الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | "صدى النسيان " لخليل الوافي .. إنشطار الذات بين سلطة الذاكرة وعنف الراهن

"صدى النسيان " لخليل الوافي .. إنشطار الذات بين سلطة الذاكرة وعنف الراهن

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي
 
عبر بثّ إذاعي منذ أعوام ، في تصريح للشاعر المغربي حسن نجمي،عقب صدور ديوانه "المستحمات" أكدّ أن عملية تشذيب القصيدة وتنقيتها من الزوائد التي قد تشوه حضورها كملكية للكل الإنساني فيما بعد لحظة الولادة،هي عملية يستحسن أن تتمّ في الذهن لا على الورق.
مما يعني أن شطب المفردات القاصرة والعاجزة عن لعب دورها شبه الكامل داخل حدود فسيفساء البوح،على نحو محقّق للوظيفة الأدائية المتناسقة والمتناغمة،إنما هو شطب وتقويم يستغرق مرحلة مخاض قبلية ممهدة لميلاد النص الورقي.
بحيث أن ما لا يصلح تتكفّل بإقصائه لحظة الانشغال الذهني، أما البياض فهو مستقرّ القصيدة المكتملة والناضجة.
بالطبع،سيقود هذا إلى حقول إبدالية للعتبة في المنجز الشعري الثاني للمتألق خليل الوافي،ويغري بإيحاءات النص الضمني والمجاور المكتوب صمتا و وجعا مضاعفا.
إنها كتابة اختراق وصولا إلى العمق والحدّ العاكس لتوأمة بين الثيمة والذات، ما ينمّ عن تجربة حقيقة صادقة غير مفبركة.
كتابة خارج الزمن ،ليست تنتمي إلى جيل بعينه دون آخر محدد، لذلك فهي تستدعي شخوصا غير معلومة وعبر ذوات تأنف عن تسويق الوهم أو ما تحتّمه أسلوبية التلاعب والتمويه والمراوغة حدّ إفساد البعد الرساليّ كأولوية يجدر أن تبزغ على حساب اللبوس الجمالي أحيانا.
زمن الكتابة يضيء أمكنة الخطاب ويحتوي جرح العروبة ها هنا تماما ،صانعا بذلك الصدى المطلوب ، باعتبار النسيان الوارد للتدليل على ذاكرة حادة لا تختبئ وراء الثقوب أو تتنكّر للرمز والموروث ،بل نلفيها تستثمرهما بشكل جيد وغرائبي .
هكذا تُستنفذ أو تكاد تجليات النسيان بوصفه قاعدة وبؤرة لتجديد خطاب الذاكرة،وأيضا ضربا من تجاوز وامتصاص لصدمة الاحتكاك بالواقع.
إنها مطالعة من قبل شاعرنا ،تصول في رحابها تقنية السهل الممتنع كالمعتاد، لتنسج ملامح عوالم طيفية ومحايثة لا تحاكي الراهن في غير نقاط الطرفاوي والعابر، تاركة مهامّ بصم التّتمّة لمخيلة المتلقي.
هكذا وكأنما عنوة ،والتزاما بوعي متّقد ، تُترك خلف تخوم الممارسة، بضع خيوط على عذريتها وفي الطرف الحرّ للعبة الكلامية ،قصد استنفاذ ألوان الماوراء ،تطلّعا إلى ذروة الإدراك الجمالي والقطوف المعلوماتية المهضومة، بأقل طاقة استيعابية ممكنة.
...........
" أرى أسراب الطير
تعود من جهة الشمال
توصي الفاتحين بعروبة الضاد..
في وشاح عروس
لم تفرح بعذرية الزغاريد
خلف الباب...
تبرأتُ من صمت القبيلة،
وأراني في عيون اليمامة
أنتعل حلم السفر.. "
...............
" وأنا أتهجّى سفر النهاية
في أول البوح..
تراني ألملم وجعي
عاريا أخرج من صمتي
لم أدرك أني حي في حدود ذاكرتي،
وفي قصائدي العاجزة عن قول الشعر"
..................
" ــ قال :
أي شيء يكسر الموج
في تفاصيل النشيد.؟
ــ قلت : صمت الصدى
يردّد ابتذال الجسد..
صخب الروح
يعيد للتربة عبق الانتماء "
................
" قريبة مني حدّ السيف؛
بعيدة عني حدّ الحيف.
أراها..
تمسح عن دمعي
ذبول الفراشات في يدي
ولي بوح متمرّد "
.................
" عفوك...
لا شيء يحملني إليك طاهرا:
جراحات الأمس؛
قصائد الصمت؛
وطن يبحث عن وطن. "
.................
"قلت لها:
دثّريني بالبياض
عسى وحي جنونك
يسلّمني إلى قافلة
تغيب في سراب القوافي.
هو..
لم يكن وحيدا
حين قابلته خارج الزمن "
................
" ما زلت أرى
ما أراه الآن،
وأخجل مما تراه عيني.
ما ذا دهاك أيتها العير؟
لم أجد أثري على الرمل
حين وقفت على مضارب القبيلة
أبحث عن قلادة أمي
وأشيائها التافهة في ركن البيت،
وسيف جدي
ذاك الذي تزينه ألوان الصدأ،
وخريطة وطن
لا تحمل رائحة التراب..
لا تحمل سلالة دمي."
..............
" راحل يا أمي
في مدن المنفى
أعيد ترتيب بيت الوطن
في ذاكرة الطفولة
عابرا مسالك الصحو..
أطل على مشارف عربستان،
أصبغ وجهي
بوحل الطوفان."
..............
" صُكِّ الباب..
لي كل المنافي،
وأنا الوطن الضائع في السؤال،
أسال أرض الخراب
عن وجهتي .. "
...............
" هذا أنا.. بالعربي،
أنفث الزهر على مقابر الجبل
كلما ابتعد الصيف بعيدا
خلف مدار المطر.
أتهجى رماد الثلج،
أرسم سويداء ليل
يركب بياضه الأبدي
في انحصار الماء.
أطل على ذكرياتي القديمة
في دفاتر لا يعرف
أقالها غيري.
وهذا أنا .. بالعربي،
أصنع من لغتي
وسادة قبري."
إنها شعرية انسجام تام مع الذات وشتى عناصر الطبيعة والوجود،في استفزاز صارخ للقرين بلسان كامن و فعل فردوسي للغة العارية المكشوفة.
تلكم مؤشرات تقليص الهوة بين الذاتي والموضوعي، قدر الإمكان بالاتكاء على تنويعات إيقاعية سابحة ضد تيار تضخّم الأنا، تبعا لخارطة طاعنة بلذة الحرف في عنفوانه ولملمته لهواجس هوياتية متناصة مع زخم المقاربات المفجّرة لحس الانتماء لقضايا العروبة المصيرية والكبرى.
إنه نص النّفس الملحمي يمليه حيز الانتشاء بتاريخ المجد الضائع،يحاصر اللحظي في مضايق معينة ويختزل المعنى فيها وفاء للهمّ الجمعي المترجم لذات التعدّد في واحديتها،واطرادا مع انتشار طقوس تشخيصات ومعالجات نسقية تروم فلسفة خلاص الواقع والإنسان.
حقا، ما أجمل البياض حين يُبطَنُ بنبرة هادئة ودفينة ومتمرّدة تغالب صوت الانهزامية وتنبش مشاكسة مرايا الآني المهشّمة ومستحضرة لطفولة بعيدة جدا ومقيمة تضيء المسافة نحو سماء الحلم المشروع.
كذلك هي فلسفة الحدس المعلنة في نصوص منطلقة من ذاكرة قوية يقول صمتها كل شيء تقريبا،موبخة عالم المفارقة المصطبغة بعذابات المنفى الروحي، تجترحها كتابة المحو منتجة للمشاهد الطافحة بجرحنا الوجودي.
أنامل إرباكية مثلما تباشر تشكيلها دغدغة التجربة ملء حواسّ عطشى لفوضوية الطّرح المزدان بتحولات المعنى وتناسل الدلالة.
إليكم نكهة " صدى النسيان " لمن أراد دخول حانات ثمالة الحرف الناري والمقنّع بإرهاصات الذات المتهكمة من كل شيء.
كمنجز باذخ الذي يختصّ بخطاب صور الذاكرة ، هذا الغائب/الحاضر بكل ثقله فينا، كجيل للهزائم والانكسارات.

 

شوهد المقال 1155 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

شكري الهزَّيل ـ الحقيقة الساطعه: القيادة الفلسطينية الراهنة اخطَّر من "وعد بلفور"!؟

د.شكري الهزَّيل مئة عام على وعد بلفور المشؤوم والمجرم..مئة عام على جريمة بريطانيا المستمرة في تبجيل هذه الجريمة لابل الاحتفال والاحتفاء بهذه المناسبة التي اسست
image

عادل السرحان ـ قد حرر الانسان بالكلمات .. قصيدة للوطن الجزائري في عامها الثامن

لم نعهد افتتاحية شعرية لميلاد جريدة أو موقع , لكن وجدنا الشعر يلبي عن كتابة فقرة ... الوطن الجزائري تدخل عامها الثامن ضمن كثافة المشهد
image

وليد عبد الحي ـ الاقتصاد السياسي لمشروع " نيوم" السعودي

 أ.د. وليد عبد الحي   يستشعر القارئ لإسم المشروع السعودي (NEOM) والذي طرحه ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان بدبيب نزعة الفكاك من قيود المجتمع الوهابي
image

حمزة حداد ـ أماني .. أحباب "الجزائر فرنسية" !!

  حمزة حداد   حادثة المركز الثقافي الفرنسي قبل أيام، اين اصطف الطلبة بطوابير طويلة للحصول على شهادة الكفأة في اللغة الفرنسية. فجرت كثير من النقاش الإيجابي منه
image

الفنان عبد الرحمن عكروت وتهويدة الثورة الجزائرية العظيمة .... طيارة صفراء ....

  لا يمكن أن يمر الفاتح من نوفمبر دون أن نحييه ونحيي ذكرى من استرخصوا دماءهم من أجل حرية الوطن والشعب. هذه الأغنية أو الترقيصة التي
image

محمد مصطفى حابس جرثومة الإسلاموفوبيا تطاردنا حتى في الدول التي لم يلوث تاريخها استعمار بغيض .. حرق مسجد في السويد، و تخريب مقبرة في سويسرا ، ثم ماذا بعد ؟؟

   محمد مصطفى حابس : جنيف / سويسرا  بعد أن تعرض لحرق متعمد منذ شهر تقريبا مسجد أوربرو الكبير بالسويد مما أسفر عن دمارٍ كامل في المصلى
image

جباب محمد نور الدين ـ الجزائري يكتشف هويته في الغربة:أوعندما يكتشف الجزائري هويته في جهازه التناسلي

 د .  جباب محمد نور الدين  التعليق الذي كتبته أمس عن تلك الصورة لشباب جزائريين جامعيين أمام المركز الثقافي الفرنسي فتحت نقاشا جميلا وهادئا ومثمرا وهي حالة
image

مخلوف عامر ـ هو التراث: فلا تقديس ، ولا تدنيس 2/9

  د . مخلوف عامر يحتوي التراث على أصناف من المؤلفات وألوان من المواقف ،فيه نقاط مضيئة وبُقَعٌ أخرى مظلمة.نلتقي فيه مثقَّفين وفقهاء لم يكونوا
image

مصطفى الشيخ الأحمد ـ سباق وفراق

مصطفى الشيخ الأحمد         نحن و الحياة  في سباق ...والكل يجري لما هو له منساق بالقرب و البعد هناك  فراق ...و للروح و الجسد  أفتراق أصنع ما شئت بكل
image

عزالدين عناية ـ البابا فرانسيس ورقصة التانغو

  عزالدين عناية * مؤلّف الكتاب الذي نتولى عرضه هو ياكوبو سكاراموتسي، وهو أحد المتخصصين الإيطاليين في الشأن الفاتيكاني، أي من طائفة الخبراء المعروفين

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats