الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | هاتف بشبوش - عبد الفتـاح المطلبـي , بين السّرد والتّهويم 2/3

هاتف بشبوش - عبد الفتـاح المطلبـي , بين السّرد والتّهويم 2/3

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 
هاتف بشبوش
 
يحتجّ الشّعراء الوطنيّين طيلة حياتهم الأدبية ولا يستكينُ لهم قرار أبدا ، و لا يرهبون الموت ، كما قال الشاعر الكبير سعدي يوسف ( إنّنا لا نرهبُ الموت و لكن/ يا جميع الأصدقاء ، يا جميع الشّرفاء/ ارفعوا أصواتكم من أجل شعبي/ إنّنا نطلبُ من أعمالكم صيحة حبّ ورصاصة.
لقد اقترب الشاعر عبد الفتاح كثيرا في ثيمته أعلاه من الشاعر سعدي يوسف ، لكنّه يتألّم على المكانة الدونية التي تصلها الأمم أحيانا نتيجة تراكمات كثيرة من الظّلم و التّعسّف الذي ينتهي إلى التأخّر في اللّحاق بركب الأمم المتحضّرة الأخرى ، لنقرأ ما هي مكانة هذه الأمم ، حتّى في ذيل القرن.
اليوم قال لي صديقي
الأمم حجزت أمكنتها في رأس القرن
و  ركبته في ذيله
أمّا نحن فقد عدنا خائبين
نتأمّل قرنا آخر
و هذا القرن لم نجد مكانا حتى في ذيله

العالم المتحضّر الذي استطاع من خلال أدباءه و مبدعيه ، وصف المستقبل القادم ، كما في الرواية الرائعة للكاتب جورج أورويل عام 1984 التي كتبها عام 1948 فهو ينظر إلى العالم التكنولوجي المتطوّر والمتفوّق على الجهل والتّخلّف الذي ما زال ينخرُ في كلّ معالمنا
الحضاريّة. ولذلك بقيتْ أمصارنا على حالها،و أزقّتنا محنّطة منذ سنين.

نسيرُ في شوارعنا المحنّطة
منذُ اغتيال الزّعيم
أنا و صديقي نُثرثرُ
نتذكّرُ الأيّام الخوالي

منذ اغتيال الزّعيم الوحيد الذي جاء ليخدم هذه الأمّة بشرف ، لكنه لقي حتفه على أيدي السفّاحين و القتلة و جلاوزة البعث ، و لم يتبقّ لنا غير الحنين إلى تلك الأيّام الخوالي و الثّرثرة ،و الثّرثرة هي للضّعيف،  يقولون إنّ بوذا العظيم له آذان كبيرة و فم صغير , أي أنّه شديد الإصغاء قليل الكلام ، أمّا نحن فلنا آذان صغيرة و فم كبير للثرثرة اللاّمجدية وعدم الإصغاء للآخرين.
خوفنا و رعبنا و ضعفنا في أوطاننا من الحكّام المجرمين ، جعلنا لا نحصد من هذه الحياة غير الخيبات و خسران الحلم و الأمل ،و اللّجوء إلى الأيّام الخوالي التي تجعلُ من الشّاعر يهيم ُمع مخيّلته في البراري، كي يخلو مع النّفس التي غالبا ما تكون قلقة لدى الشعراء،    و لذلك قال في نصّه أدناه (شجرةٌ في البريّة – تهويمات):

و جلستُ تحتَ شجرةٍ لا يدّعيها أحدٌ 
هكذا في بريّةٍ يهربُ منها الضِّبابُ
خوف َ الأفاعي
و تتجنّبها الأفاعي
خوف مخالب صقور غرقى
و لا تغري غرايا ضلّ طريقه
عن سرب ناعق

من المؤلم جدّا أن يرتكن الشّاعر وحيدا كما نبتة الفطر وتنخسفُ أواصرهُ بالعالم الخارجيّ، أو يكون بتلك الرّوح القفاريّة التي ذاقت الأمرين و التي لم تخضرّ إلاّ بوجود الحبيب أو الفكرة التي يتعلّق بها الشاعر ( قلبي وحشة ليل وعيونك نهار / روحي جدبه و ضاقت بحبك خضار ) و هذا ما جاء بصوت المطرب العراقي الحنون قحطان العطار المنفي في ديار الغربة ، فماذا يفعلُ المرءُ في التّصحّر الذي يشملُ القيم الأخلاقيّة      و المنظومة الإجتماعية بشكل كامل.
يشيرُ الشّاعر هنا إلى الحياة التي نعيشها اليوم مهما اخضرّت الرّوح في البريّة الجهمة ، تعيدُ لنا دورة الحياة ، التي يعيش فيها البعض على الأخر والبقاء للأصلح و الأقوى ، في الحروب تموتُ العساكرُ ..و تظلّ الجُثثُ عرضة للصّقور والغربان و الأفاعي .. التي هي بدورها تتلقّى الخلاص عن طريق الحيوانات الأقوى ، ولم يكن مصيرها سوى أعماق الأرض ، لتكمّل دورة الحياة العقيمة،الحياة هذه التي نحن فيها نقفُ طوابيرا ننتظرُ حصاد المنجل.

و أنت، أنت أيّها الموت
من يعرفك لولا الحياة
فلماذا تخطفها خطف المناجل 
أيّتها الشّجرةُ التي لا يدّعيها أحدٌ
تعالي و اسمعي صمتيَ المجلجلَ 
فهو الوحيد الذي يبزغُ مثلَ غيم
من يعرفك لولا الحياة 
ربما يمطرُ يوماً

ربّ لحد ٍ قد صار لحدا ًمرارا.....ضاحكاً من تزاحم الأضداد ... هذا ما قاله أبو العلاء المعري.
لا بدّ للشّاعر أن يتناول الموت ، بكونه النهاية البيولوجية للأجساد، النهاية المحتومة ، أو المارد الذي يطاردنا مهما كانت سرعتنا في الجري والركض للابتعاد عنه ، فهو المنتصر دائما و أبدا ، بل كلّ هذه البشرية جمعاء تنتظرُ في طوابيرها طيّعة لحصاد المنجل ،كي يُلقي بها دماَ صديدا ، يجفّ تحت تراب هذه الأرض التي لا تشبعُ في يوم ما من حصاد هذا المنجل الكريه . الموت الذي جعل الشاعر الكبير سعدي
يوسف يكتب كي لا يشعر بوحدته القاتلة في لندن ، ولذلك قال ( لمن أكتبُ الآن .. أكتبُ كي لا أموت وحيدا ).

بل أرفق بالرّوح
من همس مخاتل
كلّ ما فيه و منه و إليه
بذرا في وهدة ملح
أنا و أنت الآن أيّتها الشّجرة
يابسان لا يدعينا أحد
نعرفُ ما ننتظرُ

انتهت أنصاف أعمار العراقيّين و هُم خائفون من تربّص المخاتلين          و آذانهم في زمن البعث المجرم ، و الرّوح التي ظلّت دائما مطاردة من قبل الربّ أو من قبل رجالات الأمن ، الرّوح التي حيّرت الكثير من العلماء و الفلاسفة ، ولكنّها على الأرجح هي خدعة رجال الدين ، و يا ليتها شيء يُباع في زجاجات تعطي القوة لليوتوبيا ، لكي نتنفّسها . الرّوح التي وضعت كما قال الشاعر كبذرة في أرض خصبة و لا تعرف التناسل و لا تعطينا من الثمر اللذيذ أبدا ، وهذه الشّذرة تتردّد بلغتها الدارجة على أفواه العراقيين نتيجة الظلم و الاضطهاد فكانوا يقولون ( لو كان أبي زرعني في أحد الشوارع القذرة من أوربا) أو ( أنّني ولدتُ بالخطأ). استطاع الشاعر أن يوظّفها هنا كاستعارة رائعة ، وجاءت كلاما شعريّا لا ينقصه شيء . ثمّ يعودُ الشاعر بخاطره الحزين ، ومشاعره اليائسة في النّهاية، فيقول ( أنا و أنت أيتها الشجرة يابسان) ...فهو المصيرُ المحتوم في هذا التّواجد الوقتي لوجود الإنسان الذي ينتظر مصيره المأساويّ شاء أم أبى ، فليس هناك فائدة من العيش لفترة أطول إذا لم تكن لدينا قوّة أكبر ، ليس هناك من فائدة في اللقاء الذي تحجُبه الاستحالات العديدة في هذا الكون اللاّ متناهي , خصوصا الاستحالات التي تحلّ في لقاءات الأحبّة ، مثل اللّقاء النّهائي الذي جمع الممثّلة الجميلة صوفيا لورين و الممثّل مارشيلو ماستروياني في الرائعة السينمائية ( زهرةُ عباد الشمس ) ،تلك الزّهرة التي تُدير نفسها إلى الشّمس دائما ، فنحن مُسيّرون دائما في مصائرنا كما زهرة عباد
الشمس. في الفيلم يفترق العاشقان بسبب الحرب، و يُؤسرُ البطل في روسيا و تذهب هي للبحث عنه ، وتسألُ عنه في كلّ مكان من أرض روسيا ولكن دون جدوى . فتعود هي إلى أرض الوطن ، يائسة على اعتبار أنّه قد مات هناك ، في أحد المعارك . و بعد نهاية الحرب    و فراق طويل , يعود الحبيب إلى ايطاليا ويلتقي العاشقان في مشهد مثيرٍ وفي غاية من الحزن ، الحبيب الذي جاء ليلتقي حبيبته و الزواج منها ، قد سمع صراخ طفل رضيع من غرفتها ، فعرف أنّها قد تزوّجت،    و بكى الاثنان و  سالت الدّموع التي استحالت إلى الفراق مجدّدا ، بل الالتباس و الفراق و الصّمت الأبديّ .الصّمتُ الذي أدّى بالشّاعر أن يُسمعنا صُراخهُ الصّامت في النصّ أدناه في  (نصّ مزاميرـ نصّ صمت):

ربّما حرفٌ و حرفين
وربّ الآه
ربّ الصّرخة الحبلى بأحلام الجيّاع
هي من يفتحُ أقفال القماقم
ربّما !!

الشّاعر اختار عنوان الصّمت للنصّ ، في حين نحن نقرأ في النصّ ( ربّ الصرخة الحبلى) ،و لا ضير في ذلك ، لأنّ الصّمت في الغابة هو حوار الصّمت مع الصّمت أي إنّه كلام ، و الكلام ربّما يكونُ صراخا بوجه الطغاة أو تأويلا آخر ، حيث يعوّل شاعرنا في النّهاية بصراخ الفقراء والجياع، ثورة الجياع تعادل الثورات المسلحة و كأنّها النار الأكول في الهشيم، تُدمّر قلاع و حصون الأباطرة ، إنّها تهزّ أركان المؤسّسات الأمنية          و الاستخباراتية كما حصل في العراق عام 1991 وكيف رأينا الأبطال وهم يطاردون فلول البعثيّين الذين ارتدوا زيّ النساء كي يفلتوا من قبضة الفقراء والجياع . فهناك الكثير من شواهد التأريخ بذلك ، في كلّ بقاع الأرض و على مرّ العصور ، والكثير من الشّعراء قد شاركوا في ثورات الجياع ومنهم ( رامبو) الذي نجا بالصّدفة في كمونة باريس التي اشترك بها مع العديد من الفقراء ضدّ الكنيسة و النظام الحاكم ، و في حينها قال ماركس قولته الشهيرة ( غلمان باريس يهاجمون السّماء) . ويستمر ّالشاعر عبد الفتاح في تخيّلاته وتهويماته ، يريد الخلاص،       و ابتغاء اليوم الجميل، ولذلك أهدانا هذه الأبيات الرائعة من محاكاة الحيوان في خياله الأدبي:

قالت نملةٌ يا أيّها النمل اخرجوا
فهذا يومٌ جميلٌ
ثمّ قالت : ربّما
صرخ النّملُ جميعا ربّما!!
اخرجوا!!!!!!
العفريتُ مات

بالمخيلة نستطيع أن ننتقل من مملكة الحيوان إلى مملكة الآلهة،      و بالمخيلة ننال الحرية و هي قوّة اللامعقول و المضيّ ضدّ الجاذبية الأرضية و باستطاعة الإنسان أن يرتفع في الهواء مثل الفقير الهندي، المخيلة هي الحلم عكس ما يقوله ( القيصر) عندما رفض إنقاذ مكتبة الإسكندرية وهو يقول على المصريين أن يعيشوا حياتهم بدلا من أن يحملوها بواسطة الكتب.
إنّ الكثير من الأنظمة المستبدّة تُسقطها الشائعات و الأقاويل التي تتناولها الألسن، لأنّها بمثابة المطرقة اليومية التي تحلّل إسفين الطغاة، إنّها الجرس المتكرّر في آذان النائمين لعلّهم يستمعوا فيصحوا ويكونوا في أوّل الرّتل الذي ينادي بالتغيير والخلاص ، في هذه الثيمة أراد الشاعر أنْ يوضح لنا كيف كان المجتمع العراقي، و تلك القصة الطريفة التي تحكي عن ذلك الأسد إذا ما دخل المدينة فانّ الجميع يهرب خوفا وهلعا من زئيره ، وفي يوم من الأيام كمَنَ الثعلب( ابن آوى) إلى الأسد في الطريق الذي أعتاد عليه يوميا، حيث وضع عقدة في الحبل الذي ربطه في جذع شجرة، وعندما جاء الأسد يزأر ، هرب الجميع إلى بيوتهم , ولكن الأسد عُلّق في عقدة الحبل، فظل يدور حول الشجرة حتى سقط في الحفرة التي حفرها له الثعلب، واخذ الثعلب يصرخُ و يصيح بالنّاس أن اخرجوا لقد تخلصنا من الأسد، و لن
تدوم الفرحة ، حيث أنّ هناك فأر خبيث بدأ يقرض الحبل ، حتى انقطع وتخلص الأسد من العقدة والحفرة، و بدأ يتجوّل في المدينة بدون زئير، لكن الناس هربت من جديد والكلّ ترك عمله و مصدر رزقه .. لكنّ الأسد اتّجه خارج المدينة للرحيل منها دون أن يفعل شيئا ،وهو يقول لهم: "اخرجوا من بيوتكم و لا تخافوا فأنا راحل من هذه المدينة ، لأنّ المدينة التي يربط فيها الثعلب( ابن آوى) و الذي يحلّ هو الفأر ، هذه ليست مدينة , إنّما ديرة مخانيث، فأنا تاركها لكم " .و هكذا بدأت الناس تتنفّس من جديد ،وهذا ما حصل أيام الجيش الشعبي و البعثيين الذين هم      ( عبارة عن ابن آوى و الفأر) الذين كان بأيديهم الرّبط  و الحلّ.
يموت العفريت ، ينطلق الشاعر ، حاله حال الآخرين ، يتنفس الصعداء، يتمتع بالحرية ،يشرق يومه و غده، يتأمل قليلا ، و لأنه ابن العراق يبقى خائفا مرتهبا رغم كل هذا الشروق كما نرى في نصّه               ( أراجيف):

أراجيف
نصّ تأمّلي ،روحي، جمالي، تتألّقُ فيه المعاني الحسيّة و الإبداع، يُحاكي الطبيعة، يتعاشرُ مع بني الإنسان، يحملُ شيئا من الفلسفة، يغور في معاني الحياة و ألغازها التي حيّرت الكثير من الكتّاب ، نصّ ابتعد فيه الشاعر عن السياسة و مشاغلها ليُريح النّفس قليلا ، بعيدا عن الشدّ و الجذب ، التي تُتعبُ الأعصاب ، فقال فيه:

الغدُ عندما يشرق
يرهبني بمجهوله
سأقول له
لا تكن عنصريا
لتصطفّ مع يومي و أمسي

الإنسان يخافُ الدخول في بوابة الشيخوخة المؤدية إلى الموت ،        و لذلك الشاعر يمتعض من هذه الفكرة و يعتبرها عنصرية من قبل الغد القادم , إنّ كل خطوة تقادم تعني المستقبل و هي نفسها تعني الشيخوخة والكبر، تعني الفراق الأبديّ مع الأمس و اليوم ، و لذلك الشاعر كان كارها للمستقبل في هذا المنظور ، و هناك الكثير من الأدباء الذين أرقتهم هذه الفكرة ، ومنهم همنغواي الذي راح يتصوّر نفسه وهو في عمر السبعين , أي أعطى انطباعه عن المستقبل الذي كان له بمثابة الغمامة .ولذلك كان يفكر في أن يضع حدا لحياته  التي انتهت بالانتحار.وهناك الكثير من الأدباء ممّن لهم النظرة التشاؤمية اتجاه الحياة والوجود ،لكن شاعرنا هو من المتفائلين ، و هو ممّن ينظرون إلى الحياة كونها بمثابة النهر الذي لا بدّ له أن ينتهي في المصبّ ، وهو يجري على سليقته وطبيعته ، النهر يجري من المنبع    ( الولادة) و ينتهي في المصبّ ( الموت) ، والمصبّ نفسه هو الميلاد الجديد ، وهذه هي سلسلة الحياة و الموت التي لا تنتهي، ولذلك قال الشاعر في ثيّمته الرائعة من نفس النص:

عندما أدركتُ أنّ الحياة 
فائقة الجمال 
مغادرتها خسارة كبرى
منطقة لا يتكرّر المرور بها
صنعتُ حلمي الفريد
بالعودة إليها.

الوجود الأبديّ صعب المنال للذات الواحدة. الإنسان هو الخاسرُ الوحيد في الحياة المليئة بالمتناقضات و الألم، لأنّه يمتلك العقل و الأحاسيس. الحياة عبارة عن عطاء دائم، للأسرة، للمجتمع، للفكر أو للحب، لكنّها في النهاية لا تعني غير الرحيل، و الفناء و العدم. لكنّ الشاعر تؤرّقه هذه النتيجة الحتمية ،فراح يبحث عن الحلم و هو البديل لتلك الدراما الحزينة لنهاية الإنسان ، يحلم بالرجوع إلى الحياة مرة أخرى بطريقة أو بأخرى ، بالرغم من أنّنا لم نجد من مات و رجع و خبرنا عن الموت       و مجرياته.
الشاعر أراد العودة بالحلم أو التناسخ الجيني، ربما بعد ألاف من السنوات يولد الكثير من التشابه بين بني البشر، و هذه الفكرة نجدها لدى الديانة البوذية ، التي تقول بأن الحياة لا تنتهي، بل هي عبارة عن دائرة من الحيوات و الموت ، ومن الممكن أن يأتي الإنسان في يوم ما، و في زمن ما ، و لو بعد ملايين السنين ، بنفس النسخة ، كما نقول    ( هناك من الشبه أربعين) .هذا يعني أنّ الحلم يتحقّق دون دراية من الإنسان لأنّه يكون قد فاتت آلاف السنين على موته البايلوجي.
و رغم كلّ هذه الأمور من الفناءات و الحيوات الزائلة ،لكن تبقى مغريات الحياة التي تحمل الاسم الأنثوي ، و ذلك للدلالة على إغواء الحياة لنا، و انصياعنا التام ّلمغرياتها ،و لذلك قال الشاعر في سطوره التي سبقت السطور أعلاه:

الحياة أنثى فاتنة
الوقوع في غرامها صُلب المشكلة
وعين الحلّ

ولكن هذا لا يعني أنّ الانصياع للمغريات، ترك الأمور الحساسة والمهمّة للشاعر المتماهي مع القضية الإنسانية و الدفاع عنها ، والذّود عنها بكلّ ما يملك.
الشّاعر النّاصع لا يخافُ المتربّصين، لأنّه لا يحملُ في كفوفه سوى الخطوط التي خطّتها الطبيعة، و لا يحملُ في حقيبة الحياة غير أوداجه وجوانحه، ومن يريد التأكد فليتقدم وليفحص في وضح النهار، لا في آناء الليل . أنه لا يشبه ساسة اليوم ، المتبجحين بالدين وتعاليمه ، لكنّهم في نفس الوقت سرّاق محترفين، راحوا يتمادون في الحياة ، بينما شاعرنا يمتطي صهوة النزاهة والشفافية ، لا يهاب الموت في سبيل العدالة ، بل راح يتدرّب على الموت والخلاص ، كي لا يهتزّ إذا ما وقعت الملمات في وقتها.

لا تسرف في الحياة
لأنّها قابلة للنّفاذ
وتدرّب على الموت
لأنّه قادم
واصنع ما شئت من الأحلام
لعلّك تتدارك الفجيعة

كما كان يفعل الكثير من الإبطال الذين أصبحوا رموزا شاخصة على مرّ العصور ، كما فعلها الثائر الإفريقي ( لو مومبا) الذي قتل من قبل الاستخبارات الأمريكية ، وقبله المجالد العظيم سبارتكوس قائد ثورة العبيد ، الذي تدرّب كثيرا على الموت و الأحلام وفي كلّ مرّة يخرج منها منتصرا ، وحتى ميتته الأخيرة ، كان يصرخ بوجه جلاّديه الرّومان ،         و بقيت صرخته حتى اليوم تخيف الطغاة و الجبابرة.
الشاعر عبد الفتاح ، قد مرّ بالكثير من الفجائع و الملمات التي أثّرت به ، و منها طبائع الغدر وعدم الوفاء ،والخيانة من بني الإنسان ، و ما أكثرها، لنرَ من الألم الكثير من هذا القبيل في النص التّالي (ظننتك لي أخا):

ظننتك لي أخا و ظننتُ أنّي
أعاندُ فيك دهري أن يخنّي
و كم لعبت بقلبي وسوسات
و كذّب بعض فعلك بعضُ ظنّي
.......
ترى هل يُثمر العاقول تمرا
و هل إلاّ انغراز الشّوك أجني
.......
و إنّي لأحتويه ليحتويني
على ليلاه كُلاّ قد يُغنّي

إنّها دعوة صريحة لفضح أولئك ، الذين يخونون الودّ ، إنّ أمثالهم من الصعب اكتشافه إلاّ بعد أن يأخذ ما كان يرمي إليه ، و لذلك نرى في البلدان المُتحضّرة و بالأخصّ ، البلدان الاسكندينافية ، الدّولة هي الراعية للإنسان في كلّ شؤونه المادية و غيرها، فلا يحتاجُ المرء إلى مساعدة الآخرين حتّى و إن كانوا من الأقربين (و ظُلم ذوي القربى أشدُّ مضاضة على المرء....من وقع الحُسام المُهنّد). أيضا في بلدان الصّقيع لا يمكننا أن نجد صداقة تصل حدّ النّخاع ،لأنّهم باردون مثل ثلوجهم، لكن هناك صديقٌ و صداقة، و في هذه الصّداقة و الأخوّة البسيطة لا يمكنُ أن يتخلّلها الخداع و الغدر كما حصل لشاعرنا عبد الفتاح ،و لذلك لم نجد أيّا من الجرائم الجنائيّة في هذه البلدان إلاّ القليل.
يتألّمُ المرءُ لمثل هذه المواقف التي لم يحسب لها حساب، إنّها تُثيرُ الغثيان و القيء ، إنّها تزرع في المقابل شيئا غير مألوف يُغرزُ و هو غير قادر على التخلّص منه، إنّها الأشياء غير المرئيّة،بل الحسيّة التي تؤلمنا من الداخل، و أشدّ أنواع الألم في علم النفس، هو الألم من الداخل ، لأنه يصرخ بنا من الأعماق، أمّا الألم الخارجي، كضربة من عدوّ أو صديق في الوجه مثلا، هذه من الممكن أن تندمل في يوم ما ،و لكن الألم الداخلي هو ذلك الذي يبقى مع النّبض و الإحساس والوجود،      و هذه تحتاج إلى الصّبر الطويل كي تُمحى من الذّاكرة .و رغم ذلك بقي الشاعر صلبا في مواقفه و لم يضلّ عن جادة الصّواب في تعامله مع الآخرين و في بقية الأمور الحياتيّة، كما في النصّ أدناه في نصّ       (ما ضلّ قلبي):

شكا الفؤاد و لكن ليس من عدم
بل من تهافت سعي السّوس في الشّجر
خبزي كفافي و أحلامي ملوّنة
و لا يخيط جلابيبي سور إبري
أتزدري الكفُّ إن باهت بأبيضها
ما كان قارون إلاّ من بنى سقر
و كلّ شمس أطلّت لي بها سهم
أنا شريك جميع النّاس بالقمر

كلّ الأبيات عبارة عن واقع معاش و كثيرا ما نردّدها يوميا ، الخبز هو الرّمز الذي اتّخذه الكثير من الشّعراء الكبار و منهم محمود درويش       ( أحنُ إلى خبز أمّي /و قهوة أمّي/ و تكبرُ فيّ الطفولة /يوماً على صدر يومي ) هذه الكلمات قد غنّاها المُطرب الشّيوعي البارع مرسيل خليفة.  الخبزُ الذي اتّخذهُ الروائي الفرنسي كزافييه دو منتبان في روايته الشهيرة ( بائعة الخبز) ، علي ابن أبي طالب قال ( آه من قلة الزّاد و وحشة الطّريق).
ثمّ يعرجُ الشّاعر إلى الحياة البسيطة التي يعيشها الفقراء و كيفية ترقيع الأثواب ( الفقر سجّانُّ وحشي) ، و هذه نراها في أرشيف الشّعر العراقيّ العاميّ ( هاك إبرة هاك الخيط خوية أرد أكلفك ،و مشكك الدلال شلّه على عرفك ) .. لكنّ الشاعر يخيط أثوابه بيده، التّواضع      و الدلالة الواضحة على انتماء الشاعر إلى الطبقة الاجتماعية التي لا تحبّ أن ترتقي إلى الأبراج العاجية ، إنّها التي تعيش على عرق جبينها،  إنّها الطّبقة المكافحة و المتعبة على طول الخطّ ، إنّها المناضلة دائما ضدّ الطّغاة ، إنّها الثوريّة في كلّ العصور ، إنّها التي ترفعُ بيارق التّغيير دائما و أبدا إلى هذه السّاعة.
أمّا بياض الكفّ فهي استعارة جميلة ( هذه كفوفي بيضاء) حين نعرضُ كفوفنا على الآخرين كدليل على مصداقيتنا في الوضوح والشفافية،    و عدم السّرقة و التّلاعب بأموال الآخرين ،كما إنها الكفوف التي تحملُ الأصابع. الأصابع التي تنطلقُ بنا إلى عالم الإبداع ،الكفوف التي نتحسّسُ فيها الجنس اللّطيف ، و هي تذهب إلى الجلد الناعم أو تلمسُ حرير الأثواب ، أو الكفوف التي تمسحُ دموع عيون النساء إذا ما بكين في لحظة شوق وحرقة و ألم , أو على فقدان الأحبّة لسبب ما، إنّها الكفوف التي لا تبحثُ عن ملك قارون ( لا ملك قارون عندي ) ، إنّها كفوف شاعرنا البيضاء والنّاصعة نصاعة قلبه الكبير و الغافي بين ضلوعه البيضاء في الليالي التي كنا لا نُحسدُ عليها في أيّام البعث البغيض، لكنّها اليوم تحملُ الكثير من الفوضى و القتل و الدّمار ،إنّها الأيّام التي تحملُ نذير الشّؤم ، لنرى الشّاعر ماذا قال عن اللّيل، في نصّ (يا ليل بغداد):

يا ليل بغداد أمن خمر
سكري نجومك أم من السّحر
.......
و صرختُ تبّا للزّمان و تبّ
ما كان أبخله على الحرّ
.......
لي في الهوى سرٌّ سكرتُ به
خمرا و شيطانا من الشّعر
........
فوجدتُ أنّك في الفؤاد هوى
يجري به كتسلسل النّهر
......
العشق يهزأ من سيوفهم
حتّى و إن وضعت على النّحر
 
يتبع .....  

 

شوهد المقال 5835 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

هل تسحب الولايات المتحدة قواتها من سورية بعد هزيمة داعش؟

ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية أن الولايات المتحدة تعتزم الحفاظ على تواجدها العسكري شمال سورية الذي يسيطر عليه قوات سوريا الديمقراطية. مع ذلك أعلن وزير
image

جباب محمد نور الدين - بعيدا عن السياسة : الحب في تجلياته الجزائرية

 د.  جباب محمد نور الدين   توجد شابة في هذا الفضاء تعلق بجمل قصيرة وجريئة وقوية ،قبل قليل قرأت لها تعليقا قالت فيه "أول مرة سمعت
image

شكري الهزًّيل - صفقة القرن : الكاوبوي وأبوبعير وال14 مليون فلسطيني!!

د.شكري الهزًّيل تتداخل الامور احيانا على قلمي المواكب للتاريخ الفلسطيني والعربي منذ امد واحيانا كثيرة تختلط الاحداث في مسيرتي مع ناصية حلم لم يبرحني ولم
image

وليد عبد الحي - المجتمع الدولي والقضية الفلسطينية: نظرة مستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي* تمهيد:لم تعد أي من نظريات العلاقات الدولية تُسلم بالدولة القومية (دولة ويستفاليا) كوحدة وحيدة لفهم تفاعلات الحياة الدولية، فقد زاحمت كيانات ”ما فوق
image

فوزي سعد الله - عن البربر والديانة اليهودية قبل الإسلام

  فوزي سعد الله  "...النص الخلدوني الذي يستدل به المؤرخون اليهود والغربيون عامة، على غرار أندري الشّراقي وريشارد حيّون وبيرنارد كوهين وغيرهم، بل يستدل به كل الذين
image

مخلوف عامر - هو التراث: فلا تقديس ولا تدنيس 9 / 4

 د.مخلوف عامر   ابن خلدون والعرب ممَّا حفزني على العودة إلى (ابن خلدون) من جديد، هذه الظاهرة السائدة في أوْساط العامة والمتعلِّمين أيْضاً، وهي
image

مخلوف عامر - الجيل الجديد والتاريخ المجهول

 د.مخلوف عامر   تُعدُّ الثورة الجزائرية معْلماً بارزاً في تاريخ القرن العشرين وامتدَّ تأثيرها إلى سائر حركات التحرُّر حتى قيل إن الجزائر قِبْلة الثوار. والفضل في ذلك
image

حمزة حداد - حسب كمال داود الإسلاميون "منشغلون بقضية البسملة والتفاصيل الثانوية والهامشية "

حمزة حداد  زعمة .. هو الي منشغل بإنتاج صواريخ بوينغ يانغ النووية أو دواء مرض السكري او علاج الفشل الكلوي!! يبدو أن
image

نوميديا جرّوفي - كعادتي كلّ يوم

نوميديا جرّوفي            يوقظني العشق باكرا قبل أن يرتدي الصباح معطفه الشّمسي و دونما حراك يغسل الشوق
image

محمد مصطفى حابس - اسبوع الديانات في الغرب : "ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ.. فسلام بعض المجتمعات هو سلام كل المجتمعات"

   محمد مصطفى حابس : جنيف / سويسرا    تظاهرة "اسبوع الديانات"  في سويسرا، مبادرة حميدة ووحيدة في العالم، بحيث تفتح كل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats