الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | مادونا عسكر ـ استبطان الذّات الرّائية في قصيدة "الدّاخل أرحب" للشّاعر يوسف الهمامي

مادونا عسكر ـ استبطان الذّات الرّائية في قصيدة "الدّاخل أرحب" للشّاعر يوسف الهمامي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

مادونا عسكرـ لبنان

 

- النّصّ:

الدّاخل أرحـب

سقطتُّ في السّماء

كنت أعرجُ في أرض

بلا نافذة..

هناك على الحافّة..

أصرخُ لا يَسمعني أحد

..

أمشي ببطء كعادتي

أطلق بسملتي على البّاب

لكنّي لا أفتحه ..

..

الفكرة تقسو على العتبة

الإنصات لما تقوله الاشياء

يُكلّفني كثيراً..

..

أين الأرض..؟

الفسيلة كادت تذوي

في يدي..

لا أعرف أين أنا

غير أنّي أتّجه إلى هناك

العثراتُ أقسى

من أشواك الطّريق

**

أجثمُ في نفسي بصمت

لا محراب إلاّ في القاع الجليل

الّذي يغمرني ببياضه..

..

الدّاخل أرحب

الهذيان الذي أَغْرَقَنِي

في حكمته..

مَدَدْتُ في رحابه سجّادي

..

ما ثمّة آفاق موصدة..

وراء الغيم مباشرة

تتشرّع النّوافذ..

- القراءة:

في درجة متقدّمة من الاستنارة الشّعريّة، يرتدّ الشّاعر التّونسيّ يوسف الهمّامي إلى الدّاخل معلناً حقيقة أدركها بالفعل (الدّاخل أرحب) وكأنّي به يلج عمق المعنى القائل "وتحسب أنّك جـِرمٌ صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر". لقد دخل الشّاعر عمق هذه الحقيقة الّتي يحياها ومن خلالها يعيد قراءة ذاته ومحيطه واختباراته. ولعلّه يخطّ سيرة ذاتيّة من نوع خاصّ تنطلق من خارج إلى داخل، لا لتبيّن لنا انتقال الشّاعر من خارجه إلى داخله وإنّما يروي من خلالها يوسف الهمامي مسيرته نحو الاستنارة الفكريّة والرّوحيّة.

(الدّاخل أرحب) العنوان الحقيقة المستحوذ على الشّاعر الإنسان بمعنى أنّ الشّاعر وصل إلى رتبة خاصّة في الشّعر مكّنته من ولوج العالم الدّاخليّ الّذي عاشه بالقوّة واليوم يحياه بالفعل. الدّاخل أرحب ممّاذا؟ من الأرض أم من الكون أم من الشّاعر نفسه. ولعلّنا أمام المدخل إلى القصيدة (سقطتُ في السّماء) نتيقّن أنّ الشّاعر يعيد قراءة تاريخه على ضوء حضوره في لحظة نشوة شعريّة سماويّة فصلته عن كونه، فحلّق عالياً ثمّ سقط في المكان المعدّ لهذه الاستنارة. ويشير الفعل (سقطت) إلى ارتقاء سابق جعله في الأصل فوق العالم. فهو لم يستخدم لفظ (صعدت إلى السّماء) أو (رأيت السّماء) بل يتحدّث عن فعل سقوط في السّماء. وكأنّي به يشير إلى أنّ الدّاخل الأرحب هو السّماء. فيفهم القارئ أنّ السّماء حاضرة في كينونة الشّاعر وسقط فيها كفعل ارتحال نهائيّ وانفصال نهائيّ عن الأرض.

 لم يكن الشّاعر غافلاً عن الحقيقة ولا يعرّف القارئ على حقيقة اكتشفها، وإنّما يعرّفه على القرار بولوجها. وهو يعي جيّداً أنّه كان على مشارفها فوضعنا أمام مشهدين. المشهد الأوّل السّماء الحاضرة فيه (سقطّت في السّماء) الدّالّة على التّحرّر من كلّ شيء، والمشهد الثّاني الخطوة المتعثّرة  بضعف الإنسان الّذي لم يتحرّر بعد، ما يشعره أنّه مقيّد بذاته (كنت أعرجُ في أرض  بلا نافذة.. ). النّافذة المفقودة في الأرض دلالة على الانغلاق الكلّيّ. ومن جهة الشّاعر هي دلالة على  صعوبة العيش في منطق هذا العالم (كنت أعرج). وتكمل المعنى عبارة (أمشي ببطء كعادتي ) تدلّ على سعي دؤوب للشّاعر ولكنّه سعي تنقصه الاستنارة ليعاين الحقيقة (أطلق بسملتي على البّاب / لكنّي لا أفتحه .. ).

الشّاعر أمام الحقيقة الثّابتة، يعاينها يتّصل بها بالرّجاء (أطلق بسملتي) لكنّه لا يلجها ليس لأنّه متردّد وإنّما لأنّ الوقت لم يحن بعد. الارتداد إلى الدّاخل أمر شديد الصّعوبة، ويتطلّب الكثير من التّأمّل والإصغاء إلى الصّوت العميق في قلب الإنسان. الشّاعر على عتبة الحقيقة يصغي بتمعّن إلى صوتها على الرّغم من كلّ الصّعوبات الّتي تواجهه نتيحة هذا الإصغاء الدّقيق. فالشّاعر يرى ويسمع ويعاين لكنّه محاط بأرض بلا نافذة. أي أنّه مقيّد بشكل أو بآخر بوجوده في هذا العالم. هو يحيا من جهة في السّجن الكبير/ الكون ويحيا من جهة أخرى الحرّيّة الدّاحلية/ السّماء. وهنا تتجلّى الغربة الّتي تشكّل ذروة الألم.

 (الإنصات لما تقوله الاشياء/ يُكلّفني كثيراً)/ (لا أعرف أين أنا/ غير أنّي أتّجه إلى هناك) إشارات إلى وعي الشّاعر الكامل بداخله الأرحب، لكنْ لا بدّ من السّعي لاستحقاق هذا الدّاخل. كما أنّه لا بدّ من قرار يُتّخذ في اعتناق هذا الدّاخل والمكوث فيه والتّحرّر من خلاله بمعزل عن المحيط.

أجثمُ في نفسي بصمت

لا محراب إلاّ في القاع الجليل

الّذي يغمرني ببياضه..

يجثم الشّاعر في السّماء حيث سقط فنفسه هي المكان الحقيقيّ الّذي يلتقي به بالحقيقة، بالسّماء، بالله. في نفسه، في عمق العمق، حيث لا حس ولا سمع ولا بصر يسكن الصّوت الإلهيّ الّذي يغمر الشّاعر ويطهّره ويحرّره ويكتبه. في هذا العمق الجليل يتحاور الشّاعر مع محبوبه الإلهيّ معتبراً هذا العمق هو المكان الأرحب المهيّأ للصّلاة (الدّاخل أرحب / الهذيان الذي أَغْرَقَنِي / في حكمته.. / مَدَدْتُ في رحابه سجّادي).

وإذا ما جثا الشّاعر في سمائه اتّحد بالصّوت والكلمة وتحرّر وبلغ الحقيقة (ما ثمّة آفاق موصدة)، بل انغمس فيها واغتسل بمائها (وراء الغيم مباشرة / تتشرّع النّوافذ..). الغيم الدّال على فيض الماء وانسكابه يشير إلى لحظة خاصّة وربّما دامعة انقشعت بعدها الحقيقة ولعلّه في هذه اللّحظة المقدّسة أطلق بسملته على البّاب وفتحه.

شوهد المقال 1814 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ قناة المغاربية وحرب النظام الجزائري عليها ... صوت الحرية سينتصر

 د. العربي فرحاتي   طرب الملوثون بالديكتاتورية من الباديسيين والنوفمبريين والذباب الأكاديمي لحجب قناة المغاربية (قناة الشعب) على نايل سات..واعتبروه حدث جلل وانتصار لهم
image

سالم الأصيل ـ راهْنامَج أمجد المحسن

سالم الأصيل هَلْ يحتاج الدليل الى دليل؟ ظني أنّ في التدليل على من كان دليله شِعره تضليل، وتمجيد من كان مجده شعره
image

عثمان لحياني ـ المشكلة في الصندوق أم في الديمقراطية

عثمان لحياني  مشكلة الجزائريين مع النظام لم تكن مرتبطة بالانتخابات فحسب، والا لكانوا انتخبوا في أابريل أو يوليو، لأن تركيز السلطة واصرارها على الانتخابات
image

نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

نجيب بلحيمر   بعد جمعة حاشدة، وأحد تاريخي، وثلاثاء أعادت مظاهرات الطلاب إلى أعلى مستويات المشاركة، جاء خطاب رئيس الأركان ثابتا على الخيارات القديمة؛ الانتخابات
image

نوري دريس ـ الحريات الدينية و صناعة الطوائف في سياق تاريخي....

د. نوري دريس   مثلما اقف ضد السلفية و الاحمدية و الشيعية و كل المذاهب الوافدة، انا ايضا ضد صناعة طوائف دينية جديدة  ، ما نعيشه منذ سنوات
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف
image

مروان لوناس ـ الحراك الجزائري ليس غوغائيا أو شعبويا

 مروان لوناس    البعض لم يبتلع أن يخرج الحراك في جمعته 34 صارخا ورافضا ومنددا بقانون المحروقات..فبدأ التشنيع والهمز واللمز في حق الحراك باسم الشعبوية
image

خالد لنوار ـ الحراك وقانون المحروقات الجزائري الجديد

خالد لنوار   بصفتي إطار في سوناطراك وعامل في مجال العقود والشؤون القانونية "Direction juridique et Contrats - Division Association "،مداخلتي ستكون فيما يخص قوانين المحروقات السابقة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats