الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | ماذا نريد لفن الرواية..؟؟ للدكتور حبيب مونسي

ماذا نريد لفن الرواية..؟؟ للدكتور حبيب مونسي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 



الكل يكتب.. الكل يجتهد.. الكل يسعى إلى أن يرتفع بنصه إلى مصاف الإبداع.. تلك هي الحقيقة التي لا يمكن أن نختلف حولها.. بل إنها النقطة التي يجب أن نتفق عليها لننطلق في حوار جاد حول الرواية تشخيصا وتعليقا ثم رصد التحولات التي تسكن السرد الروائي محليا وعالميا... لأننا في منعطف خطير في حياة هذا الجنس الأدبي.. 
الكل يعلم أن الرواية كانت في تاريخها الطويل تقص قصة/رواية/ أحداثا... وأنها من خلال القص تسترفد عددا من الأفكار والرؤى التي يبيتها الكاتب ويبثها في نسيجه السردي قصد إحداث تغيير ما في البنية الذاتية أو الاجتماعية أو الفكرية.. إحداث حالة فهم.. أو يجاد سلوك.. أو السير بالآخرين نحو التغيير... ثم تحركت الرواية تحت ضغط الواقع المتردي جراء الحروب إلى شيء من العبث.. وراحت استجابة لمرحلة خطيرة في منتصف القرن العشرين تدور حول نفسها شكلا.. ثم هاهي اليوم تفتح على نفسها جبهة التاريخ لتعيد ترتيبه من جديد ولتعطي نفسها حرية العرض التاريخي بما تضفيه على الأحداث من حياة ومشاعر.. 
وهي الآن كذلك تنساق وراء لغة الإفضاء واستخراج سخائم الذات... و لها في كل حال من أحوالها لغاتها الخاصة وأشكالها الخاصة ومعاييرها الفنية الخاصة التي ير تضيها أهلها الحاضرون بين يديها.. فلم يزعم زاعم منهم أنها سرمدية أنه لا بد أن تستمر لتفرض لونها على الآتي من الأجيال.. 
وحينما نقرأ تاريخها نلمس آثار تلك المشاحنات بين المبدعين والنقاد على أطرافها.. غير أننا اليوم نعاين حالة جديدة من حالاتها.. فهي لم تعد محصنة كما كانت من قبل، وأن انفتاحها على الأجناس الأخرى كالشعر والمسرح والسينما أورثها أتعاب هذه الأجناس فترهلت بها وداخلها شيء من الثقل والتخثر.. ولم يسعفها النقد الاستباقي بتحديد الداء ، أو تحذيرها من مغبة الشره في ابتلاع تقنيات الأجناس المتاخمة لها.. 
لقد كلفت نفسي بقراءة ما انتهى إلي من روايات (2008/2012) وانتهيت إلى النتائج التالية: أولا الإيجابية:
- وجود اجتهاد معتبر على مستوى المخيال السردي، وتعدد موضوعاته.
-وجود اشتغال على مستوى الشكل والتجديد فيه.
-وجود استفادات جمة من مصادر مختلفة عربية وغربية.
-وجود تطور ذاتي لكثير من النصوص يشعر بتمرد السرد على السارد
- وجود مادة سردية قوية.. جريئة.. ذاتية المذهب والرؤية.
-وجود أسماء تتطور من نص لآخر.. بل هناك من يتطور داخل النص الواحد.. يبدأ السرد مترددا متهالكا وسريعا ما يشتد ويقوى..
ثانيا السلبية:
- كثرة الأخطاء النحوية والصرفية والتركيبية.. وضرورة إيجاد المحقق اللغوي كما هو الشأن عند كل دور النشر المحترمة عربيا وغربيا. فقد يقع من الكاتب الحصيف ما يستهجن ويسترذل، لا لضعف فيه وإنما ذاك من قبيل اللحن في الكلام.
-استعمال ألفاظ في غير ما أنشئت له من معنى.. وليس على سبيل الانزياح وإنما عن جهل بحقيقة وضعها وتأثيلها..
- بدأ الرواية من الفكرة دون التخطيط للشكل، وتمرد السرد على السارد.. واعتبار ذلك تطورا ذاتيا للنص.
-عدم وجود عمل جانبي خارج الرواية يتناول الحقائق المعرفية والتاريخية والثقافية التي يوظفها الروائي في سدى روايته. أي أن يحتطب الروائي وقودا لروايته.
-طغيان ضمير المتكلم وهيمنة على عدد كبير من النصوص.. مما يجعل السرد من قبيل الفضفضة الذاتية.
-عدم الاهتمام بتجانس فصول الرواية في عدد صفحاتها.. تطول في فصل وتقصر في آخر من غير سبب شكلي واضح.
-تحول بعض الشخصيات من حال إلى آخر قفزا وليس تطورا.. وكأن الروائي نسي ما نسب لها في مطلع الرواية وقرر ضده في آخرها..
-دوران السرد حول شخصية واحدة محورية والشخصيات الأخرى تأثيث وحسب، مع أنه يمكن أن تستغل لإيجاد أصوات متعددة داخل السرد..
*****
ليس هذا من قبيل التعميم والأحكام الجاهزة كما سيسارع بعضهم إلى نعته وإنما هو استقراء بعد قراءة ندعو المهتمين بالرواية لمناقشته في هدوء بعيدا عن الخطابات الفظة.
هناك على الساحة النقدية واقع يساير الرواية ألخصه في هذه النقاط:
- هناك إرادة لإحداث فجوة بين النقد الجامعي والرواية الجديدة وتقزيم الجهد الأكاديمي ونعته بالسطحية والرجعية.
-هناك إرادة لتفضيل نقاد على آخرين من خلال رسائل ملغومة بالشحناء والمدح المخادع الذي يتو جه به إلى أسماء محددة، وذلك بغية إيجاد فريقين متخاصمين تستنزف من خلالهما طاقات النقد الجاد المحايد.
-هناك خطاب استئصالي يريد إحداث قطيعة بين الأجيال.. يعتمد على الفظاظة والألفاظ الجارحة وإشارات التقزيم وبخس الناس أشياءهم ومراتبهم.
هذا هو واقع الحال الثقافي اليوم.. 
****
ليس لنا من خيار سوى أمرين اثنين: إما السعي إلى لم الشمل وإصلاح ما انهمل مما ذكرنا في نقاش هادئ متحضر نسعى من ورائه إلى بناء مدرسة نقدية جزائرية واعية بو اقع شاخص مضطرب متطلعة إلى غد واعد مبدع. وإما المضي في فتن القول والتنابز والتناحر لنخسر جميعا فرصة تاريخية متاحة بين أيدينا اليوم بغزير إنتاجها وتعدد أصواتها وجديد طاقاتها..

 

Top of Form



شوهد المقال 2770 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك.....الوعي الشعبي .....أو هناك بناء جديد لضمير الخلقي الجماعي

 عبد الجليل بن سليم  منذ بداية الحراك و في كل التدخلات الصحفية لاشخاص سواء كانوا مع حراك الشعب أو كانوا مع النظام يتكلمون على الوعي
image

رضوان بوجمعة ـ القطيعة مع كراهية الدكاكين الإعلامية

 د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 159   يواصل الشعب الجزائري مسيرته السلمية من أجل الانتصار لمعركة الحريات، معركة المجتمع المفتوح الذي يبني الدولة ويحمي النسيج الاجتماعي ويؤسس
image

وليد عبد الحي ـ السلام الذي يزيد الانفاق العسكري

 أ.د.وليد عبد الحي  كثيرا ما تذرع بعض العرب بأن الصراع مع اسرائيل ارهق اقتصادياتهم، وبأنه آن الآوان للخروج من دوامة الحروب والتفرغ لبناء المجتمعات والتنمية
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجزائر ..52 .وتصاعد الاحساس بالمسؤولية

 د.العربي فرحاتي شعب حر يستحق الاحترام ..هي جمعة حراكية ما قبل جمعة الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى من الحراك السلمي . سنة كاملة من الخروج لاحرار
image

وليد عبد الحي ـ ملابسات الموقف التركي في الشمال السوري

 أ.د. وليد عبد الحي  أربعة أهداف تقف وراء التدخل التركي في الشمال السوري:أولا:تصفية العسكرتارية الكردية في البيئة الاقليمية المحاذية لتركيا كمقدمة لدفن احلام حزب العمال
image

رضوان بوجمعة ـ جهاز القضاء من "بن تومي" إلى "زغماتي"

 د.رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 158  عرفت الجزائر منذ 1962 تعاقب 21 وزيرا على تسيير جهاز القضاء منذ 27 سبتمبر 1962 إلى يومنا هذا، وهو عدد بسيط
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك....اتخاد قرار صحيح... la pausa ......XAVI....

عبد الجليل بن سليم  أحسن مكان يمكن أن ندرس فيها و نحلل طريقة اتخاد القرار هي كرة القدم و هدا مافعله Torbjörn vestberg القصة
image

أحمد سعداوي ـ اسقاط النظام هو المطلب الأكثر واقعية وجذرية. . لماذا؟!

أحمد سعداوي لان اسقاط النظام [السياسي] لا يعني اسقاط الدولة. فكل ما بذله النضال السلمي الثوري من تضحيات هو من أجل بناء الدولة أصلاً،
image

العربي فرحاتي ـ الأحزاب الجزائرية ...والتطبيع بمدخل "السلطة الفعلية" ..

د. العربي فرحاتي  تعبير " السلطة الفعلية" يعني في ما يعنيه سياسيا أنها سلطة مفروضة على الشعب كواقع بأية صيغة من صيغ الفرض.ومن حيث

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats