الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | هاتف بشبوش - جــواد غلوم و إنــــاقةُ القصيـــــــــد 1

هاتف بشبوش - جــواد غلوم و إنــــاقةُ القصيـــــــــد 1

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

هاتف بشبوش - شاعر و ناقد عراق/دنمارك 

 

 

أراني مغتبطًا وجذلاً وأنا أقرأ لشاعرٍ أمضى شوطا كبيرا في لغةِ البوح وآلام السّياسة والحياة التي تضيقُ وتثقُل بنا في معظم الأحيان حتّى نشعر أنّ أجسادنا لا تستطيع حمل ثيابنا .

شاعرٌ يكمن وراء الجمالات والخصوصيات التي تُجبرنا على أنْ نلتفتَ ونقرأ جواد غلوم الكامن وراء فطحلته.

 هذا الجواد لم يجزع من يساريته رغم كلّ ما أصاب الشيوعيّة من انكساراتٍ في عالمٍ باتَ خطراً للغاية من جرّاء استفراد الإمبريالية العالمية .

شاعر ازداد ألقًا بعد تخطّي الخامسة والستين وازداد حزنًا بعد مصابه الأخير في موت الحبيبة والزّوجة رفيقة الحبّ الطّويل التي أعطته مصل الاستمرار في النّضال والإصرار والتّحدّي ثمّ ودّعته  و إلى الأبد باكيا متوجّعا على إثرها ذارفا الدّمع فوق قبرها عند صحراء النّجف حيث رقدتْ هناك كما سنبيّن لاحقا.

في عام 1949 هبّ النّسيم النجفي ليبشر ذوي الشّأن بقدوم بشارة ذكوريّة التي أطلقتْ بُكاءها الأوّل قبل أنْ تُسمّى جواد غلوم ،نشأ هناك بكلّ شقائهِ وأفراحه ثمّ استقرّ في بغداد الكاظمية حتّى حصل على البكالوريوس في الآداب قسم اللّغة العربيّة ثمّ عرفناه مُدرّسا في السبعينيات، صحفياً وناشرا في طريق الشّعب والفكر الجديد والتآخي، ثمّ هاجر إلى ليبيا نتيجة التعسف الصدامي وعاد إلى العراق بعد سقوط الصنم .

صدرت له ثلاث مجموعات شعريّة: حبال لأرجوحة متعبة ثمّ حكاية الميمك الحزين و حبّ امتناع لامتناع ثمّ كتاب (مذكّرات مثقف عراقي أوان الحصار).

الشّاعر جواد محبٌّ وفيّ للمرأة على الدّوام ولذلك حينما نقرأ له نتعرّف على كلّ المشوّقات التي تدخلنا في العوالم غير المألوفة،عالم اللّمسات النّاعمة التي تُؤطّر أعناق النّساء وعيونهنّ الصّادحات بالإثارة والحبّ والحنان معا ، وكلّ ما يتعلّق مع فنّ التّجميل الذي بإمكانه أن يُغيّر من شكل المرء سواء إن كان رجلا أم امرأة ، ولذلك راح يتصوّر في مخيّلته الواسعة من أنّ المرأة هي القصيدة أو القصيدة هي المرأة فراح يضيف إليهما كلّ ما يراه مُثيرا في صالونات التّجميل ليس للمظهر الكاذب الذي يخفي وراءه عكس ما نراه بل مثلما نزيّن طفلاً لغرض التّباهي بالاهتمام الحقيقيّ من قبلنا اتّجاه الطّفولة . أو مثلما جوني ديب الممثّل الوسيم الذي عمل في أحد أفلامه ( يد أدوارد المقصية Edward Scissorhands 1990) مشذبا لشعور النّساء وخصوصا العجائز فيجعلها تبدو وكأنّها تخطّت عامل الزّمن عكسيّا وسرقت من سنين العمر فرجعت نظِرة جذّابة تليقُ بغرامٍ جديد. لنقرأ الشّاعر في نصّه البديع (في صالون تجميل القصيدة ) :

 

صديقي الشّاعر الذي أحبّ

أراك تلفّعتَ بإزارك الأبيض

كمّمتَ فمَك وشحذتَ مشرط قلمك

أصقلتَ مراياك بوَرَقِ القلب

نشرتَ الإضاءة في صالة ذكرياتك 

ها أنت تجهز لتزفّ قصيدتك إلينا

تُلبسها وشاحها الليلكيّ الغارق بالعطر

وتصفّف شَعرها الناعم الأملس

معذرةً وأنا القارئ المشوّق لطلّتها

أتوسّل إليك وأنا تلميذك المطيع

لا تلقم القصيدة كلماتٍ مترهّلة 

لئلاّ تصاب بالتخمة

 

جمالية عنوان النصّ جاذبة للنّاقد والقارئ على حدّ سواء الموسوميّة الجميلة كانت المدخل والباب إلى الجنّة التّالية  إذا كانت الباب هكذا في مستوى إبهارها، حتما ستكون الدّواخل في غاية الرّوعة. المدخل له من الأهميّة للنّواظر المارقة مثلما لطلّة النّساء في وجوههنّ ، صبوحات أم مسائيات أم حالكات مكفهرات. الباب كان من الأساسيات لدى أحد الفلاسفة اليونانيين وهو الشّهير ( أفلاطون ) كان يضع في مدخل الجامعة لوحة تقول ( لا تقترب يا مَن ليس لك علماً في الرياضيات ).

أنثوية النصّ التي تتلاءم والبوح المتتالي الذي رأيناه في أجواء القصيدة بأكملها بحيث أدخلها جواد في صالون التّجميل ومن تدخل لا يمكنها أن تخرج كما كانت بل تظهر في شكلها الآخر التي أراد لها الشّاعر جواد أن تكون.

في بداية القصيدة نجد هناك مخاطبة رائعة للصّديق الأحبّ على قلب الشّاعر ، فلكلّ امرئ صديقٌ يذكره للتّأريخ، الشّاعر خلدون جاويد صديقا وفياً حينما كتب نصّا عزائياً يواسي به جواد غلوم بعنوان (مواساة الشاعر جواد غلوم ) الشّاعر عبد الفتاح المطلبي وصف صديقا له بالغادر في نصّه ( ظننتك لي أخاً) وهناك صديق سارق وصفه الشّاعر يحيى السماوي وهناك من يقول (ينبغي مدّ أيدينا للصّديق دون طيّ الأصابع ...ديوجين).

الصّداقة لا تُبنى على رؤية الأشخاص أنفسهم بانتظام            و حسب بل إنّها الالتزام والوعود والثقة المتبادلة مع شخص قادر على أن يفرح بسعادة الآخر، وهناك من يقول من أنّ الصّداقة هي الشّكل الأخلاقي من الآيروتيك، كثيرة هي الأمثلة عن الصّديق بكلّ تجلياته.

يستمرّ الشّاعر في وصف القصيدة التي لابدّ لها أن تخرج من صالون البوح كما العرائس وأن تتزيّن بالأنامل الخبيرة في فنّ تجميل القصيدة أو تجميل النّساء لأنّ الأنامل هي الأساس في صبّ البوح من الدّماغ (من أطراف أصابعي ينساب نهر) وهي الأساس في وضع اللّمسات الخفيفة في وجوه وأجساد النّساء. وهنا الشّاعر يريد أن تحتوي القصيدة الحقيقيّة كلّ المعاني التي يتوجّب أن تكون في الشّاعر الحقيقيّ الذي يئنّ مع النّاس ويفرح معها لأنّها هي الهويّة الرئيسيّة التي من خلالها التعرّف على الشّاعر و رسالته . قد تكون القصيدة متخمة بالخزعبلات أو الكلام الفارغ الذي يشي عن عدم القدرة في بثّ روحٍ جميلةٍ في جسد القصيدة الرّشيق بحيث تتلاءم و روح العصر السّريع . لنقرأ ماذا يقول جواد أدناه بهذا الخصوص من نفس النصّ:

 

ليكن جسد القصيدة رشيقا 

أهيفَ القامة ، خاليا من النّحول

مشذّباً من البدانة 

خذْ من دهان الكلمات أكثرَه ليونةً ونضارة 

ضع زِنّاراً من حروفٍ مزركشةٍ على خِصرها

اقصصْ من شَعرها الهائج ما كثّ وتجعّـدَ

أنثرْهُ أمام مرآةٍ كوافير متقنة النّصاعة

 

هنا أرى جواد قد وصف الجمالات التي زيّنها فأعطتنا العلاقة التبادليّة بين اللّوحة والشّاعر  بين دافنشي و الموناليزا ، بين إيغون شيلي وكلّ أعماله العارية، بين جواد سليم ونصب الحريّة،  بين جواد غلوم وصالون القصيد لأنّه الشّاعر و الرّجل الذي يحترم المرأة  وهذا النّوع من الرّجال غالبا ما تراه هماما مقداما لأنّ المرأة في حياته هي المحرضة على التّفاني بشتّى أنواعه ... ولذلك نرى جواد كان متماهيا للغاية من خلال هوية أشعاره وبوحه الجليّ دون أيّ مواربة أو تورية تحجبه عنّا أو تجعله غامضا بعيدا عن فهمنا الحقيقي:

 

إيّاك أن تفرط في زرق إبرِ " البوتوكس"

لئلاّ تَـثقل شفتاها، وتتعثّر في النطق

خوفي أن تنتـفخَ طلعتها وتـلثـغ 

فتكون مثار استهزاء القارئ

أزلْ ما علق من دمامل الكلمات الناشزة 

استأصلْ بقايا الثالول بحِبْرٍ حارق

لترشق امام من يهواها

ويشتهي الانصات لنغماتِ حروفها

يتطلّعُ لرشاقتها كعاشقٍ في أوّلِ لقائهِ بأنثاه 

يراها مثل منحوتةٍ جميلة تأسرُ ناظريه

تتمشّى في أوصالهِ مثل نشوةٍ

لا تدري أين تحطّ

تتلاعبُ غنَجا وقفزا في خيال جامح

وتستقرّ اخيرا في ارجوحةٍ عائمة بين القلب والعين

 

يقول أوسكار وايلد من أنّ الحياة لها روائعها مثل الشّعر والنّحت والرّسم. و لذلك أراد جواد من خلال إدخال القصيدة صالون التّجميل كي يغرز فيها الحياة ومن ثمّ يستمتع بمظاهرها الخلابة والمبهرة و روائعها التي تتجسّد بمعانيها الإنسانية.

جواد ألبسَ القصيدة ( المرأة ) فستان العرس وأصرّ على تجميلها في الصّالون الذي هو بمثابة التّنقيح للقصيدة قبل اعتمادها بشكلها النّهائي لكنّه يخاف على القصيدة من داء القلاب مثلما يخاف على شفتي المرأة من جرعة زائدة للبوتوكس ،حقّا يجب أن تكون القصيدة هكذا لأنّها مؤنثة وصدق من أطلق عليها بالقصيدة ( أنثى) لا تعبيرا ذكوريّا و إلاّ كنّا أصبنا بالدّوار من شكلها المُتخم ذي الكرش ،هنا دعوة من الشّاعر من أنّنا نقرأ بعض قصائد اليوم التي تسدّ النّفس فنراها بدون أيّ شكل أو معنى نستطيع من خلاله أن نقرأ ما يفيدنا كي نُغيّر من هذا العالم المتردّي.

مستوى جودة بعض القصائد يثير القيء على شاكلة ( وقفت على البابِ راكضةً / تبكي ضاحكة بعينيها المغلقتين والمفتوحتين من الضياء ) .. لا أعرف كيف واقفة وراكضة وكيف تبكي و تضحك لكنّ الشّاعر الواهن سيقول لك من أنّها معنى مجازي ورمزي مكثّف لكنّني أقول إنّما هذا يدلّ على ضعف القوّة الشعريّة والبصيرة والخيال والبوح في آنٍ واحد.

نحن في عالم محطّم وقبيح يتوجّب علينا تلميعه حتّى القصيدة التي نتفوّه بها يجب علينا ترميمها كي نستطيع أن نقف بها أثناء تقديمنا لها في المهرجانات  فيجب أن تكون بمستوى المرأة     ( القصيدة ) الخارجة من صالون جواد غلوم كي تستقرّ في القلب والعين ومصدر السّمع وفي قضيّة الوطن الأساسيّة التي لا يمكن أن تغيب عن شمس أيّ شاعر وطنيّ و حقيقي على شاكلة جواد غلوم الذي أنهى ردحا كبيرا من حياته في حبّ الوطن واليسار ، فلنقرأ ماذا قال بخصوص ذلك في نصّه (قبلاتٌ بشفاهٍ ريّا لوطنٍ بلا وجه) :

 

 

يتبــــــــــــع في الجـــــزء الثانـــــــي



 

شوهد المقال 386 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

مادونا عسكر ـ استبطان الذّات الرّائية في قصيدة "الدّاخل أرحب" للشّاعر يوسف الهمامي

  مادونا عسكرـ لبنان  - النّصّ: الدّاخل أرحـب سقطتُّ في السّماء كنت أعرجُ في أرض بلا
image

إيناس ثابت ـ روافدُ القلب

    إيناس ثابت - اليمن              وشاحُ حريرٍ غَزَلَتْه "پينولوب" من وحيِ حكايتك بفيضٍ من
image

محمد مصطفى حابس ـ المرحوم عبد الغاني بلهادي: نعم الرجال الذين يهبون عند الفزع و يفسحون الطريق لغيرهم عند الطمع.

محمد مصطفى حابس إنَّ مرحلة الشَّباب هي الفترة الذَّهبيَّة من عمر الإنسان، وهي الَّتي ترسم ملامح مستقبل المرء وتحدِّده، لذلك حرص الإسلام كلَّ الحرص على التربية
image

خالد صبر سالم ـ ـغنيّةُ الألـَق

  خالد صبر سالم                                          النهرُ يفيضُ وجوهَ حَبيباتٍ تـَتـَألقُ   في خاطرة القنديلِ   
image

علي المرهج ـ المحبةُ سلطة

  د. علي المرهج إذا فهمنا السلطة على أنها فن إدارة العلاقة مع مُقربين، أو مع الأسرة، أو الجماعة، بل وحتى المؤسسة،
image

إبراهيم يوسف ـ رَوَافِدْ لم تَنْشَفْ بَعْدْ

  إبراهيم يوسف – لبنان    أنا يا عصفورةَ الشّجنِ مثلُ عينيكِ بلا وطنِأنا لا أرضٌ ولا سكنٌ أنا عيناكِ هما سَكني 
image

رائد جبار كاظم ـ نقد النقد النرجسي (هيمنة الأيديولوجيا على نقد الأنا للآخر)

  د. رائد جبار كاظم   ( لقد آن الأوان لأن نبحث في العيوب النسقية للشخصية العربية المتشعرنة، والتي يحملها ديوان العرب وتتجلى في سلوكنا
image

ناهد زيان ـ جوازة على ما تُفْرَج !!!

د. ناهد زيان   يبدو العنوان صادما حتى لي أنا نفسي غير أن الواقع لا ينفك يصدمنا بما لم نكن نتوقعه ولا يخطر
image

مصطفى محمد حابس ـ سجال متجدد فمتى يتبدد ؟! "ليس المولد هو البدعة.. بل البدعة أن لا تعرف معنى البدعة"

مصطفى محمد حابسرغم أنه كُتب عن المولد خلال هذا الأسبوع العشرات من المقالات، من أهل الشرع و الاختصاص أخرهم الأسبوع الماضي أستاذنا الدكتور عبد الرزاق،
image

أمل عزيز احمد ـ رحلة بلا مطر ....

أمل عزيز احمد        حينَ ضمّنيبرد المساء فيمدينة ِالضبابراحتْ همساتُ أولَابتسامةٍ للقياكَترّنُ مع نبضاتِ قلبيروحي ..وخاطرييعبرُني ..الشارع تلوَّ الشارعابحثُ عن نفسي بينَمطر ِالليلة ِوصباحكَ المؤجلعندَ آخرِ غيمة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats