الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | هاتف بشبوش - جواد غلوم و إناقةُ القصيد (3)

هاتف بشبوش - جواد غلوم و إناقةُ القصيد (3)

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 

هاتف بشبوش - شاعر و ناقد  عراق/دنمارك

 

 

 

 

 

كل هذا التماهي من قبل الشاعر جواد مع الدعوة الى صنع الجمال والقضية الإنسانية لجيفارا في محاربة الطغيان الاّ أنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من الحزن الذي يعتصر في فؤاده على غياب زوجه ، ذلك الحب الأبدي الذي عاصره حتى إختفى جسديا تاركا إياه الى أعاصير الدمع و ألم النشوغ والروح الدائرة في فضاء وفناءات بيته وزواياه وكراسيه وملاءاته ومراياه ، كل هذه شكلت أرقاً في رأس الشاعر فراح ينشد من شدة جزعه نصاً انبثق وهو في مزارها الأربعيني وقبله كتب نصا أيضا في مماتها ، وهذه عادة متبعة وتقليد سائد في زيارة الموتى وغالبا ما تكون مخصصة للبكاء والحديث مع الذي أضحى ساكناً تحت التراب بعد إن كان سراجا يرفلُ بالنعم .

أرى جواد ينفرد في علاقته مع المرأة لما ما مر به من تراجيديا ، ففي الغالب الموت يسرق الرجل قبل زوجته نظرا لمتوسط عمر المرأة اذا ما قورن مع الرجل . ولكن مع جواد فهو الذي هال التراب على زوجه و ودعها وهنا تكمن الخصوصية . حب جواد للمرأة يتجلى بكونها القصيدة الأزلية فنراه يخلّد زوجه فيدخلها ضمن السياق الرثائي الحزين عن دفن الزوجة وفراقها . لنرى جواد غلوم وما الذي أصاب منه وجعا في قريحته (زيارة لها في الليلةِ الأربعين):

مذ زرتُها في رمسِها 

كفِّي دنتْ من ورْدِها المرميّ أعلى القبرِ 

ظلّ العطرُ معطاءً يزاحمُ ثرثراتِ الأمسِ

خوفَ الموت ؛ وهي تحكي قصةً مبتورةً من شهرزادْ 

وتقول لي عند المزاحْ

هلا خطوتَ إليَّ 

تعالَ ؛ يرهقني البعاد

ماذا أصابك يا جواد ؟


(القلب الانساني لا يستطيع احتواء إلا كمية محددة من اليأس ، فعندما تكون الإسفنجة مشبعة يمكن ان يمر البحر عليها دون ان تدخل دمعة أخرى..... فيكتور هيجو ) ......

أرى جواد هنا وهو في أشد حزنه عاشقا حقيقيا رغم الشيب العالق في السنين والرأس على حد سواء ، حزينا راثيا على من أنهت أشواطا كثيرة من حياتها معه في العسر واليسر . أراه كما العاشق فارتر في رائعة غوتا ( آلام فارتر) حين يقف على قبر حبيبته و يهيل التراب عليها ويبكي بحرقة لعدم تصديقه بسرعة زوال حبيبته من الوجود وبلا عودة .

الخوف من الموت هذه المفردة التي لابد أن يمر عليها أي شاعر لكونها المشترك الوحيد لكل من يدب على الأرض من ملوكها وعبيدها وحيواناتها بأجناسها الشتى . الموت أقوى كلمة في الوجود لأنها تعني ما تقول وكأنّ لها فم يصرخ دائما ورائنا أن تعالوا أو أنا من يلحق بكم شئتم أم أبيتم . سنرى الموت في الحوار الدائر بين جواد وزوجه عند شاهدة قبرها : 


انا في انتظارك ان تزور ملامحي

انت المُلِمُّ بخافقي

أنت الشغاف يلفّ أوردة الفؤاد

خوفي بانك قد علقْتَ بغادةٍ

أسميتها كذبا سعاد


الموت ينادي على جواد على هيئة زيارة عرضت عليه من زوجه المتوفاة وكأنها حالة يأس من الشاعر ومن الحياة التي لا تستحق أن نستمر بها بعد موت رفيقة الدرب الطويل ، ومهما يكن من أمر فهو الموت المنادي خلفنا أن تعالوا برضانا أم رغما عنا . وعند هذا الخوف من العدمية الصارخة بجواد نراه يذهب بإنزياحية جميلة للغاية وكأنها التشبث بالحياة ، كأنها صرخة الخلود المسروقة من يدي كلكامش ، فيبدأ جواد وكأنه يسمع صوتها المعاتب والعذول وهي تشكو من سعادته نتيجة معاشرته لإحداهن التي أسماها سعاد . تضاد إنزياحي جميل عصرَ قلب الشاعر المحزون فأعطاه كل هذه الإرهاصات الناجمة عن فقد الحبيبة التي لا يمكن أن تصلح له بعدها أيٍ من النساء بديلةٍ عنها أو هو الآخر لا يصلح لذي خلةٍ بعدها ، بل ستكون الكذبة التي اسمها سعاد . 

هو الخبل إذن في الحب الذي يصبح مرضا مزمنا لا يمكن الشفاء منه مع صعوبة أن يتقبل المرء فكرة غياب حبيبته الفجائي الى رواق العدمية دون أن تكون هناك فرصة أخرى للقياها. 

ثم تستمر الأوبرا الحزينة أو السيمفونية التي تحكي وجعا قاهرا فنقرأ : 


يا فارع الطول المحلّى بالنجاد

يا حبّ أيامي اذا شحّ الوداد 

يا وقع أغنيةٍ تجيء بمسمعي " فات المعاد "

اللحن سدّد طلقةً لفراقِـنا 

بعثَ الدخان مع الرماد

حتى بقينا في البعاد


يقول( فيكتور هيجو) من أنّ الحب هو تحية الملائكة للكواكب ، فهل هذه الثيمة عبارة عن غزل من الزوجة التي تعيش في العالم السفلي فجاءت كي تلقي تحية ملائكة الموت الى حبيبها جواد ، لكن ما من مناجاة غير فوات الأوان والصدى الميت واللحن الجنائزي الذي هو الطلقة الأخيرة التي تصيبنا حتما وما من حذر .

يستمر جواد في الرثاء فيبوح : 


ماذا جنينا يا جواد ؟

حرَثاً وبذْراً ثمّ ريَّاً 

دون ان نجني الحصاد

ربما جواد هنا يتذكر آخر مجرفة من التراب تهال عليها كي تتوارى في التراب والى الابد فاضطر أن ينحني حزنا وألما عليها .

ماذا يجني المرء من كل هذه الحياة التي تذهب به نحو العدم ، لاشيء غير عالم ينتصر فيه النكد والباطل على السعادة و الحق في أغلب ألأوقات وكأن المرء يولد في أروقة الموت . مهما زرعنا من الحصانة ضد الموت ولو سقينا عطش الموت أنهراً وبذرنا الأرض نثارا عظيما فأننا ذاهبون نحوه بطريقة لا يعرفها ذوي العلم ولا الجهلة ولا المنجمون غير مفاهيمٍ لا يدركها حتى العقل . فلماذا لم تكن الحياة وفية فتبقينا على الحب الأبدي كما الآخرة التي تصورها الأديان . فهل الحياة فعلا كما يوصفها جبران خليل جبران (الحياة إمرأة فاسقة ولكنها جميلة ومن يرى فسقها يكره جمالها) فلماذا كان جبران غاضبا على الحياة ، هل لأنها بدون مواثيق ولا أعراف ولا تقليد يتوجب تقديسه . هذه هي الحياة إذن بنظر جبران خليل فهي الموت بوجههِ الآخر ..........لنقرأ الإعتراف الإفتراضي الأخير وما تقوله شهرزاد بحق شهريارها الوفي المخلص :


أبداً عرفتك لا تعادي أو تحابي أو تميل 

يوما ينقِّيك البياضْ

وتارةً تلجُ السواد 

فلْتعترفْ 
هي موبقات العهر شدّتني اليك 

وكذا نقاء الطهر أومأ لي عليك

يا مَن حببتكَ أنت وقّافاً على أرض الحياد

وتارةً زاغٍ بعينك نحو مرمطة النساء

متأرجحاً بين الوفاء وبين غدْرِ الاشتهاء

مرة أخرى يقف جواد على القبر ويبدأ المحاورة مع الفقيدة الراقدة تحت طيات التراب ولكن هذه المرة جواد يسجل إعتزازه بنفسه الطاهرة النقية بلسان حال زوجه، ولم لا فهو المناضل اليساري الذي كان مضربا للأمثال في الستينيات والسبعينيات والى اليوم من ناحية الوفاء والحب والإصرار. بيدَ انّ البيتين الأخيرين كان فيهما الشاعر جواد في غاية الصراحة لأنهما شكلا الحقيقة التي نعيشها بكوننا بشر نزيغ أو نخطأ (وتارةً زاغٍ بعينك نحو مرمطة النساء/ متأرجحاً بين الوفاء وبين غدْرِ الاشتهاء) . 

ويبقى الشاعر جواد من القلة اليساريين الذين بقوا على العهد حزانى من السياسةِ والحب وشقاء الحياة على طريقة محمود درويش حين يقول ( لم يعد في قلبي مكانا لرصاصة جديدة ) فلقد اكتفى جواد من الألم ولم يبق في العمرِ شيئاً يستحق غير الشِعر والأدب فهما الحصانة و الإكسير والأنتي بايوتيك .

 

 

شوهد المقال 522 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ الحركة الاسلامية في السعودية2

 أ.د . وليد عبد الحي في أطروحة الدكتوراة التي تقدم بها الباحث الفرنسي Stephane Lacriox تحت عنوان " Le Islamistes Saoudiens;Une Insurrection Manquee والمنشورة
image

وليد عبد الحي ـ أزمة تركيا بين الاقتصاد والسياسة

 أ.د. وليد عبد الحي  شكل التراجع المتتالي والكبير لقيمة الليرة التركية والذي بلغ قرابة 80% من قيمتها طيلة هذا العام وقاربت على 7 ليرات
image

رضا بودراع ـ هل ستصمد تركيا أمام البنك المركزي الحربيد

  رضا بودراع ١- تركيا كنتونات اقتصادية وسياسية مؤدلجة، والحرب الضروس الآن على مفاتيح القوة الخمسة، والذي قبل أردوغان بسيادتها عند مجيئه إلى محاولة الانقلاب
image

محمد إلهامي ـ في مسألة الليرة التركية، بعض أمور غائبة

محمد إلهامي   1. بداية يجب علي أن أعترف بأن أمر الاقتصاد هذا مما أشعر أنه لم يُيَسَّر لي رغم بذلي المجهود في فهمه واستيعابه، وإني
image

رياض حاوي ـ التفكير كخبير اقتصادي: دليل لصنع القرار العقلاني (1)

 د.رياض حاوي   سلسلة محاضرات قدمها البروفيسور الاقتصادي رندال بارتلات وهو خريج جامعة ستانفورد ودرس بجامعة واشنطن وحاليا يدرس بمعهد سميث منذ اكثر من ثلاثين
image

وليد عبد الحي ـ عسكرة الصعود السلمي للصين

 أ.د. وليد عبد الحي  يغلب على أدبيات الدبلوماسية الدولية الصينية نزعة سلمية تتمثل في عدم التدخل في الشؤون الداخلية وتسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية وتعزيز
image

ثامر رابح ناشف ـ حكومة الانتداب، نعم حكومة "انتَ-دَابْ"!

د.ثامر رابح ناشف  لم نزايد يوما لما أعتبرنا أن الجزائر خاصة من سنوات التسعينات تدار بحكومات انتداب لنصل في أخر المطاف لحكومة تدار
image

يسين بوغازي ـ الثقافي الجزائري والوزير الشاعر

  يسين بوغازي   كان مجيئه عند أواخر الألفين وخمسة عشر " وزيرا للثقافة " كان مجيئه مكررا ؟ وكانت يومها عاصمة
image

نبيل نايلي ـ لا أعذار بعد اليوم..أما آن لهذا العبث الدامي أن ينتهي؟!

  د. نبيل نايلي   "إنّ الاستهداف الذي تمّ اليوم في محافظة صعدة عمل عسكري مشروع لاستهداف العناصر التي خطّطت ونفّذت استهداف المدنيين ليلة البارحة في
image

فريد بوكاس ـ الإعلام المغربي والدعارة المخزنية ، جريدة الخبر بريس نموذجا

فريد بوكاس إن الإعلام قبل كل شيء هو وسيلة اتصال بين الجماهير والفئات الاجتماعية والعالم الخارجي، إذ يشكل هذا الاتصال بالأساس قاعدة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats