الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | وليد بوعديلة ـ الرواية الجزائرية و الإرهاب، قراءة في رواية ارهابيس

وليد بوعديلة ـ الرواية الجزائرية و الإرهاب، قراءة في رواية ارهابيس

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. وليد بوعديلة
 
 حضور قوى الفناء و التطرف في إرهابيس" لعز الدين ميهوبي
لقد تفاعل السرد الجزائري المعاصر مع المحنة الوطنية في التسعينات من القرن العشرين، وتجلى ذلك تحديدا في الرواية، واقترح الروائيون قراءات كثيرة للحدث المأساوي الذي عرفته الجزائر في التسعينات من ق 20 وهو ما سيعرف في الحقل النقدي بروايات الإرهاب، بما فيه من مشاهد إرهابية (تطرف، دم، رصاص، تخريب...)، وما يطرحه من قضايا اجتماعية وفكرية ودينية، و عاد النقد الأدبي لهذه الروايات بالتحليل والدراسة في الرسائل الجامعية والمقالات الصحفية والأكاديمية، كما أن نصوص مابعد الفتنة الدموية(من سنة 2000 إلى اليوم) قد قدمت مواقفها من الرهانات الاجتماعية والسياسية الجديدة على ساحة الوطن، فتناولت المصالحة الوطنية والتحول السياسي التعددي ومختلف المظاهر السلبية والايجابية التي شهدها المجتمع وعرفتها الدولة بمؤسساتها...و هذه الأسطر تقف عند رواية لعز الدين ميهوبي.
النص ورجال الدم و الخراب
يقترح الروائي والكاتب(ووزير الثقافة في الحكومةالجزائرية) عز الدين ميهوبي في رواية "إرهابيس" رواية تتشكل من مدينة افتراضية تجمع الكثير من الإرهابيين المشهورين في العالم ومعهم الزعماء والقادة الديكتاتوريين عبر التاريخ، ومن هنا نحتاج لمفاهيم الدراسات الاجتماعية و الأنتربولوجية لدراسة الرواية، و يمكن ان نعتبرها رواية ملحمة الإرهاب، لأنها تجمع الكثير من الملامح التاريخية والثقافية والاجتماعية لمدينة المتناقضات( الفكرية والسياسية) الإرهابية، وهي تنطلق من رحلة بحرية لسفينة تتجه نحو جزيرة تحتوي دولة إرهابستان، والسفينة تنقل بعض الصحفيين من دول مختلفة قصد التفاعل مع مؤتمر الزعماء الذين تلوثت أيديهم وضمائرهم بالدم، وكأن الكاتب ينجز نصا يتماهى مع رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وقد صنف الشعراء بين الجنة والنار وأنطقهم في قبورهم وأقام قيامتهم خيالاً وفنا.
يقرأ الروائي الآتي بعيون استشرافية، حيث تقوم قيامة متخيلة وفنية لرجال الدم والنار والقتل والبطش..، وهي رحلة سردية فكرية إلى كونية الفعل الإرهابي وتعدد أشكاله ومرجعياته وأدواته، مع الحديث عن فعل القتل، وهو حديث شاهدته الرواية اللبنانية كثيرا في السياق السردي العربي،مثل رواية إلياس خوري"الوجوه البيضاء"(1981)، إلى درجة توقف فيها النقد عند الأبعاد البنيوية الخاصة بالقتل والموت...
لقد أحالنا الروائي ميهوبي إلى البعد الخصوصي في كل فكرة وممارسة إرهابية أو تقتيلية، يقول بيان تأسيس دولة إرهابيس: "إننا نحن الذين أعلنا الحرب على عالم مزيف، وشعوب خنوعة، وساسة يمتهنون الكذب و النفاق، وعلى أفكار تقتل حق الإنسان في أن يرفض ويقول لا...، قررنا هجرة هذا العالم الموبوء وبناء عالم مختلف أسميناه على بركة الله إرهابيس، يلتقي فيه القاتل من أجل لقمة العيش والمؤمن من أجل فرض شرع الله والثوري من أجل اقتلاع أنظمة فاسدة، والديكتاتور الذي يرى القوة سبيلا للاستقرار، والمتاجر بالسلاح والمخدرات لتحقيق أمنية الموت في الجحيم...".)
المافيا والارهاب
إنه بيان تحالف مافيا السلاح والسياسة والدين، ووفاق قوى الظلامية والشر والمخدرات، كل ذلك "على بركة الله"، مع اختلاف معنى البركة ودلالة الله، بمعنى أنّ الروائي يشكل بناء لغويا دمويا يعيد تشكيل وبناء العالم الدموي الحقيقي، فيتحول المتخيل إلى فضاء دلالي لتحرك عناصر وأدوات متخيلة مستمدة في عمقها من فجيعة الواقع، وقد تكون المدينة افتراضية، لكن التجارب التاريخية علمتنا أن متخيل اليوم هو خطوة لحقيقة الغد، والفن – في روحه وجوهره- استشرافي تنبؤي، وقد احتفت الرواية العربية بأنواع عديدة من العنف، وهو ما تأملته الحركة النقدية العربية.
وما المانع- ضمن هذا الإطار- أن تجد الأجيال القادمة مدنا بل دولا بكاملها تجمع قوى الشر والقتل والتخريب وإلغاء المختلف؟ بل ألا توجد ملامح لبدايات تشكل جماعات عرقية ،ثقافية ،مالية ،دينية، وسياسية في العالم المتقدم أو المتخلف، تجمعها المصلحة وفقط، وتحركها شهوة المال والأيديولوجية؟؟ ، فتتحالف ضد شهوات مغايرة لها، تحت غطاء متعدد وتبريرات مختلفة، فيتحول السلم إلى حرب والاستقرار إلى فتنة، تقول الرواية عن رجال المدينة الافتراضية: " الثوار و القتلة والديكتاتوريون وزعماء المافيا وتجار السلاح والكوكايين كلهم هنا، يعيشون في وئام ويتعاملون باحترام وهم أكثر ديمقراطية".
لقد لاحظنا أن الروائي ينجز ملحمة الإرهاب عبر دلالات التناقض بين مواقف الإرهابيين والثوار، وتجلى هذا في كثير من الفصول، حيث يطلق المبدع أسماء الشوارع والمحلات والأغاني.. في سياق سردي ملحمي يكثف الكثير من المعلومات والأفكار والأخبار والوقائع، من الماضي والحاضر، من التاريخ البعيد والقريب، من حضارات ودول الشرق والغرب.
ونقرأ في النص مشاهد الوصف ولحظات الحوار والانتقال الزمني والنزوع الشعري ، كما يحضر الخطاب السياسي والديني والتأمل الصوفي، كذلك التأريخ للأحداث الإرهابية ، كما تمنح الرواية القارئ أفقا للبحث في قضايا الهوية والدين، وتاريخ الأصوليات الدينية و الفكرية ...

فـ"إرهابيس"- باختصار- هي نص مفتوح عابر للأجناس الأدبية ومنفتح على الفنون والآفاق المعرفية ، فنحن نجد أخبار الصحف والنشرات الإخبارية، كما نجد بيانات وخطب الزعماء والقادة (هتلر، بن لادن، القدافي، صدام، تشي غيفارا....)، وكلها تؤكد التداخل الفكري والسياسي في هذه الدولة المتخيلة، بل قد يلتقي القاتل والمقتول في بعض المشاهد، كما تلتقي المتناقضات، نقرأ هذا المشهد أثناء زيارة الصحفيين لمكتبة إرهابستان: "وصلنا المكتبة ذات الباب الخشبي الكبير، كان يقف على المصراعين مسلحان، أحدهما يدخن والثاني يحمل مصحفا صغيرا ويتلو سورة الكهف بصوت مسموع".
عن تاريخ التطرف والفساد
يتحول النص الملحمي الإرهابي إلى وثيقة تؤرخ لتاريخ الأفكار والسياسات والانقلابات والثورات، وإذا تأملنا ما يسميه السارد كتاب "الإثم والغفران" في نصه نجد أن اللغة والمعنى يأتيان لنا من عوالم أسطورية ودينية يتفاعل فيها الروحي مع المادي، السماوي مع الأرضي، الغيبي مع الحقيقي... وكأنها نصوص من الزمن الهندي أو الفارسي أو الصيني القديم البعيد،
ويمكن أن نقول – من منظور البحث في سويسولوجيا الكاتب- أنّ عز الدين قد تعب كثيرًا لكتابة الرواية، تعب ذهنيا وجسميا، لقد تعب و سيتعب القارئ معه، وهذا هو المبدع الحق وهذا هو النص الناضج .
ومن علامات تعب القراءة أنّ القارئ يدهش أمام تلاحق البنى السردية، ويدخل دوامة فكرية تبحث عن السردي المتخيل والسردي الحقيقي، كما يضيع بين ملامح الإرهاب الهمجي والنضال الوطني الثوري الشريف..
لقد عانق عز الدين المبدع ميهوبي السياسي- المفكر عندما اقترب من المرجعيات التي أسست بعض الجماعات مثل أفكار التطرف الإسلامي ،وأشار إلى جزائر التسعينات واغتيال الرئيس محمد بوضياف، وقدم عرضا لأفلام تحدثت –عبر العالم- عن الإرهاب والمقاومة، ولعل ما يحسب للرواية أنها نبهتنا إلى أهمية ظهور علم نفس الإرهاب قصد كشف خبايا وأسرار العالم الداخلي لهذا الإنسان المتطرف/القاتل، ثم تأتي التحاليل الأمنية والسياسية فيما بعد.
في الاخير
ولعل أهم مسالة أحالنا عليها ميهوبي هي الاستفهام عن المراجع والنصوص والوثائق الفكرية والدينية والأمنية من أرشيف الزمن الإرهابي في الجزائر؟؟ وهي مهمة للباحثين المؤرخين وللفنانين وعلماء الاجتماع لتفسير ما حدث، وهي مهمة للأجيال القادمة لكي تعرف قيمة السلم والأمن والصلح وضرورة التغيير الديمقراطي والتداول السلمي ودور كل هذا في التنمية الاقتصادية والسلم الاجتماعي.

شوهد المقال 1103 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ جمعة الوحدة الوطنية ضد المغامرين من مستشاري الريع و العنصرية.

د.رضوان بوجمعة   عشت مسيرة اليوم في الجزائر العاصمة، و لم اعش في حياتي ما عشته من صور الاخوة و التضامن بين الجزائريين والجزائريات، من ساحة
image

فتيحة بوروينة ـالتلغيم الهوياتي ومشاكل القايد صالح !!

 فتيحة بوروينة  مقالي الممنوع من النشر غدا بيومية #الحياة .. الرقيب قرّر ذلك !! التلغيم الهوياتي ومشاكل #القايد!! الحوار الذي يدعو إليه مجددا
image

نوري دريس ـ الأيام الأخيرة لنظام الفساد

د.نوري دريس النظام قي مأزق، و الضغط يزداد عليه. اللغة العشوائية التي بات يخاطب بها الجزائريين، تعكس تخبطه وافتقاده لاية خطة لانقاذ نفسه و
image

سعيد لوصيف ـ الموقف : أقولها و امشي...

د.سعيد لوصيف   سأحاول في هدوء فكري وسياسي – ولو إنني منزعج كثيرا وغاضب أشد الغضب – على تصريح قائد الأركان اليوم والذي يقول
image

عثمان لحياني ـ في المنع والرايات

 عثمان لحياني  تصريح قائد الجيش بشأن منع الرايات غير مناسب زمانا من حيث أن العقل الجمعي يوجه في الوقت الحالي كل المجهود بحثا عن حل
image

لعربي فرحاتي ـ الحراك ..وفزاعة الرايات ..

د.لعربي فرحاتي  مشروع الحراك الشعبي السلمي هو مشروع للحرية والديمقراطية والتنوع وإثراء الهوية الوطنية ..وما رفع فيه من شعارات ترجم إلى حد بعيد هذا
image

فضيل بوماله ـ إنا لله و إنا إليه راجعون وفاة د. محمد مرسي جريمة سياسية وأخلاقية

  فضيل بوماله  منذ شهور طويلة وعائلة الرئيس المصري الراحل د.محمد مرسي تشتكي من وضعه العام بالسجن عامة ومن حالته الصحية المتردية خاصة. ومذ سجن ظلما
image

وليد عبد الحي ـ بموته أطالوا عمره

 أ.د. وليد عبد الحي  أيا كانت الرواية الأصدق لوفاة الرئيس المصري محمد مرسي ماديا عام 2019 ، فإن وفاته المعنوية عام 2013
image

نجيب بلحيمر ـ هل من قارئ لكتاب الثورة ؟

نجيب بلحيمر   بسرعة تبخر الأثر السياسي المرجو من الإسراف في حبس كبار المسؤولين وجاء الرد حاسما عبر مظاهرات الجمعة السابعة عشرة من الثورة السلمية
image

فيصل بوسايدة ـ أي سيناريو يخبئه لنا الجيش الجزائري ؟

 د.فيصل بوسايدة    من الواضح جدا أن الحراك أو الشعب لا يدري تماما الخطوات التي يمكن أن يتخذها الجيش/المنجل، كما أنه لا يدرك الهدف من كل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats