخزون البحوث السوسيولوجية واستهلاكها غير المجدي في العديد من المواضيع : " L’épuisement de certains paradigmes de recherche en Sociologie." .غير أن هذا النفاذ في الحقيقة، ولَّد مجالا معرفيا آخَر. إذ أن الانتهاء هنا هو بداية في نفس الوقت ! وهنا نؤكد فكرة ميشال فوكو -دون حصرها في المجال الفلسفي طبعا، دون سواها من مجالات المعرفة الأخرى في مختلف الخطابات -" إذاَ كانت فكرة العودة توحي بانتهاء الفلسفة، فإن نهاية الإنسان، هي عودة بداية الفلسفة". أي أن للإنسان الآن، مكانة جديدة في علاقته مع الأشياء، تسمح له بأن يفكِّر نفسه بطريقة جديدة كذلك في فضاء غيابه. فاستنفاذ الدراسات السوسيولوجية في بعض المواضيع العقيمة والإغفال - غير المجدي - عن بعض المواضيع، كالمواضيع الفنية وعلاقتها مع الكائن البشري، أدّى إلى نهاية تلك الاتجاهات، وفتحَ مجالا جديدا في قلبها..مجالا كان محاصرا بالحيطة والخشية من عالم الرموز والمخيالSymbole et imaginaire. فسوسيولوجيا الفن، في الثمانينات، ربحت ذلك الرهان -الذي يظلُّ مفتوحا دائما- ذلك الرِّهان الذي رفعه ج. دوفينيو كخطة تبشيرية تقف على مدخل التبشير للفن، من وجهة نظر سوسيولوجية أخيرا. رهانٌ ، يشكل" المخيال" ومكانته المستقبلية في الوجود، هيكله العظمي. 
والخطوط العريضة لهذا" الهيكل" يمكن تلخيصها في النقاط التالية :
1)- الفن: تواصل للديناميكا الاجتماعية بوسائل مختلفة. 
2)- المخيال: سلوك وجودي Conduite existentielle، عن طريق رموز وإشارات، يحاول أن يكتسب أكبر قدر من التجربة الإنسانية، وبالموازاة من الحركات الآنية، فهو يعبر عن الحركات المستقبلية. 
3) - لأن الإبداع التخيُّلي Création imaginaire سابقٌ للوجود الواقعي، فإنه يشكل فرضية مشكِّلة لما هو ممكن (محتمل) ومنطلَق لما يمكن أن تكونه الحياة وتجربة الجماعة والأفراد.
إن النقطة الحسّاسة التي قد تُطرح حولها العديد من الأسئلة التي لا يمكن أن تكون الإجابة عنها مكتمِلة وقاطعة، والتي تتعلق بالمخيال، ستدور حتما حول: 
- هل بالإمكان حصر جميع البنى Structures المشكّلة لسوسيولوجيا الفن، وذلك في حضرة " المخيال " الذي يوحي بالفراغ أو اللامفكر فيه أكثر من إيحائه بالملموس أو المفكر فيه؟.
كما أشرنا آنفا، فإن سوسيولوجيا الفنّ، انبثقت من نفاذ البحوث السوسيولوجبة في العديد من المجالات، ممَّا أدى بها إلى البحث عن علاقة جديدة مع الوجود، تنطلق من مستجدات ووضعيات جديدة للفرد والجماعة مع المحيط. وهذه العلاقة قامت بها السوسيولوجيا طبعا اعتمادا على استعدادات إبستمولوجية جديدة ـ أشرنا إلى بعضها آنفا ـ. هذه الاستعدادات التي تخضع للمحك الجديد للفلسفة، الذي سطرَته لها بدءا من بداية هذا القرن، الذي افتتحه "نيتشه" بأعماله الفلسفية التي تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر- لكي نحصر الفكرة في المجال الإبستيمي الذي حددناه -، ولنحدد كذلك مجال الإجابة عن ذاك السؤال، سوف نُـلخِّص أهم النقاط التي ترسم بخطوط عريضة مكانة اللامفكر فيه ودور الجانب الذي قد يتبادر إلى الذهن " الضيق " بأنه " فارغ " . هذا الدور وهذا الجانب الذي يستند إليه المخيال بشكل أساسي كإمكانية محتملة :
1)- الثقافة الحديثة تستطيع أن تفكر الإنسان، لأنها تفكر النهاية بدءا منه ذاتيا :
النهاية = إمكانية جديدة لبدايات عديدة.
2)- لم يعد الأمر يعني الاهتمام بالحقيقة أصلا وإنما بالكائن Non plus de la vérité , mais de l’être
ليس بإمكانيةٍ معرفية، وإنما بلا معرفة أولية Méconnaissance première 
ما لا يعرفه الإنسان = مشاريع معرفية عديدة بحاجة إلى التأسيس مستقبلا.
3) ـ في الكوجيتو COGITO الحديث، أصبح الأمر يتعلق بنعتِ أكبر قدر ممكن يفصل ويربط في نفس الوقت الفكر الحديث مع ذاته ومع ما يتجذر في الفكرة من " لا مُفكَّر فيه " . لن يصبح الكوجيتو إذاً، ذلك الاكتشاف المبهر لجموع ما" فُكِّرَ فيه" ، ولكنه التساؤل المكرَّر دائما لمعرفة أين تسكن الفكرة خارج إطارها المعلوم، وكيف بإمكانها أن تصير في الفضاءات غير المفكر فيها.
4)- هذه الحركة الثنائية الخاصة بالكوجيتو الحديث، تفسر إذاً، لماذا الـ" أنا أفكر" لا تقود حتما إلى بديهية " فأنا موجود".
إن الكوجيتو الحديث، يُبرز كذلك مكانة ودور اللاوعي في التأسيس لإمكانية معرفية مستقبلية. وهذا الجانب السيكولوجي في الحقيقة يتزود به الفنان، ويطرح في نفس الوقت بفضله مكانةً جديدة للأدوات الفنية: الكتاب، الطابلوه، الرجل الآلي...الخ. وفي أثناء تلك القراءة الخاصة التي يقوم بها الفنان لواقعه، يقوم بوضع رؤية Vision لذلك الواقع، مترجِِمَة له، ومسطِّرة لنوع تلك العلاقة ومبرِزة لإمكانية تأسيس علاقة جديدة ـ مميَّزة ـ وتنبؤية..وهذا ما خلِص اليه "ج . دوفينيو"، حين تحدّث عن الرواية الفرنسية أو الروسية التي " تقترح العديد من الوضعيات الخاصة التي تعكس سلوكيات وحركات لم تكن موجودة من قبل. هذه السلوكيات التي تنبَّأ بها (مثلا) طالب ألماني في الفلسفة، في مدينة ـ نيس Nice ـ حين كان يبحث في عمل روائي لدوستويفسكي DOSTOIEVSKY، والتي تعكس تلك الصدمة المستقبلية التي سوف تبصم حياتنا. أو، حين تحدث عن" موسيقى الجاز المستلهَمَة من الأفارقة المهجّرين إلى أمريكا. هذه الموسيقى التي سوف تغيّر حياة ثلاثة أجيال متعاقبة، وتجعلها أكثر استعدادا لاكتشاف حركات ممكنة في عالم مليء بالمتغيرات ...
نخلِص أخيرا إلى أن أثر الفنان يشكل رهانا لمرايا الوجود المستقبلي ..".

 

Top of Form

Bottom of Form

 كاتب وباحث ومترجم جزائري 

شوهد المقال 2933 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حكيمة صبايحي ـ القاضي سعد الدين مرزوق (لا قضاء ولا محاماة..دون استقلالية عن السلطة التنفيذية ..!!

د. حكيمة صبايحي  إذا كان ارتداء جبة القضاء والتنسك بمحرابه المقدس وتصريف رسالة العدل السامية والسماوية في الأرض شرف ما بعده شرف ، فإن الافوكاتية التي
image

عبد الجليل بن سليم ـ مشروع الدستور حماية الدولة من نفوذ موظفيها حماية الدولة من النفوذ الخارجي

د. عبد الجليل بن سليم  للمرة الخامسة أعيد قراءة مشروع الدستور المطروح لاستفتاء يوم الفتح من نوفمبر المقبل و حاولت أن أقنع نفسي بان هدا الدستور
image

مرزاق سعيدي ـ بعيدا عن الرؤية بعين واحدة..

مرزاق سعيدي  لماذا يتعلق الجزائري بالمتغيّر وليس بالثابت، في الغالب، ويركز على الآني وليس على الإستقرار، ويستثمر في الكماليات وليس في الضروريات، ويجري خلف سيّارة جديدة،
image

زهور شنوف ـ الأرض والشعب يحتاجان للحرية في الجزائر

زهور شنوف   النائب الذي استقال من اجل خيار الشعب في السجن، الصحفي الذي اصر على اداء واجبه الوظيفي بأمانة تجاه الشعب في السجن، القاضي الذي انتصر
image

عثمان لحياني ـ ونوغي..عض الأصابع

عثمان لحياني  على اقتناع تام أن ما كان يقوم به العربي ونوغي كمدير لوكالة النشر والاشهار، هو جهد شخصي وتصور نابع من مزاج ذاتي وليس سياسة
image

رشيد زياني شريف ـ من ثمرات الحراك الجزائري المباركة، جامعة بورشات للأعمال التطبقية

د. رشيد زياني شريف  ما حققه الحراك من حيث الوعي يفوق مئات المحاضرات الراقية والحوارات السياسية المفعمة والخطب البلاغية العصماء والمقالات الموثقة، بل أصبح الحراك أكثر
image

نجيب بلحيمر ـ مخلفون

نجيب بلحيمر  إعلان بعض الأحزاب السياسية تصويتها على "الدستور" بـ "لا" يعبر عن قناعتها باستمرار توازنات ما قبل 22 فيفري، وحتى إن كانت الأحزاب قد عجزت
image

جلال خَشّيبْ ـ قراءة في كتاب " "القيادة وصعود القوى العظمى" للبروفسور الصيني يان شيتونغ : "رؤيةً من الصين"

د. جلال خَشّيبْ  حصلتُ أخيراً على هذا الكتاب القيّم والجديد (2020) "القيادة وصعود القوى العظمى" للبروفسور الصيني يان شيتونغ، الذّي أعددتُ سابقاً ملخّصاً لدراسة مُطوّلة كُتبت عنه
image

محمد نايلي استاذ في عمر 71 سنة معتقل بسجن العوينات ولاية تبسة ..الجزائر الجديدة

التنسيقية الوطنية للدفاع عن معتقلي الرأي‎  عمي #محمد_نايلي أطال الله في عمره الإنسان الطيب الاستاذ المحترم صاحب ال 71 سنة قابع

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats