الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | هاتف بشبوش - عبد الفتـاح المطلبـي , بين السّرد والتّهويم 1/3

هاتف بشبوش - عبد الفتـاح المطلبـي , بين السّرد والتّهويم 1/3

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

هاتف بشبوش 

 
قطراتُ الشّعر المُطرية التي تنزلُ من سماء عبد الفتاح المطلبي ، تنزلُ على أنساغ الأعشاب لا على القفار والرمال ، إنّه يكتبُ كي يزلزل قناعات العالم القديمة والتي تريد أن تجعلنا خارج الزّمن و العقل ، الكتابة الشّعرية لديه ، محاربة باللّسان في حقل لساني ، اجتماعي، ثقافي ،متناقض، معقّد ، وهي تقوم في هذا المستوى لا في مستوى الحزب أو الجمهور أو المنظومة الاجتماعية كما يقول أدونيس: يجول الشاعر عبد الفتاح في الوهم فيعطينا نتائج في غاية الفعالية ، وكأنّها مثل النّبوءة التي تتحقّق في وقت ما ، بعد أن تنبّأ بها الشّاعر و هو يرسمُ خيالاته و أوهامه . ولذلك فإنّ اختلاط الحقيقة بالوهم ، هي كما عباس بن فرناس الذي كان يحلم بالطيران قبل اختراع الطائرة . التّهويم الذي ينطلق من العمق البوحي للشّاعر عبد الفتاح يأتي بمثابة وصايا كتلك التي أدلى بها الى رفاقه (أوديسيوس) البطل الملحمي في ذهابه إلى إيثاكا , وكيفية مواجهته للموت مرّات عديدة ، لنرَ ما قاله ُ في نصّ (وصايا ، تهويمات):

إن أطفأتَ إتون الشمس/ أو احتطبتَ الهواء/ أو استعرتَ جناحي ْعقاب/فانكَ أبدا لن ْتستطيع/ هل تعبر وهو واقف/ كأفعى الكوبرا/ لن تستطيع/ الموتُ برزخ كؤود/ ثورُ عنيد/ ربما إن أغويته بغلالةٍ من فتنة/  أو عطر أخير/ ربما يهدأ فيمنحك ظهره المكين.

في هذه الثيّمة الرّائعة نجدُ أنفسنا ننادي الموت كما ناداه يوما الروائي الكبير عبد الرحمن منيف في شرقه المتوسط (أنت أيّها الموت ماذا لو أتيت ؟ إنّك مجردُ بغل ولا بدّ أن أركبك لكي أصل إلى الجنّة ، لا يهمّ
المشوار، سواء إن كان بعيدا أو قريبا ولكن الأهمّ أن أتحدّاك و أن لا أخاف منك).
في هذه الثيّمة يشتركُ التّساؤل و الاشتراط اللّذان يؤدّيان إلى الاستحالة و المستحيل و متى استطعنا العبور إلى الجانب الآخر من الممكن أن نحصل على الحياة ، لكننا نلعب لعبة القدر ،لعبة المقامرة بالجسد بايولوجيا ، وهذه المعاني الصوفية السامية ، قد جسّدها لنا جليا الممثل و المخرج العالمي الذي يكرهُ اليهود ( ميل جبسن) في
فيلم من تأليفه و إخراجه يحمل إسم (Apocalypto) و في المقدّمة يقول المؤلف بكلمة مختصرة , ( لا يمكن لأحد أن يتجاوز مصيره ) الفيلم يُصوّر لنا مدى وحشيّة البشرية و قتالها المستمرّ في العصور البدائية ، منذ أن كان الإنسان عاري إلاّ من ورقة التّوت التي تسترُ عورته , وحيث كان القتال بالفأس و الخناجر و كيف كان يواجه الإنسان أبشع صور القتل و كيف كان الألم من جرّاء حزّ الرّقاب بالسكين أو غرز السّهام في البُطون , من دون مورفين أو دواء يُخفّف من حدّة الأوجاع . 
ففي مشهد من الفيلم، يمرّ رتلٌ من المقاتلين الأشدّاء في غابة موحشة , الكلّ يمرُّ عدا شخص واحد تلدغه أفعى الكوبرا فينتهي في الحال , ولم يفعل له رفاقه سوى أنّهم أعانوه على الموت , هذا الرّتل وفي مشهد من الفيلم يصطحب بعض الأسرى و يبعيهم في سوق النخاسة ، ويشتريهم أحد الملوك ، ويستخدمهم كأضحيّة لكسوف الشّمس , حيث كانت تقاليد القبيلة البدائية هذه و هي تقديم أضحية بشرية و ذبحهم أمام الناس حين تُصاب الشّمس بالكسوف.
وفي هذا المشهد من الفيلم تبدأ عملية الذّبح أمام الملك و الملكة في برج عالي جدّا و أمام الناس المتجمهرين بالآلاف أسفل البرج يُهلّلون    و ينشدون الأغاني ، بينما يقف رتلُ الأسرى المساقين إلى الذبح كأضحية واحدا تلوى الأخر . يتمّ سحب أحدهم من قبل الجلادين         و يوضع على صخرة الذبح التي تجعل منه مقوسا بحيث تكون بطنه مواجهة للشمس و مواجهة للخنجر الذي سيُمزّق بطنه من أسفل الأضلاع وبسرعة البرق يقوم الجلاد بشقّ البطن عرضا بخنجره ويقوم بإخراج القلب الذي لا يزال ينبض داميا و يرفعه ُعاليا لكي يراه الشعب الذي يبدأ بالتهليل ثم يقدم في الحال إلى الملك والملكة كوجبة طعام شهية طازجة ، أمّا الرأس فيُقطّع بالسّيف الذي يتلقّفه السُلّم العالي من البرج ويتدحرجُ سريعا إلى الناس الذين يتسابقون في الحصول عليه،  ويعقبه الجسد الذي يصل إلى الناس ويقطّع إربا بين هذه الحشود الغفيرة كوجبة غذاء حارّ ، وهكذا تستمرُّ عمليّة الذّبح واحدا تلوى الآخر ، حتى ترجع الشّمس إلى حالتها الطبيعية ، فيُعلنُ الجلاد أمام الناس بانتصار هذه الأمّة العظيمة وقيم الدين أو الأساطير التي تحكمهم ، ولتذهب هذه الأضحية البشرية القادمة كأسرى من القبائل الأخرى ، إلى الجحيم . 
 وفي مشهد مُثير للشّفقة والحزن ، حيث يقفُ بطل الفيلم على صخرة المذبح ويرفع الجلاّد خنجره كي يغرزها في بطنه , لكن الشمس ترجع إلى حالتها الطبيعية وينتهي الكسوف في نفس اللحظة التي أرادت أن تمزّق بطنه , فيأمر الملك بوقف عملية الذبح فترجع الخنجر إلى غمدها،  و ينجو البطل من الموت في اللحظة العجيبة الغريبة , إنّه القدر الذي قال عنه المؤلف في البداية ( لا يمكنُ لأحد أن يتجاوز مصيره).

نستنتج من خلال هذا الفيلم الذي يتطابق في الرّؤيا تماما ، مع قول الشاعر عبد الفتاح في ثيمته أعلاه ، من أنّ البشرية هزيلة ومُجرمة ، ونعرف كذلك مدى الاستهانة بالإنسان نفسه والجهل الذي عاشته البشرية على مرّ العصور . كما و أنّنا لو استطعنا الهرب من الموت مرّات ومرّات ( مثلما تخلّص بطل الفلم في اللحظة النهائية الفاصلة بين موته وحياته) ، لكنّنا ربّما نموتُ في المرّة القادمة بقطعة سكاكر ، إنّه الموت ( ذلك البرزخ الكؤود) ، حينما يأتي و بإصرار لجوج لا يمكنُ لنا اللّحاق في السؤال ،لأنّ الأجوبة التي ننتظرها تكون قد شاخت و اعتلّت ولا علينا سوى أن نرضخ للاستعانة بإغماضة أعيننا من قبل الآخرين،كي نهجع هجعتنا الأبدية ونلحق بأسراب الملايين من الذين ماتوا ودفنوا     و أصبحوا صمتا غير مرئيّ.
هي هذه الطريق المُؤدّية إلى الموت وشأنها الذي يكون أحيانا شبيه
الطريق المؤدية إلى التّيه كما نرى أدناه:

هذا شأن التّيه
يتقدّمُ بك
يرجه بك القهقري
يعلو بك فلا ترى
و عندما تتساءل
تكون الأجوبة قد هرمت
و كلّت عيونها
فلا تسمعُ إلاّ مُفتريات

التّيه هو الرؤيا المفقودة أمام جادة الصّواب، مغازلة المجهول ، مهما كان،  تيه الفرد أو تيه الأمم ، أو تيه الفكرة ، التي تأخذُ طريقا غير معلوم ، التّيه المخيف الذي يُزرعُ في الأمم التي تصنع الدكتاتور، وتجعل منه ماردا يتحكّم في مصائرها , فماذا قال الشاعر بشأن ذلك ...

هذا القلب كفيف بلا عصا
الأوغاد خرقوا عينيه
كيف يصل إلى القرى البعيدة
القرى السّعيدة
حيث تهجع الملائكة

هذه الأبيات تحملُ في طيّاتها الرّوح الدراميّة العراقيّة والسّباق في التشاؤم و إظهار الألم ، ولم لا ، فكلّ عراقيّ له مأساته الخاصّة التي
زرعها صدام وأزلامه فينا نحن العراقيّين على مدى السنوات المظلمة من حكم البعث وأوغاده .. .. من هم الأوغاد؟ هل هم أزلام البوليس السرّي  و ممارساتهم القبيحة ضدّ الإنسانية ؟ هل هم أولئك الذين قتلوا لوركا ؟ أو جعلوا من بابلو نيرودا يموت في حسرته بعد أسبوع من موت سلفادور الليندي في تشيلي ؟ أم هم أزلام البعث الذين ملئوا
العراق بسجونهم ؟ أو تسبّبوا في أذيّة الكثير من الوطنيين أمثال شاعرنا موضوع البحث ؟ 
في زحمة هذه الأمور و خيبتها ، كان شاعرنا أمام غمامة سوداء بلا متّكأ ، فكيف له أن يُحقّق الأماني المنشودة ، أو يلحق بأيثاكا ، حيث تحرسه ملائكة الحياة ، أو ربّما أراد الشاعر أن يصف لنا الحياة الحرّة الكريمة التي يحلمُ بها ، وهو شاعر الجمال والسحر و الخمر فنراه يقول في هذه الفلقة القمرية أدناه:

أيّها الفاتن كغادة/ الباهر كبرق/ المقدام كقلب عاشق/ أيّها الشّعر/ اشرب حتى الثّمالة/ نخبك الأخير/وغنّ لحنك الأثير / واخطف آخر قبلة من ثغر الحبيبة/ ثم أطلق رصاصة على رأسك ومُت/ خير من سماع الدمدمة/ أو أن ترقص مجبرا على جثة/ لطائر غريب مر مصادفة/ ليقتلهُ
الجزع فوق رابيتك.

الشاعر هو الأكثر أناقة في انتقاء الحروف من بقية أجناس الأدب ، الشاعر جريء في الحبّ و مخاطره ، يزجّ نفسه في لوعات العشق ،   و لا يهمّه إن لم يخرج منه معافى , المهمّ هو الإقدام والشجاعة على ممارسة ذلك الحب الذي سرق لبّه ، لكنّه في لحظات الإرهاص والانكماش الفكري و الانحباس في الأحاسيس ، يلجأ إلى تجريب الثمالة بالخمر أو بالشّعر , ( أيّها الشّاعر اشرب حتى الثّمالة نخبك الأخير) ربّما أراد الشاعر إيصال فكرة مفادها ،أنّ الشّعر الرّديء و قائليه و أصحاب المنابر والهدايا قد جعلوا من الشعر كائنا ميّتا ولذلك يتوجّبُ عليه أنْ يشرب نخبه الأخير ، أو يفترض من هذا الشعر إذا امتلك ذرّة
من الكرامة أو وخزة ضمير أن يُطلق رصاصة الرحمة على حروفه وليذهب إلى الجحيم مادام قد أصبح غير ذي فاعلية مُجدية في هذا العالم المليء بالمتناقضات ، فخيرا لهذا الشعر أنْ يفعل ذلك بدلا من أنْ يرى البراءة على مذبح الجريمة وهو يصفقُ مجبرا وذليلا ، إذ كان صدام وزبانيته يعدمون الأبرياء في الشوارع ، كما حصل مع النساء الخارجات عن قانون الشرف كما يدّعي صدام الملعون ( لأنّ الشرف لدى هذه الشعوب هو في أقذر منطقتين من جسم الإنسان ) وتمّ قطع رقابهنّ بالسيف وأمام جمع غفير من المؤمنين الذين تجمّعوا خوفا و إجبارا لكي يرقصوا وتُنشد الأناشيد المزيّفة على إعدامهنّ . ولذلك يصرخ الشّاعر صامتا , يصرخُ أنْ تعالي، تعالي لنبتعد عن هذه الارض الملوثة بالعار، كما نقرأ في نصّ ( سراب ـ تهويمات ) الذي يتكوّن من عشرة حلقاتٍ
ذهبيّة رائعة:
تعالي معي/ دون لوازمك ِالمغرية/ عيناكِ والشّعر والخصر رفقة/ ودعينا نتسلّلُ سرابين نحو المجرّة/ فالهوى فوق كوكبنا معضلة / حديد وكبريت/ و انفجارات تثرى/ نهود العذارى تجذ ، جماجم مثقوبة/تباع بأروقة البر/ يا بلال ما حاجتك لقبو تحت المنارة.

في أحلك الظّروف يلوذ المرء بالعشق ، وخصوصا في لحظات الحرب والدمار والكوارث الطبيعية و الأمراض، لكي تتعادل المعادلة ،هناك موتٌ وهنا إخصاب و تناسل ، هناك عدم وفناء وهنا عشق و ولادة ، الموت مارد قديم ، والحبّ طائر مُتجدّد ، يأخذنا نحو بروج السعادة ، أو فوق بساط الريح الذي يتنقل بنا بين الأروقة التي لا نراها سوى في الحلم ، فالشاعر يحلمُ دائما بأحلامه الطوباوية أو الواقعية أحيانا ، إنّه يسأل و لا يجيب . عبد الفتاح المطلبي في نصّه هذا يدعو  إلى ترسيخ الحبّ على طريقة اصنعوا الحبّ وليس الحرب ، والتي أيّدها الفيلسوف الرياضي برتراند راسل أيّام الشّعارات ضدّ الحرب في فيتنام ، كما و إنّ كلّ الحروب هي قتلٌ للأخوة.
يحاول الشاعر الابتعاد عن هذه الأرض التي باتت مرتعا للسّفاحين والقتلة والمجرمين ، والمتآمرين ، الذين يستخدمون فتاوى الدّين في تمرير القتل والديناميت والذّبح على الهوية ، كما و إنّ الشاعر أراد إيصال فكرة ،بأنّ القتل يأتي من بيوت الله ويا للأسف ، بيوت الله التي من المفترض أن تكون مليئة بالدّعوات إلى المحبة ،مليئة بما يشير إلى اسم الربّ ، لكنّها اليوم مليئة بالعتاد و السّلاح ، و الأقبية لخزن كلّ ما يُشير إلى الدمار والقتل ، وكأنّ الحروف التي يجب أنْ تُضغط للترتيل، أصبحت بمثابة ضغطة على الزناد بكلّ حروفها المدمّرة لتمزيق الأجساد البشرية البريئة إلى أشلاء، و لذلك أشار الشاعر إلى ذلك بكلّ مرارة وحسرة و ألم في قوله ( يا بلال ما حاجتك لقبو تحت المنارة).
يستمرّ الشّاعر في مُناشدته للرّحيل من هذا الكوكب الذي أوشك على الدّمار الشامل ، كما الدّمار الذي صوّره لنا فيلم ( القيامة2012) ، حيث ينتهي الكوكب بطوفان شامل ، كما حصل منذ قرون عديدة في الحضارات البائدة ، ولم يسلم منه سوى باخرة واحدة تطفو على مياه البحر ، من بطولة جون كوزاك و اماندا بيت و إخراج رولاند ايمريتش.
الشاعر يلهجُ بكلمة تعالي لنرحل من هذا الكوكب كما يقول أدناه:

تعالي لنرحل
سرابين
إلى كوكب لا يزال رضيعا
يمصّ حليب الإله
كيف يسخط
و نحن نضحكه ملء شدقيه
منّا ... علينا
لحظة الضحك
كدنا نموت
ألم تشبّع الطرقات من الموت
أم الموت يعشق اسم العراق

( إنّهما سرابان) و من يستطيع الإمساك بالسراب، إنّها دعوة للتّماهي مع الخلاص ، و اللامرئي , كي يفلت من هذا الكون الغريب الذي يبدو فيه كلّ شيء رخيصا و مهلهلا.
الموت دائما يحوم حول أرض العراق ، وبشكل يختلف عن بقيّة شعوب العالم , و أنا اكتبُ هذه السّطور وقد شاهدتُ في التلفاز موت العديد من الأبرياء في بغداد في انفجار سيارة مفخخة نصبها الأوغاد الذين يقتلون باسم الربّ الرّحيم . فقلتُ في نفسي لقد أصاب الشاعر عبد الفتاح بهذه الثيّمة الأليمة و المفجعة ، كلّنا يتّجه صوب السّراب ، أنا     و أنت و الحمار ، كلّنا نموتُ أنا من الحب و الملك من الضجر و الحمار من الجوع كلماتٌ كنا نقرأها في السبعينات كانت تعني الموعظة ، ولكن اليوم نرى الكثير يموتون في العراق عدا الحمار . الحمار هو الوحيد الذي لا تصيبه كواتم المسدّسات، ولكن في الآونة الأخيرة، بدأ المتأسلمون يفخّخون الحمار ، ويتمّ تفجيره بين جمع غفير من الناس ، ليقتل عددا أكبر من الأبرياء.

تعلي لنرحل
سرابان نحن
منذ الأزل

قادمون من الأزل باتّجاه صوب السّرمدية .. تعالي هنا دعوة صريحة لقبول الفناء برحابة صدر، إنّه الفناء الماضي والحاضر والقادم ، مهما لهثنا وتعبنا ، وشددنا الأزر، في أن نلحق بالوجود ، و نبتعد كثيرا عن العدم ، وجدنا أنفسنا قاب قوسين أو أدنى منه ، مهما تقاسمنا الهموم و الأفراح وجدنا أنفسنا في نهاية الهاوية المؤدية إلى السّراب ، مهما أكثرنا من الولادة والتناسل ، وجدنا أنفسنا في حفلة للموت الجماعي المؤلم ، الإنسان مولود ميّت ، كلانا أنا وهي ومهما استمتعنا بانطباق أفواهنا , نجد أنفسنا ، مولودون في بوابة السّراب المؤدية إلى السّراب.
وقبل آن يرحل الشاعر لابدّ له أن ينقش صراخه في أعمدة التأريخ ، أن يشد الأزر مع المضطهَدين الذين أنهكهم خذلان الموت ، و شياطين الظلام الذين تسلّلوا في غفلة من الزمن ، و أوصلوا شعوبنا إلى هذا المآل الحقير ، لنراه في نصّه (شيطان الآن – نصّ تهويمة):

من بين فسيفساء سجادة فارسية أو سلجوقية / لا أعلم /هو الذي يعرف/فكلاهما بارع في النقش/الشيطان ينظر لي بريبة/و على حين غفلة / ربما تهويمة نوم/ تسلّل إلى سلة الآداب.
ربما يشير الشاعر هنا إلى المعترك الدائر بين الأتراك و الفرس           و مصالحهم في العراق، حيث يتساوى الإله و الشيطان ، في ظلّ هذا المعترك الذي يخسر فيه الإنسان فقط ، الإنسان الذي تتحكّم به إرادات الملوك والمرائين و الجلاوزة.

يُردّد الملك تمتماته/بصوت عال/رافعا قبضتيه/ من خلال كمّين مطرزين/يصيحُ بالشعب/مدد...مدد..معفر ببخور أخضر/من شرفته هناك/فوق عمالقة من إسمنت مسلح/ يطلّ دائما على ساحات التحرير/ من هناك تعاقب الملوك أبدا / أدمنوا النظرات إلينا من فوق/ معهم قارورة عسل تبدو لهم كبيرة/ و رؤسنا تحت/ تبدو لهم صغيرة/سرّ الأبعاد/ فوق و تحت.

في هذه اللّوحة السينمائية المتحرّكة الرّائعة ، استطاع الشّاعر أن يتشاعر سينمائيا ، أن يعطينا صورة واضحة للملوك الأباطرة الذين سحقوا شعوبهم و تمادوا من الأعالي في ضرب الإنسان و تعذيبه أيّما تعذيب ، في هذه المقاطع التي أستطيع أن أراها مجسدة في فيلم عالمي للممثّل الرائع القادم من أمريكا اللاتينية ( أنتونيو باندرياس)      و الممثل العجوز أنتوني هوبكنز، في فيلم ( زورو) ففي الفيلم نرى كيف كان الحاكم يصنع سبائك الذهب على أكتاف الشعب المغلوب على أمره وخصوصا السجناء في الأحكام الثقيلة . في الفيلم يتّفق أنتوني هوبكنز وهو المدافع عن حقوق الفقراء والذي يحمل ضغينة للحاكم ، حيث أنّ الحاكم قتل زوجته وسرق ابنته ،وزجّه في السّجن ، وبعد مضي عشرين عاما استطاع الهروب من السجن ، وبدأ بملاحقة الحاكم  ويتفق مع بطل الفلم أنتونيو باندرياس ( زورو) في القضاء على الحاكم، وبالفعل يتمّ القضاء عليه ورميه من أعلى الشرفة التي كان يُلقي منها خُطبه المزيّفة على السّجناء ، وفي مشهد مثير يشفي غلّه المظلوم، حين يُرمى من فوق وهو حيّ مع سبائك الذهب، فيلقفهُ الشّعب الغاضب ،و يُمزّقهُ إربا . إنّها لحظات ثأر المظلوم على الظالم , إنّها صرخةُ التّحت على الفوق , أي معترك (سرّ الأبعاد ) ولا بدّ من منتصر في يوم من الأيام ، وهذه الصّورة كانت من المفروض أن تحصل لصدام حسين . ويستمرّ الشاعر في نصرته للفقراء و المساكين وهذا دأب الشاعر الحقيقي ، إذ عليه أن يكون لصيقا للمحرومين ، كما نرى في (ذيول ، نصّ تهويمي):

كدأب زرقة السماء
تنظر من عليائها للمساكين
لا تفعل شيئا يرد لهم الاعتبار
تتلهى بالضحك على آلام تبدو كالذيول
يجرجرها فقراء مبتسمون

دموع البشر تكفي لتحريك طاحونة ماء ، ألا تكفي إذن لتحريك الله ليرى ما يصيب الإنسان من دمار . الإنسان يُلقى في هذه الأرض وحيدا، بلا مُعين , ضعيفا في مطحنة الحياة المدمّرة ، و وسط هذا العالم المليء بالظلم ، والسخرية ، العالم المحكوم من قبل الأثرياء ، وقوانينهم التي وُضعت أساسا لحماية مصالحهم وما على الفقير سوى الطاعة والصمت والخوف من هذه القوانين المجحفة ، فبقي الإنسان معذبا ومعرضا للسخرية حتى اليوم ، وكأننا نعود إلى عالم الأساطير من جديد وكيف كانت الآلهة تسخر من الإنسان ، كما حصل مع سيزيف الذي حكمت عليه الآلهة ذلك الحكم المعروف ، وظلّت الآلهة تضحك على سيزيف وهو في عمله الشاق برفع الصخرة ، وهذه الدوّامة من العذاب الأبديّ . فهذه الآلهة بمثابة الدكتاتور المسلّط على رقاب البشر.

كدأب الدكتاتور إذا هرم
ينجب دكتاتورا آخر
بذيل أطول أو أقصر
لكنّه ذيل دكتاتور

في شعوبنا التي مزّقتها الأديان ، يبقى الدكتاتور لا يُنجبُ إلاّ ابنا دكتاتورا ، و لا يخلّفُ الخنزير إلاّ خنزيرا مثل أبيه ، حتى أصبحت وراثة الخنازير عادة لدى هؤلاء السفلة ، ولدى حكام الشرق ، و ليس لدى المضطهَدين سوى الإحتجاج في السّاحات , أو دكّ قضبان السّجون ،أو الموت في المكان ، كما في احتجاج الشاعر أدناه:

كدأب ساحات الاحتجاج
تفتح ذراعيها
لشُبّان عُزل
و لرصاص أعزل
تسيل دماءٌ عزلاء كذيول
خلف رصاصة راكضة، لها ذيلٌ
ذيلٌ من نار
 
يتبع ....  

شوهد المقال 5863 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

صدمة ثقة - بقلم إيمى الأشقر

#من_الواقعأًعلم جيداً -    أن أشد الصدمات هى التى تأتى من عند جدار القلب -    أقسى الصدمات التى تأتى ممن أحببتهم ووثقت بهم ومنحتهم مكانه خاصة
image

شكري الهزَيل - مقارنة خاطئة : الشعب الكردي ليست برزاني ولا الكيان الاسرائيلي!!

د.شكري الهزَيل من المفيد ان يتثقَّف الانسان بمعرفة تاريخ الشعوب قبل ان يحكم عليها او ينحاز لرأي وسائل اعلام تضليلية تعمل لخدمة مشاريع امبريالية واخرى دكتاتورية
image

أحمد رضا ملياني - جميلا كوجه أمي

 أحمد رضا ملياني                  جميلا كوجه أميمضطربا يوحي بفصل قادم نحو الطيورالموج يصفع شاطئه والزوارقأغاني الصيادين العابرةتملآ المكان صخبا البواخر تعبر وجهه إلي مدي لاأعرفهأمدد يدي علي صوته
image

عاطف الدرابسة - ثورةُ الجراح

  د.عاطف الدرابسة                 أخشى أن يَثورَ الصّبرُ ..أن يُكسَرَ القيد .. كما يَكسِرُ الفجرُ الظّلامَ ..  أخشى أن يغيبَ العقلُ .. ويمسّني الجنونُ .. ويهزمَني الجّوعُ .. فأثورُ كما يثورُ الجُرحُ
image

شكري الهزَّيل - عرب الردة : الاراضي العربية المحتلة!؟

د.شكري الهزَّيل من هنا مرَّت الكارثة وهنا وهناك على طول وعرض الوطن العربي حطت رحالها وسلطَّت سيفها على رقابنا,ومن هنا حيث الخراب والدمار مرت طائرات الاعداء
image

علي رحيالية - بوكروح "الزدّام".. بوتفليقة.. العسكر.. وسوق الحمير الحلقة الثانية

بقلم المواطن علي رحاليةواحد من الغاشي  بوكروح "الشيات" الأول والأكبر أو كيف تتفوق على سعداني وولد عباس وأويحي في الشيتة؟    اذا المشكلة ( بالنسبة لي على الأقل )
image

نورالدين محمد حاج مصطفى - الكرد والإستفتاء (حق تقرير المصير )

نورالدين محمد حاج مصطفى    فرسان الشرق وعمادها منذُ الحضارات القديمة والحديثة  ، سلالة الهوريين والآكاديين ،  الخلديين و السومريين ، ورثة امبراطوريات  الميزوباتمية والميديا.  إنهم الشعب الكردي العريق
image

علي رحالية - بوتفليقة.. العسكر.. وسوق الحمير الحلقة الأولى : ومازال بوكروح يعتقد بأننا "غاشي"

 المواطن علي رحالية واحد من الغاشي رغما عني جذبني الحقل المغناطيسي للرداءة والتفاهة العامة التي غرقت فيهما البلاد والناس.. الرداءة في كل شيء.. وتتفيه أي شيء.. السياسة..
image

شكري الهزَّيل - الامم المتحدة : قهقهات على جثث الشعوب العربية!!

  د.شكري الهزَّيل الناس في بلادنا وبلادكم مشغولة ومنشغلة بامور الدنيا والدين ويكادوا ان ينسوا او يتناسوا امور العالم اللتي يغزونا في عقر دارنا ولا نغزوة
image

منظمة تواصل الاجيال بحي محمد شعباني ببوسعادة تصنع الحدث وتحقق الهدف.

   تقرير: هنيدة نورالدين. بادرت اليوم المنظمة الوطنية لتواصل الاجيال (ONCG) بحي محمد شعباني بوسعادة ،بفتح وتدشين نادي موجه للاطفال بمقرها حتى تصنع الحدث وتظيف فضاءات تحتضن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats