الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | هاتف بشبوش - هاتف بشبوش - عبد الفتـاح المطلبـي , بين السّرد والتّهويم 3/3

هاتف بشبوش - هاتف بشبوش - عبد الفتـاح المطلبـي , بين السّرد والتّهويم 3/3

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 
هاتف بشبوش
 
 

اللّيل.. اللّيل.. ذلك السّواد العظيم ، الذي يمتلكُ ملايينا من العُيون اللامعة و ينتصفها القمر الذهبيّ ،الليل الذي دوّخ الشعراء ، و الصوفيّين و أصحاب الشأن الفلكيّ , و عُشّاق الغزل و الأسرار الدّفينة في طيّاته  ( و ليل كموج البحر أرخى سدوله ) .. (اللّيل يا ليلى يعاتبني ، و يقول لي سلّم على ليلى , والحبّ لا تحلو نسائمه إلاّ إذا غنّى الهوى ليلى) أمّ كلثوم حين يصدحُ صوتها ( اللّيل اللّيل ،و دقّت الساعة )، عمر ابن أبي ربيعة الشاعر الماجن حينما عجزت منه عشيقته في أنْ تنهيه من الإتيان إلى الضغن في وضح النّهار خوفا من عيون الناس و الأهل والعشيرة، فقالت له في البيت الأخير من قصيدة طويلة ( لقد أعيتنا حجّة ً فأتِ إذا ما هجع َالسّامرُ .. و اسقط علينا كسقوط النّدى ( ليلة) لا ناهٍ ولا زاجر.
إذن هو الليل مخبأ العشّاق و حاميهم و منقذ أمانيهم ، و مُدثّر غرامهم إذا ما نام الأنام .. اللّيل اتّخذه الكثير من الخمّارين لمداواة لواعجهم، لتهدئة جنون السّاعات النهاريّة التي تعصفُ بهم بين آونة و أخرى، اللّيل يتّخذهُ الشّعراء أيضا كرمز للظّلمات.

و صرختُ تبّا للزّمان و تبّ
ما كان أبخلهُ على الحرّ

الزّمان و فعاله لا يحالفُ العاقل و لا الحرّ و لا الطّيب ولا صاحب المروءة، بل دائما نراه يشدّ الأزر مع الماردين و الشّياطين و أصحاب السّوء،       و لذلك نرى أصحاب الشأن الرفيع وذوي الأخلاق الحميدة مركونين في صومعتهم، ولكنّهم صامدون أبد الدّهر لا تلويهم الأعاصير مهما كانت، لكنهم في تساؤل دائم، عن تفسير الحياة و مآربها، عاشقين للأرض     و الجنس النّاعم ، الهوى يسري في نبضهم أبدا، كما نرى في النصّ أدناه (تباريج): 

سلا القلبُ من جالت زمانا بنبضه
فأزمع أن ينسى الهوى بعد حفظه
و أورق من نبت التذكّر دغله
و ما أمرعت إلاّ السّفا فوق أرضه

مهما فعل الإنسان ضدّ ما تريده الطبيعة و أراد أن يتصوّر أنّه في بوابة الصّواب ، لم يجد نفسه إلاّ وقد ركب القطار الخطأ، القطار الذي يرجع به إلى محطّات يكرهُ أن يراها أو ينزل بها، إنّها محطّات الفلاش باك، إنّها محطّات الحبّ الذي انتهى إلى الجنون و الفشل، أو الفاجعة و الموت، وكلّ هذه اللّواعج تخلقُ لنا أدبا غزليا وتشبيبا قرأنا عنه الكثير و من فحول الشّعراء أو مغمورين، إنّه الغزل و التّغزّل بالأنثى الذي انفرد بالتسمية و على دروبه تخلّد الكثيرون ، و في رياحه طار المجانين بلا عودة، وفي ثناياه تصلّب عود المحبّين عذريّا، كما في المحاورة العذرية بين جميل و بثينة ،حيث هما جالسان على ترعة من الماء ، و كان يصغي إليهما الشّاعر ( كُثير عزة) و قد خبّأ نفسه وراء صخرة، فسمع بثينة و هي تقول لجميل : يا جميل ماذا تبتغيه مني؟ فقال جميل جوابا عذريا خالصا ( لا و الذي تسجد الجباه له ... مالي بما تحت ثوبها خبرُ .... و بفيها وما هممتُ بها .... إلا ّ الحديث و النظرُ) ممّا أثار إعجاب ( كثير عزة) و تصديقه لما تناقلتهُ الألسن عن الحبّ العذريّ بين جميل و بثينة.
غزلُ ركبَ صهوة حبّ الأرض، و الذاكرة الميتة، وهنا أذكر على وجه التحديد قول الشاعر أعلاه (و أورقَ من نبتِ التذكّرِ دغلهُ..........و ما أمرعَت إلاّ السفا فوقَ أرضهِ) ، الشاعر هنا تكلّم و كأنّ اللاّشعور يمضي في دمه، حيث تناسى بأنّه مهندس زراعي و لذلك جاء البيت مع البوح الحقيقيّ الذي يتحدّث عن عالم النباتات، لم لا، فهناك نصّ سومريّ جميل يتكلّم عن النباتات لما فيها من حياة للبشرية جمعاء، والنصّ من رحلة (نانا إلى نفر) .... وهو عن حبّ الإنسان أيضا إلى الطبيعة          و جمالها لنقرأ ذلك:

في الحقل أعطني مزيدا من القمح
في النّسيان أعطني مزيدا من النّخل و العنب
في الأهوار أعطني مزيدا من العشب و القصب

ثم يستمرّ الشاعر مع العاشقين و الحبّ و ما يفعله بالمحبّين:

رأيتُ قلوب العاشقين و قد غدت
نثارا على طول الطّريق و عرضه

أرى الشاعر في هذا البيت محدثا رائعا و إن كانت القصيدة تنتمي إلى الماضي البعيد . أورفيوس و قصّته و كيف ذهب إلى العالم السّفليّ في سبيل إرجاع حبيبته ،ومن ثمّ فشله في النّهاية من إنقاذها ، ثمّ بعد ذلك قطّعت النّساء جسده إلى أشلاء و من ثمّ حرقهُ ،و توزيعهُ نثارا على الطّرقات، وظلّ ترقص على أغانيه جميع الطيور والنباتات،           و العشّاق ، بل حتى الصّخور، كما تقول الأسطورة . إنّه حبّ الجسد الذي يرتبط مع الرّوح، وكأنّ العاشق يقول : إنّ حب جسدك هو الذي مازلتُ أرغبُ ، أمّا روحك فباستطاعتها أن تشنق نفسها ،فلديّ من الرّوح ما يكفي.


الشّاعر و القاصّ عبد الفتاح بهذه السّطور:

القاصّ والشّاعر عبد الفتاح ، لا تستعصي عليه المعاني الصّعبة في الشّعر و السّرد ، بل يتعدّاها أيضا إلى الإيقاع السّاحر ، الصّارخ و المنذر،  الصّاعد و النّازل، إنّه الأديب الذي يمتدّ العراق بدمه كما يمتدّ ديموغرافياً على الأرض، استطاع أن يصوّر لنا الذوات المتناقضة و كيف تتصارعُ مثل الكلب و القطّ اللذان لا تتاحُ لهما أن يعتادا على بعضهما ،إنّ الكتابة لديه كالصنّارة  إذا عُلّقت  صعبٌ التخلّص منها ، أدبيّات عبد الفتاح عبارة عن مدارج مغمورة بأزهار السّرد و الشّعر ، أدبيات عبارة عن باخرة تمخر في العباب الهائل و نتيجة الرّياح العاتية تتكسّرُ على جوانبها الأمواج ، إنّه شاعرٌ يُؤمنُ بما قاله الرّاحل محمود درويش بأنّ الشّعر يُعيدُ الحياة إلى اللّغة عندما تُستهلكُ و تصبحُ مجرّد لُغة يوميّة و دارجة و مُبتذلة ، و في عصر لم تعد فيه الأذان تسمعُ لغة فصحى إلاّ في نشرات الأخبار ، قاصّ و شاعرٌ لا يهربُ من الواجهات مهما كان نوعها، شاعرٌ يتألّمُ و يفرحُ نتيجة الحدث و ماهيته، إنّه لا يبغي شيئا حتّى و إن سُرق ماديّا.  العالم الخارجيّ لديه هو عالمُ المال ، و في عالم الأدب رفض صارخا لذلك يُقال في الحكمة العربية ( إنّ الرجل أدركته مهنة الأدب أي امتهن الفقر) , و لذلك وجدناه رائعا، إنسانيّا في نصّ ( ظننتكَ لي أخا).
القاصّ و الشّاعر عبد الفتاح قد وضّح لنا مدى طبيعة الشرّ لدى البشر، و تأكيده على الشخصيّات التي من خلالها استطاع الغوص و إبراز المأساة و آثارها و الخطيئة المترتبة عن ذلك، و لو كان السّرد طويلا روائيا ، لكان قد اعتبر من الأعمال الدرامية الرائعة . يكتب بمشاعر نابعة من المعرفة التي لها أواصر بالمنطق و الاستنتاج، يدخلُ في سياق الأحداث ، يتبنّى النّقد الاجتماعي بشكل جديّ و يُعطيه أبعاده الأوسع  و يدعو إلى الحرية و بناء حياة اجتماعية حقيقيّة بعيدة عن الألم ،و قدّم مواضيع و خيالات و أحلاما جديدة , جعل لها إطارا أدبيّا عراقيّا حاز على إعجاب و احترام الكثيرين.
 
شاعر و ناقد  



شوهد المقال 2102 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان - أوجاع بصرية

 عادل السرحان - العراق             الرصيف يسرح النظر الى آخر السفن الخشبية المغادرة وهي ترشه برذاذ من دموع الوداع دون ان تلتفت اليه بين انين ووجوم ودخان وصيحات سرب
image

كلمة الى الرئيس بوتفليقة من دون زيف او تدليس

جزائرية  أيها الرئيس إنني الآن قبل أن أخاطب فيك قلب صاحب الجاه والسلطان فإنّني أخاطب فيك قلب الإنسان ،لأتوجه إليك باسم عدالة السماء التي لم تجعل
image

الصمت القاتل: سجن باحث اقتصاد في الإمارات الدكتور ناصر بن غيث

 أورسولا ليندسي  حكمت محكمة إماراتية الأسبوع الماضي على ناصر بن غيث، الخبير الاقتصادي البارز الذي يدعو للمزيد من الديمقراطية وحقوق الإنسان، بالسجن عشر سنوات. وتضم جرائمه المزعومة
image

تاريخ مؤلم من العبودية خلف تنوع الموسيقى العُمانية

بنجامين بلاكيت  مسقط – لم يمضِ وقت طويل على مقابلتي مع ماجد الحارثي، المختص بعلم موسيقى الشعوب (علم الموسيقى العرقية)، حتى تحدث عما يراه تميّزاً هاماً. قال موضحاً بحماس ودود “لا
image

ناهد زيان - فيرحاب أم علي عمدة النسوان

 ناهد زيان  كنت لا زلت طفلة تلعب بالدمى وتقضي يومها لاهية في جوار جدتها وعلى مرأى من أمها في غدو ورواحها وهي تقضي حوائجها وتنجز
image

عبد الباقي صلاي - غياب الاستثمار الحقيقي في الجزائر إلى أين؟؟

عبد الباقي صلاي* لا أدري لماذا كلما استمعت إلى خطاب الحكومة حول الاستثمار سواء كان محليا أو أجنبيا  إلا وتذكرت فيلما شاهدته عدة مرات عنوانه "بوبوس"
image

سهى عبود - موعد مع الياسمين.. تفصيل بحجم الكون.. الحلقة الاولى.

  سهى عبود سماء القرية هذا الصباح متواطئة مع حالتي النفسية.. تزيح عنها الغيوم برفق لتفسح الطريق لخيوط ذهبية خجول..تحدثتُ طويلا مع امي قبل ان أغادر البيت،
image

محمد مصطفى حابس - الرجيمة" مسرحية تستغيث ، من يرشدها ؟

  محمد مصطفى حابس : جنيف -  سويسرادُعيتُ نهاية هذا الأسبوع في إطار النشاطات الثقافية للتقريب بين الأديان، للتعليق على مسرحية دولية، أمام جمهور غربي!! و كل ما في أمر
image

مادونا عسكر - القصيدة مخلوق في لحظة سجدة " لمحة نقديّة في نصّ للشّاعرة التّونسيّة فريدة بن رمضان

مادونا عسكر - لبنان - النّصّ:يناوشني اللّيل:"في قلبي لكِ كلمة"يهمس في أذني الشّعر:"حان أوانُ الغزل"أختلسُ غفلةً من زمنٍ هجيعوأفرُّ إلى سجدة!(فريدة بن رمضان)- لا يكون الشّعر شعراً
image

عامر موسى الشيخ - عكود السماوة و سماء التسميات ...

عامر موسى الشيخ - شاعر و روائي.عكد اليهود  ، عكد الشوربة ، عكد دبعن : أسماء مرّت عليها عقود  ولازالت على قيد التداول. فوق  أريكة من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats