الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | مسک سعید ـ دراسة إجتماعیة في قصیدة «حتی أنتَ...» لـــشاعر صادق حسن

مسک سعید ـ دراسة إجتماعیة في قصیدة «حتی أنتَ...» لـــشاعر صادق حسن

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 الدکتورة مسک سعید/ الأهواز

 

نص القصیدة: «بعیداً من جسدکِ...ألهثُ خلفَ تلکَ النخلة .... لأضیعَ مرّةً أُخری

ینحرني جسدکِ ویحرقني خلفَ مِرآة حزیران... لأنمو بنمطِ حمارٍ قدیمٍ إهتمَّ بهِ إلهٌ مصري

کل التماثیل تقترب منکِ... کل الأهرامِ تخرُّ... حتّی تتکوّن قیامةً علی سریرکِ بشهواتهم القرمزیة...

أيُّ جسدٍ یذوب عندما ینفرد؟

وأي صلاةٍ تُقبَل دون مضاجعتکِ علی شُرفةِ سجّادةٍ بیضاء

صلّی الإله.... حتی الإله... نعم حتی الإله» (صادق حسن، 2017: 22).

الغموض لایرشدک الی غایتک أمّا الرموز تدخلک عالم القصیدة، لتکون بطلها حیناً وإله حین آخر. لیست القصیدة کما وصفها المُتلبسین بلباس النقد غزلیة، شهوانیة بحته، فإنها بعیدة البعد من الغزل ولانسمع هتافات غزلیة بأکملها، کلُّ مایری الناقد هو ألم ومعاناة نساء حقیقیات في مجتمع مُزیّف رسمتهُ أشخاص ذومخاض بتوهم المناصب، لهذا لاأرید أطیل المقال وآتیکم بمُلخّص ومقدمة ونظریات ونتائج کعادة البحوث الجامعیة، بل أستعین بفکّ الرموز والطقوس في القصیدة لیظهر الحق ویزهق الباطل دفاعاً لالأدب ولیس دفاعاً لالأدیب، ولکن لسنا بنیویون حتی نرفض العلاقة بین الادب وبین مجتمعه وحتی لانرفض العلاقة بین الادب وصاحبه ولانعتقد بموت المؤلف، ولکن أنا أستطیع إقناع نفسي بموت المجتمع فحسب... داعیک من یتصوّف بسیجارتهِ أو بزیهِ أو محاسنهِ الخاصة؛ آتني نصک لأظهر من تکون، فالنقد لهُ تقنیاته الخاصة یا ألماساتي البسیطة وأما «علم الإجتماع یتمیّزُ بأنهُ دائم البحث عن نفسه وأنّ أکثر النقاط اتفاقاً بین المشتغلین بهِ هي صعوبة تحدیده»(الموسی، 2011: 9). وحاول هذا البحث الدراسة الإجتماعیة [سوسیولوجي] في قصیدة «حتّی أنتَ....» لـــشاعر «صادق حسن»؛ الأدب الإجتماعي هو الأدب الذي تنعکس فیه القضایا الإجتماعیة والسیاسیة والایدولوجیة والأخلاقیة والنقد الإجتماعي هو منهج یدرس هذه الإنعکاسات في الأدب. واذا تصفّحنا دیوان «صادق حسن» وجدناه خُصّصَ لقضایا إجتماعیة تارکین غشاوة الغزل خلف أسیاج النقد؛ فلعلّ خیر مایستدل به علی هذه القضیة في شعر «صادق حسن» هي قصیدة «حتّی أنتَ...»التي کُتِبَت علی نمطٍ نثري؛ فالشاعر یُعالج القضایا الإجتماعیة في المجتمع الشرقي عامة والمجتمع الأهوازي خاصةً، وتأتي أحداث هذه القصیدة علی فکرٍ إسطوري مُستعین بتناصٍ دیني للسیّدة مریم سلام الله علیها حیثُ نقرء في القرآن:«فاجاءها المخاضُ الی جذعِ النخلِ» ویلاحظ أن نصوص صادق حسن مفعم بنصوصٍ تحمل مؤشرات اجتماعیة ذوطابع دیني فیقول:« بعیداً من جسدکِ...ألهثُ خلفَ تلکَ النخلة ....» فهذا البُعد جوهري لبُعدهِ من الأفکار السامّة ورفضاً لِمَن یبحث في النص عن شهوةٍ فحسب. فیعبّر بوجعهِ ومن ثم یتألم الشاعر ویتوجّع بالضیاع فیقول:«لأضیعَ مرّةً أُخری...» فضیاعهُ الأول عند الولادة والثاني في المجتمع البائس. فالشاعر یترک الأجساد التي باتت آلةً بید أُناسٍ شهوانیین؛ فیطلب أن یُنحَر لکي لایُنسَبَ إلی تلک الفجائع التي بات به المجتمع الأهوازي یحتضر ویُعاني من إزدحامها وعلی الناقد أن یستهدف الإشارات التي قام بها الشاعر لأنّ «النُقّاد الإجتماعیین یدرسون العادات والتقالید والعقائد والنهضات التي انعکست في الأدب وهي في نفس الوقت ولیدة الآثار الأدبیة»(أحمدیان، 1393: 39) فهذه القصیدة ثورة من حیث نقل معاناة االنساء الشرقیة؛ ومن ثم یأتي بإسلوبٍ بوذائي لِحرق جسدهِ وکثیراً ما نری الشاعر یطلب الخلاص من جسده بالحرق ویطلب الضیاع أکثر مما طلب التبجُّح والشهرة، فمن هذا المنظار ومن جانبٍ نفسي تظهر عزلة الشاعر وإمتداده الصوفي أکثر مما الحضور في مجتمعٍ دنیء؛ وحرق الجسد طلب حتی لایکون آلةً بید رجال الدین الذین یُمارسون ممّا طابت أنفسهم وهذا خلف قضیة تاریخیة وخلف قضایا انسانیة وتواقیت محلیة وهو شهر «حزیران» [لاننسی دیوان الثاني لصادق حسن تحت عنوان: حزیران خلف المِرآة] الذي یحملُ جوفهِ «یوم الشهید الأهوازي» ثم یُحیی ذکری الشهداء بتناصٍ دیني حیث نقرء في القرآن الکریم «وإنظر إلی حمارک ولنجعلک آیة للناس» (بقره، 259) فالشاعر بذکاء خصة یجعل الشهید آیةً للناسِ فیما مضی وفیما یأتي. فنشور هذا بمعنی نشور ذاک. والإهتمام بالقضیة تکون اهتماماً دولیة کما أشار بها الشاعر «إهتمَّ به إلهٌ مصري» فتکلم الشاعر علی قضیة انسانیة وتاریخیة تارکاً خلفهُ رموز واساطیر تؤرق المجتمع وطبقاته التي تتمثل في سیطرت الطبقة العلیاء علی الطبقة الکادحة في المجتمع ومن ثم یصف للقاریء مایحیط به من ظواهر اسطوریة تجرف القضیة بتشتُّت المجتمع الأهوازي فتتلابس القضیة بجسد الفتاة حیث یقول:«کل التماثیل تقترب منکِ» فالتماثیل تقتربُ بشهواتها إلی الجسد النسوي الأهوازي والأهرام التي هي تُعبّر عن فطاحل السیاسة بأهمیتها للقضیة الأهوازیة فتفسیر صلتها بالآثار التاریخیة والأدبیة أمرٌ في غایة الخطورة والصعوبة في آنٍ معاً ولکن الشاعر جریء وقلمهُ المُلتزم یضربُ هذا بذاک. وفي الأشطر التالیة یستهزء بالفکر الرجعي حیث أُناسهِ تارکة خلفها الأهم مُتمسکین بتعلّقات دنیئة فیقول:« حتّی تتکوّن قیامةً علی سریرکِ بشهواتهم القرمزیة...» فالقیامة یقصد ویرمز بها الثورة ولکن تأتي من الشارع نحو السریر خاطئة وهاربة من ضیاء الشمس نحو ضیاء الشمعِ، مُستهزءً بالأفکار التي تطردُ قدرات النساء في الشارع الأهوازي أي المُجتمع المدني بتعبیرٍ آخر فیسأل ذلک الفکر الرجعي بأنَّ هل تحصل ثورة دون الإستعانة بالنصفِ الآخر من المجتمع، بقوله:« أيُّ جسدٍ یذوب عندما ینفرد؟» إنّها حقیقة تُخفي وراءها سؤالاً، هل لابدّ نعترف بقدرات النساء؟ هذا مایرید «صادق حسن» قوله، إنهُ یقصد وینوي الی تدمیر الفکر الرجعي وإزالتهِ لکي یتحقق إنجازاً، فالشاعر یسعی إلی ترمیم کیان آخر وترمیم لذات الفرد الأهوازي في المجتمع حاملاً مسلکیة انسانیة وحضاریة وتطغی انسانیتهُ علی الثقافة الرجعیة الأهوازیة وطغت الذاکرة علی الثقافة وعلی الفکر بسبب سیطرتها علی العقل فازدادت تناصاته الدینیة لیُطبّق ألمهُ بالسیدة مریم ورجوعهِ ونشورهِ من جدید تارکاً خلفه کل القوانین والنوامیس التي باتت بالفشل. ویهدي اللون الأبیض لذات المرأة الأهوازیة؛ «فيدلُ اللون الابيض علی الحالة الإيجابية النقية التي تأتي من مصدر التفاؤل والطمأنينة. و في بعض الأحيان يغيّر الشاعر معنی اللون و يستنتج منه لحظة الغياب. أما دلالات الصفاء و النقاء و البراءة و الطهارة هي من تهيمن في مملکة البياض»(نصاري، 1392: 120).«و في العصور القديمة کان اللون الأبيض مقدساً ومقصوراً علی آلهة الرومان، وکان يضحی له بحيوانات بيضاء، وعند المسيحيين عادة ما يرمز للمسيح بثوب أبيض دليلاً علی الصفاء والنقاء والخلو من الدنس ، وفي مصر القديمة کان الفرعون يرتدي تاجاً أبيض ليرمز لسيطرته علی مصر العليا مما يشير إلی أنها کانت تعيش بسلام وطمأنينة» (بلاوي، 1393: 230). والسجادة التي یمتلکها أهل الدین والخوذات مُلطّخة بالشهوات القرمزیة من أُناُسٍ تعبثُ في المجتمع الأهوازي بالصیتِ والتفرقة ولایعطي لنصهِ طابعاً زمنیاً ولایُحدّد نفسهُ ونصهُ في بنیة الزمکنة وقد یتکاثر الجمهور المحاور علی متن القصیدة؛ فالرموز والأساطیر تفرضُ أفکارها ومعتقداتها واحکامها القیمة ولذلک فإن کل کاتب هو أسیر ایدیولوجیا جمهوره، فبإمکانه أن یقبلها أو یغیرُ فیها أو یرفضها کلیاً أو جزئیاً ولکنه لایستطیع أن ینتصل منها، ولکن صادق حسن یرفض ویستهزء بمقومات الإجتماعیة التي تُکدّر وتخدش الثقافة الأهوازیة؛ وهکذا یحاول الشاعر بنصه تصور لسوسیولوجیا نصیّة قادرة علی تجاوز الصراع الذي ظل محتدماً بین اصحاب القضیة وبین اصحاب جسد الحسناوات واصحاب السجادات المُلطّخة بالشهوة القرمزیة وهو صراع اتخذ صبغة تناقض بین الشکل والمضمون فهو لایهتمّ في هذا الصراع وکل مایطلب أن لایکون أحداً بهذا المضمار حتی لو کان إلهً.

 

·       القرآن

·       احمدیان، حمید (1393)، مناهج النقد الأدبي العربي المعاصر اصفهان-سمت.

·       بلاوي، رسول: (1393) تقنیة النص في دیوان یحیی السماوي، عبادان-الاهواز هرمنوطیقیا للنشر والتوزیع.

·       حسن، صادق: (1396) دیوان حزیران خلف المِرآة، عبادان-الاهواز هرمنوطیقیا للنشر والتوزیع.

·       الموسی، أنور عبدالحمید (2011)؛ علم الإجتماع الأدبي،بیروت-لبنان،  دار النهضة العربیة.

·       نصاري، جمال: (1392) سایکولوجیة النص في دیوان محمود درویش، عبادان-الاهواز هرمنوطیقیا للنشر والتوزیع.

·       قصاب، ولید: (2007) مناهج النقد الادبي الحدیث رؤیة اسلامیة دار الفکر، دمشق.

شوهد المقال 2879 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فضيل بوماله ـ الموقف / تساؤلات ؟؟؟ علي بلحاج، رشيد نكاز ، النشطاء و النظام البوليسي؟!

  فضيل بوماله  سلوكيات النظام القمعية ضد النشطاء صارت من يومياتنا الحقوقية والسياسية. لقد صنع النظام تحالفا واضحا بين الداخلية والعدل اي بين جهازي الأمن
image

شاكر لعيبي ـ سمة المثقفين الجوهرية اليوم: الانبطاح

 د. شاكر لعيبي أمام القضايا الكبرى في الوجود، في السياسة، في استباحة الأوطان وفي القيم (العليا)، أجد أن توصيف المثقفين العرب، أقصد الغالبية، بـ (الانبطاح)
image

نبيل نايلي ـ أين فلسطين في كل هذه البيانات السمجة؟؟؟!!

  د.نبيل نايلي "إنّ إسرائيل ترفض بشدّةٍ القرار الذي اتخُذّ بأغلبية أوتوماتيكيّة معادية لإسرائيل، وهذا يؤكّد أنّه لا جديد تحت الشمس: نتائج القرار معروفة سلفًا!
image

أحمد يوسف ـ قدسية اللغة

د. أحمد يوسف   هل من بين لغات البشر منذ القدم حتى الآن لغة مقدسة؟أعلم أن تكون لغة للمعابد أو الأديرة أو دور العبادة لقوم من
image

غادة خليل ـ كلُّ هذا المطر

  غادة خليل                كلُّ هذا المطرولا تزالُ سماؤنا ملبدةً بالغيوم!!  يالَصوتِك الصباحيإذ يُغرِقُ قلبي... بالندى!  وجهُك بلون الشمسيشبه انتظاري الملوَّحَ .... تماما!  وحدك تجعلُ روحيتبكي ضحكا !  قلبي صار شارعا يقود
image

زين الدين شلغوم ـ ﺣﻀﺎﺭﺓ ﺗﺘﺤﻀﺮ ﻭﺗﻠﻐﻲ ﻣﻔﻬﻮﻣﻬﺎ ﻓﻲ ﻇﻞ ﺍﻷﻟﻔﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ

 زين الدين شلغوم الحضارة ﻣﺼﻄﻠﺢ ﻣﺘﺪﺍﻭﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻴﺘﻨﺎ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﻪ ، ﻓﺒﻌﻴﺪﺍ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻻﻳﺘﻴﻤﻮﻟﻮﺟﻲ ﻟﻠﻜﻠﻤﺔ ﻭﺍﻟﺮﺅﻯ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﺍﻟﻤﺆﺭﺧﻴﻦ ﻭﺍﻟﻔﻼﺳﻔﺔ ﺍﻻ ﺍﻧﺎ ﻫﻨﺎﻙ ﻧﻘﻄﺔ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻳﺘﻔﻖ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ
image

علاء الأديب ـ مهرجان الأدب والفنون في بوسالم انتقالة ملحوظة في المشهد الثقافي التونسي

علاء الأديب وأنا في بغداد بين الأهل والأحبة والأصدقاء فوجئت بدعوة أنيقة كريمة من إدارة مهرجان ربيع الأدب والفنون بنسخته32 في مدينة بوسالم التابعة لولاية
image

وليد عبد الحي ـ فلسطين : الخطوة القادمة

أ.د. وليد عبد الحي يقوم التخطيط الاستراتيجي الاسرائيلي حاليا على قضية واحدة وهي " التخلص تماما من سلاح المقاومة الفلسطينية في غزة" باعتباره الجدار
image

خميس قلم ـ ملحة العيون

خميس قلم      للعين و للعينان و للعيون حضور شاخص في تاريخ الشعر العربي  من قبل ما ينسب لعنترة: عيون العذارى من خلال البراقع أحد من البيض الرقاق
image

هاتف بشبوش ـ حميد الحريزي ومحطات مظلوم (3)

هاتف بشبوش   في ايلول 1967 وصلت حالة التوتر الى اشدها بين تياري قيادة الحزب الشيوعي ، فاعلن رسميا الانشقاق الى (( القيادة المركزية ))

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats