الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | مصادر الرواية الجزائرية

مصادر الرواية الجزائرية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

شرف الدين شكري 

 

  

 

 

ياسين كاتب ..عبد الرزاق بوكبة ..مستغانمي أحلام ..رشيد بوجدرة ..شرف الدين شكري ..اسماعيل يبرير ..مفتي بشير ..بوكرزازة مراد ..جلطي ربيعة ..قسيمي سمير..ميموني رشيد ..واسيني الأعرج ..وطار الطاهر ..الزاوي أمين ...

 الموضوع ربما يتطلب أكثر من مداخلة بسيطة على هذا النحو... يتطلب ورشة عمل متخصصة، لأن ثقافة المعلومة ربما، تغيب بشكل كبير عن ممتنهني الكتابة الإبداعية من جهة، ولا تؤخذ كدراسة نقدية إبداعية آكاديميا مواكِبَة من جهة ثانية، مما جعل النقد عندنا يعيش نوعا من العرج في علاقته بين النص الإبداعي والنص النقدي

وكي لا يقع نوعٌ من الخلل في فهم هذا المقال لشدة الاختزال، حاولت أن أكون لمّاحا بقدر المستطاع، جامعا المصادر الروائية كما يتبين لي أنا شخصيا في نقاط ثلاث هي:

-1-

أريد أن أبدأ هذه المقال بكلمات، قد تبدو غريبة نوعا ما على المستمع...كلمات ذُكرت في نشيد لأيزيس، في القرن الثالث الميلادى أو الرابع، اكتُشف فى نجع حمادَى، مثلما جاء في مقدمة رواية : أحدى عشرة، لباولو كويلو... كي أعطي لمحة ولو بسيطة عن واقع الرواية الجزائرية، كما أتصورُه اليوم.

تقول كلمات القصيدة :

" لأنني الأولى والأخيرة

لأنني المبجلة والمحتقرة

الزوجة والعذراء

الأم والأبنة

لأننى ذراعا امى

لأننى العاقر ولأن  أولادى لا يُحصَون

لأننى الزوجة،  الزوجة والعزباء

لاننى العزاء فى الأم الولاّدة

لأننى الزوجة والزوج

ولأنى رجُلى هو الذى خلقنى

لأننى ام أبى

لأننى أخت زوجى

ولان زوجى هو ابنى الذى تخليت عنه

لأننى كل ذلك

قدِّموا لى الأحترام على الدوام

فأنا الفاجرة وأنا المرأة النبيلة .."

***

 

ماذا نفهم من وراء نشيد إزيس، يا ترى؟

تربّت رؤيتي الروائية تحديدا على فضاء روائي متعدّدُ اللغات:العامية، العربية الفصحى، والفرنسية. في العامّية، كان الفضاء الروائي محكيا بفضل قصص "عمّتي" الطويلة التي كانت تمتدُّ لليال وليال، وهي في العادة لا تخرج عن جوّ الأساطير المعروفة في المنطقة، والتي تصوّرُ بطولات أجدادنا منذ زحفهم الأول من "الساقية الحمراء"، واستيطانهم بالمدن الشرقية الجنوبية التي تشبه الصحراء، من جهة، فتحفظ لهم بذلك "مخيال" منطقة "الساقية "، ومن جهة ثانية تقترب من "التل"، فتضمن بذلك بعض الخضرة والماء لأجل ضمان سبل حياة أيسر. إنّ الترحال في الغالب، ينبع من الرغبة في ضمان مصدرين أساسين للحياة هما: الأمن والغذاء. وحالما يتوافر الغذاء والأمن، تبدأ نوستالجيا الذاكرة في تدارس الأحوال والاعتبار، لأجل مسايرة الجديد من الحياة، بالاستعانة بالحِكَم القديمة التي وخطت ذاكرة الأجيال التي عاصرت ذلك التنقُّل، وتلك التي توارثت حكايا الأسفار الطويلة جَيْلا بعد جيل.

شكّلت المرأة بذلك، رابطا متينا للحفاظ على موروث تلك الذاكرة. فإضافةً إلى كونها-أي المرأة- المصدر الأول لتجديد السلالة، والقيام بمهام البيت يوميا، فهي أيضا، كانت المنبع  الأساس للحنان شبه المفقود لدى الوالد، بحكم أن النظام الأبوي، كان نظاما ثنائي الأقطاب ( سلطان- عبد) ؛ أي أن الأب كان هو الحاكم، والأم والأبناء كانوا هم المحكومين، وبذلك كان الاحتكاك المتين يبرز بين الأم وأبنائها؛ أي بين الأطراف المستعبدة، أكثر مما يبرز بين الأولاد ووالدهم. ولا زال هذا النظام ساريا حتى الساعة –ربما بشكل اقل نوعا ما، ولكنه، لا زال يساير معظم العلاقات الأسرية في العائلة الجزائرية، حتى تلك التي اعتلى فيها الوالدان مستوى علميا أكاديميا. فالأولاد عموما، هم إلى أمهاتهم أقرب، والنظام الباتريركي، هو إلى النظام الأسري الأكثر ملامحَ أقرب. لذلك، سوف لن نفاجأ حين نقرأ بأن معظم الروائيين الجزائريين، يكتنزون في لا وعيهم صورة الأم، أكثر من  اكتنازهم لصورة الأب، ممثّلاً في: النظام، الحاكم، السلطة، المركز...إلخ من رموز السيطرة)،ولذلك سوف نجد لاحقا، وبخاصة في الرواية الجزائرية السبعينية، صورا عديدة لالتحام البطل ( أو العنصر البشري المحوري للعمل الروائي)  بالأم كمصدر وحيد للدفء وللأمان والأمن وكل عناصر ضمان الاستقرار المفقودة التي يتكالب الرجال على احتكارها لصالحهم. فنجد ذلك الالتحام عادة، يعبّر عنه في صرخة شهيرة جدّا،حملها أكثر من عمل روائي، وهي صرخة : آ مّه ...Oh Mmah

وأما عن فحوى تلك الحكايات الطويلة، التي سوف تمتدُّ لاحقا في قوالبَ روائية تخيط مخيال الروائيين حتما، فهو عادة لا يخرج عن فضاء الحِكم الدينية والحياتية القبلية المتوارثَة، ربما قبل حتى بروز أي شكل من أشكال الفكر الديني في تلك المجتمعات، كي يشكل بذلك الفضاء القبلي والديني، فضاء الحكمة المطلوبة التي على الأبناء أن يتسلحوا بها لأجل مواجهة نظام حياة يتطلب الكثير من الدهاء الذي لا بدّ منه، لأن الاستقرار واللاضمان والخوف من الغريب ظلّ ربما هاجسا مسيطرا على تلك التجمعات القبلية، التي شكّلت نوعا من الممالك المستقلة عن أي مركز حتى بعد استقلال الجزائر لأكثر من عقدين من الزمن.

-2-

بعد هذا المدخل البسيط الذي شكّل البنية الذهنية بنسبة كبيرة للروائيين الجزائريين الذين نشّطوا ولا زالوا المشهد الثقافي الجزائري، يمكنني القول بأن المرجعية الفَرنسية الأدبية، أسّست في العمق الفني قالبَ الرواية الجزائرية ابتداء من مؤسسيها الأوائل في عشرينيات القرن المنصرم، وبخاصة في الخمسينيات، بعد أحداث الثامن من مايو 1945،أين تفتقت قريحة العديد من الأقلام الروائية الجزائرية العظيمة التي شهد لها التاريخ العالمي للرواية بتمايزها، ورِفعتها، ومكانتها المتحدية بشكل كبير جدا للأدب الفرنسي المتين الذي يعدُّ من أقوى الآداب العالمية فكرا وفلسفة وشكلا، بفضل أعمال الكلاسيكيين الفرنسيين، مثل بالزاك وستاندال، ومادام دوستايل، وزولا، وعميد الأسلوبية الفرنسية غوستاف فلوبير، وحتى ريمبو وبودلير، وفرلين ومالارميه فيما يخصُّ النص الشعري التصويري، ثمّ  انبثاق الكتابات الوجودية والمسرحية الفلسفية العميقة، والدادائية والسوريالية، وميلاد مرحلة ما يعرف بالرواية الجديدة Le Nouveau Roman، بفضل سارتر وجيد وسيمون ديبوفورا، وكوكتو، وأندريه بروتون، ومؤسس مسرح القسوة :أنتونان أرتو، وبول إيلوار. هذه الأسماء التي ربطت مع العديد من الكتاب الجزائريين صداقاتٍ متينة كانت في أغلبها، بالإضافة لدعمها الفني في تكوين رؤية الكاتب الجزائري، دعما إنسانيا لطالما وقف سندا لقضية تحرير الإنسان، ليس فقط من أجل التخلّص من الاستعمار المحلي، حتى لا نقتـل تلك الأعمال في الجاهزية والقولَبة  والأسبقية الأيديولوجية التي تأتي على العمل فلا تبقي له على أيّ أساس متين، فتشكله على حسب رغبتها، بدل العمق التأسيسي للعمل الفني : وهو في الأساس تحرير الإنسان من أي سيطرة .

فرغم كون الأعمال الروائية للسكّان الأصليينLes Indigènes أوLes Autochtones في تلك المرحلة ـ أعمالا  تعبيرية حتما تصوّرُ بؤس الواقع، وضياع قيمة الإنسان في جشع ولؤم النظام العسكري الحاكم، والتعالي الإقطاعي الممتدّ خارج أصوار زمن الإقطاع في حدّ ذاته: لاحظ أعمال مولود فرعون،جون وطاوس عمروش(حتى شعريا طبعا)، ديب، حدّاد، كاتب ياسين، كامو(ممثلا لبؤس وجودي-عبثي- استيطاني-بشري عامة، أكثر منه للأندجينا الذين يظهرون دوما كهمّ ثان وليس كأساس).. رغم كون تلك الأعمال، أعمالا تعبيرية عن ذلك الواقع المرير، إلا أن تكوينها الفني العالي الذي تأسس اعتمادا على الفلسفة الفنية الفرنسية المميزة، لم يسمح لها بالوقوع في فخّ بأس النصّ التعبيري وفقره، بل كان نصًّا يقف الندّ للندّ مع النصوص الفرنسية، حتى أدّى ذلك إلى اعتبار الرواية الجزائرية أو المدرسة الجزائرية كما يرى جون ديجو والخطيبي ،أساس الرواية المغاربية دون منازع، مما أدى إلى تكوين ما سيعرف لاحقا بالنص الأدبي الفرنكو-جزائري(Le Franc Algérien). وهنا، أفتح قوسا فقط، للتأمل في بعض الاتهامات الخطيرة التي برزت مؤخرا  في السّاحة الروائية الملتهبة لأسباب عدّة...قلت، أفتح قوسا فقط، للتأمل في اتهامات خطيرة برزت عبر تصريحات بعض الكتاب الروائيين المبتدئين الذين أنكروا على الموروث الروائي الجزائري صفة العالمية والشخصية المستقلة والتمايز، ووجود حتى جنس أدبي في الجزائر اسمه : الرواية . وهناك منهم –أي من الجيل الجديد – الذي، وبسبب بعض العوائق اللغوية والنفسية يريد أن يتأسس على رماد الانفصال عن سيرورة تكوين النظام الذهني للراوية الجزائرية : نستطيع أن نسمي هذا، بالتنصُّل من إبستيمي الرواية الجزائرية (بشكل عام)، فترى أن هذا النظام المبتور، في هذا الجيل المبتور، يبتدئ من المطالعات الأدبية المشرقية، التي ترجمت  الأعمال الروائية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية، ترجمة ثانية عن الأصل،أي عن الانجليزية أو عن تكوين أنجليزي وليس فرنسي للمترجم المشرقي، مما جعل النصوص تلك، تفقد الكثير من روحها من جهة، وروحها  الفنية الفرنسية العالية الشعرية من جهة ثانية (حتى فكرة الشعرية في الرواية الجزائرية أصبحت دليل تخلّف، وتقهقر، ولا مواكِبة للرؤية العالمية للرواية في التصريحات الخطيرة تلك !). وهذا ما دفعني إلى إعادة قراءة كل تراث مالك حداد الروائي والشعري أساسا منذ سنوات عدّة (على اعتبار أن الستايل الروائي لمالك حداد هو أساس الرواية الشعرية في الجزائر بدون منازع)، وهذا ما قادني إلى ترجمة روايته المعنونة : L’Elève et la leçon التلميذ والدرس، أين أكتمل النسق الشعري الروائي بشكل لا نعثر له على مثيل في الأدب الجزائري،لا سابقا ولا لاحقا، إلا عبر بعض الأنواع الكتابية التي سرعان ما نكتشف مصدرها : كأعمال أحلام مستغانمي، وخاصة عملها (ذاكرة الجسد)، وعملي الروائي الأخير أنا أيضا: جبل نابليون الحزين.

لقد تعمّدتُ ترجمة عمل مالك حداد ذلك، حتى يكون عينة، تفيدنا في المقارنة بين الترجمة المشرقية، التي تفتقد أهمّ ما تفتقد إليه، الروحَ المحلية الجزائرية في صياغة الجو العام للعمل، وهذا هو في الغالب منطلق أي عمل روائي. يمكنني حينها أن أؤكد بأن الروائي، هو ابن  بيئته المتوحّش الذي لم تنل منه ديكورات الحياة الخارجية، بقدر ما نال منه انغماسُه في عمق تلك الحياة. فكلما كان التوغُّل في الحياة، لدى الروائي أبرزَ- دون حصر ذلك في الرسالة الأيديولوجية المتخلّفة أساسا في ديانة الكتابة اليوم- كلما كان تشريح الحالة أفضل، وبالتالي، كان التشكيل الفني أعلى، والتأسيس المميز أبرز. بالمقابل، كلّمَا كان نقل العمل الروائي، من لغة إلى أخرى، كلما بدأت تتغلغل ثقافاتٌ خارجية للمُترجم وترتسم على العمل المتَرجَم ذاته، فتتغلغل في صوره الفنية، وبالتالي، يبدأ العمل الروائي في فقد طابعه المحلي. لذلك كانت لي عدّة وقفات مع مُراجعي اللغوي اللبناني، حين باشر مراجعة ترجمتي لرواية "التلميذ والدرس"، فصرتُ بدلا من أن أنساق نحو المراجعة اللغوية، أقود مصحّحي نحو العديد من الدروس الأنثروبولوجية التي تتحكم في مضمون الكلمات أساسها، والتي جاءت في الرواية على لسان مالك حداد، والتي لا يمكننا أبدا أن نترجمها خارج السياق المحلي للغة أي الطابع الثقافي الجزائري. قدتُ مصحّحي في الأخير إلى أن يقتنع بلغتي الروائية والتي هي ميتا- لغة مالك حداد، مما جعله يشكُّ في أغلب مضامين الترجمات المشرقية للأعمال الروائية الجزائرية التي نُقلت أساسا عن الفرنسية، ويتأكد بشكل أكبر من ابتعاد الترجمات المشرقية للـأعمال التي أخذت منبعها عن الأنجليزية.

***

-3-

الكتابات الروائية التي نبتت في ظل الاستقلال تماما وتلك المخضرمة التي عاصرت المرحلتين-مرحلة الثورة، ومرحلة الاستقلال-استمدّت رؤيتها،  ليس فقط من المخيال الثوري الذي كانت تروّج له برامج حكومية إرشادية شمولية لأجل بناء جزائر على حسب مخططات الحزب الواحد وثقافته، وإنما أيضا على المكبوتات التحريرية التي كان المثقف الهامشي الذي لم ينتم إلى التيار الحزبي الواحد، يعكسها في أعماله: ربما كان كاتب ياسين هو أب هذا التمثيل الهامشي الجبّار، ثمّ محمد ديب، بشكل أقل ثورية، ولكن أحكم-نسبة إلى الحكمة-، وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا التيار الفرنكوفوني، كان يزاوج بين العامية والفرنسية(خاصة في المجال المسرحي، كما بدا ذلك جليا في أعمال كاتب ياسين بعد رئاسته لفرقة المسرح الجهوي بسيدي بلعباس ). بعدها، سوف يظهرُ جيلٌ شاب في نهاية الستينيات، يزاوج في الكتابة بين اللغتين، كبوجدرة، ورشيد ميموني، ثم جيل أكثر معرّبا كوطّار ومفلاح، وبقطاش، ثم واسيني وزاوي منه مفرنسا..إلخ من أسماء الجيل الذي سيمتدُّ بكتابته حتى الساعة ليشارك الروائيين الشباب في تأثيث الرواية الجزائرية الحديثة بخبرتهم، واشتغالهم الدءوب على نوع من الأسلوبية الروائية المحلية التي تجمع بعض المعالم المشتركة:

1-الشعرية: (كروايتي:جبل نابليون الحزين)

2- طغيان ضمير المتكلم أو الراوي: بوطاجين بشكل شرس وعميق، نيتشوي ككبة أعصاب

3- الروح المسرحية الخطابية: وهي الغالبة على أكبر نسبة من الأعمال الروائية الجزائرية والتي ينساق الروائيون نحو تقليدها، كي تنعكس بذلك روح "البراح" أو "حكواتي الأسواق"الأسبوعية، لتظل الثقافة الشفوية الصدّاحة التي ربما تعود إلى مرحلة الطفولة قائمة بشكل مغاير فقط، حيث كان حكواتي الأسواق حتى نهاية تسعينات القرن المنصرم، يشكّل مصدر إلهام متين لدى العديد من الروائيين، والذين أعدّ أنا شخصيا أحدهم.  

4-المباشرتية: غياب الاهتمام والاشتغال على الجانب اللُّغوي أحيانًا كثيرة لحساب الجانب التبشيري الرّسالي(وهذا من النقاط الخطيرة التي فقدتها الرواية الجزائرية الحديثة، ولم تحافظ عليها كما فعلت نظيرتها المكتوبة باللغة الفرنسية بنسبة كبيرة): يمكن اعتبار هذا بمثابة طغيان نوع من الوعي الإيديولوجي على المثقف الجزائري المعرّب،أكثر منه وعيا فنيا،

5- السّرد التاريخي كمنحى جديد، ظهر بداية عند بوجدرة ووطار في السبعينات والثمانينات، ثم خفَت لمرحلة طويلة، كي يعود ابتداء من نهاية التسعينات (نلاحظ هذا في أعمال واسيني خاصة(كتاب الأمير، رمل الماية، البيت الأندلسي) وسمير قسيمي: هلابيل، وبوكبة الذي اعتمد على المخيال الجماعي أو الذاكرة الجماعية دون اعتماده على الأرشيف المكتوب- لذلك يمكن اعتبار تجربة بوكبة بمثابة تجربة روائية ذات حدّين :

أ – حدّ لغوي: عبر اشتغال بوكبة على تأثيث نصّه عامة، وليس الروائي فحسب بكلمات محلية عديدة(لاحظ ذلك في جلدة الظلّ، وكتابه الأخير عطش السّاقية)

بحدّ شعري، فالشاعر في نصوص بوكبة تحوّل إلى النص السردي لا غير. يرى عبده وازن بأن غياب الاشتغال على اللغة عند الروائيين، شكّل نقطة عجز مهمّة في الإطار اللغوي ككل للرواية العربية، ولذلك فإن انتقال الشعراء إلى الكتابة الروائية، يضعهم في وضعية لغوية أفضل بكثير من زملائهم ممن لا يمتلكون أداة تطويع اللغة. في هذا الجانب، يمكن الوقوف على قوّة اللغة في نصوص عبد الرزاق بوكبة.

 

 6- تبني شكل جديد من الكتابة الروائية غير الفرنسية، كما حدث مع عمارة لخوص في "كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضّك"، وعمله الأخير" القاهرة الصغيرة" وهو نفس الشكل النصي تقريبا الذي اعتمده سمير قسيمي في كتابة روايته الأخيرة، هلابيل.   

***

عموما...التجربة الروائية الجزائرية التي يرسمها جيل الألفية الجديدة، ممثَّلا في عدّة أسماء من بينها : سمير قسيمي، بشير مفتي، اسماعيل يبرير، موراد بوكرزازة، شرف الدين شكري، واسيني الأعرج، ربيعة جلطي، أمين زاوي، سعيد بوطاجين..إلخ من الأسماء التي تخونني الذاكرة عن تذكرهم، يُشكّلون صوتا روائيا يمتلك تراثَ كتابة يعود إلى بدايات الكتابة الروائية في العالم العربي، حيث كان النص الروائي حديثا جدا في شكله، وغير معروف، ولذلك فإنه، وبدون مبالغة، يمكن اعتبار الجزائر بمثابة المرجع الروائي العربي الأغنى الذي يتطوّر في شكله ومضمونه كلية كل عشر سنوات تقريبا، فلا نكاد نعثر على ريتم روائي واحد كل عقد من الزمن في الرواية الجزائرية. ولذلك أيضا، فإن أغلب المسابقات العربية للرواية، يصطدم فيها الكُتّاب الجزائريون بنوع من الأشكال الكلاسيكية التي تفرض ذاتها على اللجنة المصحِّحة، فتغدو أعمالُنا بمثابة العينة النشاز التي وجب إقصاؤها، وما الجائزة العالمية للرواية "البوكر" التي ترضخ إلى رؤية كلاسيكية للشكل والمضمون الروائي إلا دليلا على ذلك، وهذا ما نشهده إذا ما اطلعنا على أعمال الروائيين الفائزة في المسابقات الفارطة، وتلك المشاركة من الجانب الجزائري، والتي تحمل عدّة تجارب روائية مختلفة وجب أخذها بعين الاعتبار.

إن المدرسة الجزائرية للرواية، التي هي أساس المدرسة المغاربية كما ذكرتُ آنفا، تستحق على الأقل أن تُختبر في إطارها المحلي، فالمغاربي،  وأن تأتي إليها التجربة المشرقية من ثمة، لأنها هي السّباقة، وليس العكس.ولذلك فإنه من الجدير بالقائمين على أمور الثقافة في هذا الوطن،أن يعطوا لهذا النوع من الكتابة العالمية، حقّه من التكريم والمتابعة والاهتمام بدل طلب ذلك من ضفّةٍ أخت لا زالت تتحكم بها رؤى كلاسيكية وقديمة جدا في الكتابة.

شوهد المقال 3901 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats