الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | هاتف بشبوش - اللّعبة المحكم للروائي كريم السّماوي

هاتف بشبوش - اللّعبة المحكم للروائي كريم السّماوي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 
  هاتف بشبوش - شاعر و ناقد



كريم السماوي روائي و كاتب سينمائي ، ليسانس آداب قسم اللغة العربية ، رئيس إتحاد الكتاب العراقيين في السويد ، أصدرت له العديد من الكتب ، ومنها(رحلة مع الصحافة الكويتية 1984) ، رواية سلوبودان 1988، كتاب       ( مئة رواية ورواية ) يتحدث عن أهم الروايات العالمية وكتابها، مجموعة قصصية بعنوان ( نغمُّ تعشّق الوقواق) 2005 ، له مسرحيتان معدتان للطبع   ( سفينة السلام ) ، و( غربة في غربة) ، ثم رواية ( اللعبة المحكمة) مدار دراستنا هذه ، والتي ترجمت الى اللغة الإنكليزية لما فيها من السرد الكوني ، ثم شخوصها التي إتخذت أسماءاً عالمية ( أوسكار ، زاك ، كريستينا .....الخ).
كريم السماوي يقترب من الفلسفة في سرده على لسان الحوارات الدائرة بين شخوص الرواية كي يعطينا الرسائل المراد إيصالها لنا ، عبد الكريم يكتب الموعظة التي من خلالها نفهم الكثير من دروس الحياة . يعتمد على أخلاق الحيوانات وتصرفاتها ويستل منها الفكرة المراد إيصالها الى القارئ فتأتي بشكلها الخلاّب الذي يسحر ألبابنا . فنرى قصصه حول الوقواق والكلاب والقردة وحيوان الفضاء السينمائي ( إي تي) ورأسه الذي يشبه رأس السلحفاة .
رواية اللعبة المحكمة تصلح أن تكون عملا سينمائيا دراميا مثيرا للغاية لما فيها من العبر الكثيرة والدروس في الحب وتجلياته ، في الأخلاق ، في الوفاء والإخلاص للصديق و الحبيب ، في مجريات الحياة العامة التي تتطلب الصّراع من أجل البقاء ، في المال إذا ما جاء على شكل بطاقة يانصيب رابحة ،وكيف يكون منغصاُ لراحة البال بدلا من إراحتها وإسعادها ، المال الذي قال عنه خوسيه موخيكا الرئيس اليساري للأورغواي (من يعشق المال لا مكان له في السياسة) . وبسبب المال الذي يأتي منه الجشع غرق العراق بلد القوانين والحضارة بالقتلِ والفوضى وكثرةِ السرّاق .
تعطينا الرواية من الحِكم الرائعة التي تتغلغل في عُمق الإنسان وتضحيته في سبيل الآخرين ، الإنسان الذي فيه الكثير من الشرور لكنّ كفة الخير تميل لديه في أغلب الأحيان ، ولذلك نرى الرواية تقول في أحد سطورها الرائعة ( ماذا تخسر الشمعة إذا أُشعلت شمعة ثانية ) ، كنّا في أيّام زمان نردّد تلك الكلمات الصادحة للشاعر التّركي الشّهير ناظم حكمت ( إذا أنت لم تحترق وأنا لم أحترق فمن ينير الدرب للآخرين؟ ) ، وعليه فإن الإنسان فيه من الطاقات والعجائب التي تسرُّ الناظر بقدر ما فيه من شرور مدمّرة ،  و ما نراه من إشعال الحروب والفتن لهي من صنع الإنسان نفسه ، لكن صفحات التأريخ أنجبت من ساروا على درب الهوى وماتوا حرقة وألماً على حبيبةٍ هي الأخرى ذابت وتماهت في هذا الدرب العسير مثلما شاهدنا ليوناردو دي كابيريو في فيلم تايتنك وهو يتجمد بردا كي تحيا كيت وينسلت إلى عمرٍ طاعن . 
صفحات التأريخ جاءت بمن جعلوا صدورهم دروعا لحماية أصدقائهم في ساحات الوغى ، صفحات التأريخ أنجبت هيباتشيا الحكيمة التي تُعدم ظلما من قبل الكنيسة فظلّت حتّى اليوم شمعة مضيئة للآخرين .
تتحدّث الرواية بشكلٍ يثير الجدل عن الموت ، ذلك المارد المخيف وماذا نفعل حين يقترب منّا أو حين يأتينا على حين غرّةٍ كحادثٍ أو موتٍ تفخيخي فلا وقت للتّسامح فيما بيننا و لا وقت حتى بتلويحةٍ للوداع . حينما يهمس في آذاننا إنّ موعدهُ على وشك المجيْء ، فعلينا التّهيّأ و الاستعداد للرّحيل وتوديع الأحبّة بقلوب يائسة حزينة لا تريد الفراق في تلك اللحظات غير مناسبة و ما علينا سوى الرّضوخ عنوةً لما يريده ملك الموت عزرائيل حينما يخيم بعبائته السوداء ،كما حصل للجميلةِ الفتيّةِ كريستينا بطلة قصّة روايتنا هذه كما سنبيّن لاحقا.
كريم السماوي قادر على رسم الدّهشة مع الأحداث الموصوفة و المُتقنة في تفاصيلها. يكتب بمنظور(العالم إرادة و تصور) للفيلسوف شوبنهاور، ولماذا تكوّن العالم و لماذا امتلأ بالبؤس والألم، يكتب عن السببيّة             و الاستنكار أمام الألم الذي هو نقطة حسّاسة جدّا لما فيها من تفاصيل تُؤدّي بنا للتساؤل أكثر من مرة: لماذا أتينا مع كلّ هذا الألم؟؟ أسئلة نقدية و تشكيكيّة تنطلق من البُعد الحقيقي لوجع الإنسان الذي ما عاد يتحمل أكثر و أكثر من الآلام لكونه عبارة عن طاقة محدودة يمكن لها أن تنضب تحت أيّ قهرٍ لا يُحتمل .
رواية ( اللعبة المحكمة) ملخّصها يدور بين المحامي العجوز زاك و ماريو الناشر و كاتب روائي اسمه ( أوسكار) وهو بطل الرواية وحبيبته ثم زوجته فيما بعد كريستينيا ،الناجية الوحيدة من حادثة مرور يموت فيها أبوها وأمّها  و أخوها.
كريستينا الثرية الجميلة المحكومة من قبل الطبيعة و بمشيئة الربّ بمرضٍ عضال ، ثم الكلبين تسونامي و بوسي ، و مولن و زوجها جورج . 
الروائي أوسكار بالرغم عن كل مايكتبه وينشره نراه فقيرا لا يمتلك غير ثمن الكحول الذي يُخفّف عنه آلامه ، وكثيرا ماكان يتشاجر في البار مع الناشر الذي يُهدّده بمستحقّاتٍ يتوجّب عليه دفعها، فبالرغم من رواياته مازال مديوناً لهذ الناشر المستغِل الذي لا يرحم . الناشر ماريو يستغله ويربح منه الملايين بعد تحويل رواياته إلى أعمال سينمائية ويعطيه الفتات ، حتى يأتي زاك المحامي الشاطر فيستطيع أن ينتزع من ماريو الناشر مليوني يورو لصالح أوسكار ولم يأخذ أتعابه . يندهش أوسكار لهذا المساعدة العظيمة التي قدمها زاك المحامي له ، ولم يعرف السبب في ذلك . ثم تبين أنّ زاك لديه لعبة محكمة و خبيثة في أن يجعل أوسكار يُحبّ امرأة ثرية وجميلة للغاية تمتلك الملايين ، اسمها كريستينا وهي على وشك الموت بسبب إصابتها بسرطان الدّم الحادّ وسوف ترسو في ميناء الموت بعد أشهرٍ قلائل . المحامي زاك يقنع أوسكار في أن يشتري كلبا من نفس فصيلة كلب كريستينا ( بوسي) ،ثم يقنعه أن يلتقيها لقاءاً مدبّراً وكأنه على وجه الصدفة في النادي هي وكلبها ( بوسي) فتنشأ علاقة حميمية بين الكلبين          ( تسونامي و بوسي) وعلى أثرها تـُزرع بذور الحبّ بين أوسكار و كريستينا التي كانت تقرأ رواياته ومعجبة بها أشدّ الإعجاب قبل هذا التعارف . يتّفق زاك المحامي اللّعوب ، المحامي الشّره الذي لا يشبع من المال مع أوسكار في أن يتقاسما ملايينها بعد موتها القادم لامحال . وتبدأ خطتهم بالشروع والنصب على كريستينا ، ويبدأ الحب بين الطرفين ثم الزواج ، والعيش الرغيد.
أثناء العلاقة يكتشف أوسكار أنّ كريستينا في غاية اللطف و الأدب فيحبّها حبا سحرياً و لم لا فهو الكاتب الروائي الشفيف الذي يُحبّ الناس ويكتب لهم فكيف له أن لا يُحبّ بكل نياط القلب إذا ما سنحت الفرصة الذهبية . ولذلك ينقلب رأسا على عقب و يبدأ بكره زاك المحامي و جشعه ، زاك الذي يمتلك الملايين من ضمنها الفندق الفخم الذي إستجمّوا به هو وكريستينا في أحد سفراتهم السياحية ، يكرهه لأنه يرى فيه ذلك الرأسمالي الجشع الذي لا يتوقف عند حدود الشبع ، حتى جاء ليزيد من ملايينه عن طريق سرقة هذه المرأة الطيبة التي أحبها أوسكار ولا بُدّ له أنْ يُخلِص لها ، بدلاً من النّصب والإحتيال.
بين الفينة والأخرى يبدأ ضمير أوسكار بالطرقِ في رأسه ، حيث يُصوّر الحبّ كذبة ، لما وجده في حبّه لكريستينا وكيف هو من بدأ الخداع في رمي حبائلهِ المزيفة . ولذلك نرى أثناء مسيرته الحافلة مع كريستينا بالسفرات والإستجمام و حينما يستكشف فيها نموذج المرأة المكتملة التي ليس فيها أي عيب ، جميلة ، ثرية ، تقرأ رواياته بنهم ، تُشجّعه على الكتابة ، قلبها الطيب ، تلك الوديعة المحبة للكلاب ، فيبدأ بالتشكيك في ذاته التي حطمها هذا المدعو زاك ، بعد أن كان روائيا طيّب القلب لا يعرف من المال سوى ما يكفيه لزجاجة خمر وعلبة سكائر على غرار الكثير من صعاليك الأدب ومنهم أراغون الفرنسي في بداية مشواره الأدبي أو النجفي السكير الشاعر عبد الأمير الحصيري والشاعر جان دمو .
يبدأ الضمير بالإستيقاظ لدى أوسكار فيما يتعلّق بعلاقته المزيفة مع كريستينا ، الضمير هذا الذي أول من تكلم عنه بشكل مذهل هو دوستويفسكي في رائعته ( الجريمة والعقاب أو سونيا والمجنون) ، دوستويفسكي أعطى درسا بليغاً عن الضمير الذي ظل سادرا في فضاءات عالم الكتاب والأدباء منذ ذلك الوقت القيصري حتى هذا اليوم الذي يشهد حروبا تخجل منها الإنسانية و ما وصلته من دراسات وصناعة أفلام تحث على الأمل والعيش بسلام . فلا عجبا أن نرى الروائي الجميل عبد الكريم يسطر لنا حروفه عن الضمير وحجم الإستفاقة التي نجدها هنا في سريرة بطل روايته ( أوسكار).
على الرغم من إستفاقة الضمير الإنساني لدى أوسكار إلاّ أنه يستمر في اللعبة و إتقانها تلك التي رسمها له الشرير العجوز المحامي ( زاك) ، لأنه يريد معرفة نهاية اللعبة الشريرة التي خطّط لها ( زاك) ، وهل يريد زاك أن يأخذ المال كله بعد أن يتخلص من كريستينا فيأتي الدور على أوسكار للتخلّص منه والحصول على ملايين كريستينا وحده ؟ إذ نرى غالبا مايختلف اللصوص في نهاية المطاف فيقتل بعضهم بعضاً طمعا بالمال لوحدهم ، مثلما نقلته لنا روائع الأفلام من ترسانة السينما العالمية .
تستمر اللعبة حتى زواج أوسكار من كريستينا وزواج كلبيهما أيضا ، بوسي كلب كريستينا و تسوناني كلب أوسكار ، حتى إنجابهم للعديد من الجراء . إستفاقة الضمير هذه تجعل من أوسكار أن يفكر بأنّ حب الحيوانات أصدق من حب البشر الذي يمتلك عقلا و ذهنا من المفروض أن تجعله يرتقي فوق الحيوانات لكنه يجد في حب الكلاب أصدق أنباء من الحب الحقيقي والنبيل ، هذه الكلاب التي لا تستطيع التكلم كي تعبّر عن أحاسيسها سوى بالإيماءةِ والتعبير باللسان والعيون أو تغيير معاني الوجه أو القيام بحركات وإشارات تمثيلية معينة، تلك الإشارات العجيبة التي تُترجم إلى أروع معاني الحب الجميل ، أو إلى التكيّف مع حالة معينة تستوجب ذلك، وهذه نراها لدى العديد من الحيوانات ،فالحشرة تتخذ شكل ورقة أو غصن لتعيش آمنة ، الحرباء تتلوّن بلون المكان الذي تمر به ، الكلب يجري خلف حجر نلقيه أمامه بنفس الشوق الذي يجري به خلف قطعة لحم ، الهررة تلعب بالحبال وهكذا دواليك ، ولذلك كان الروائي عبد الكريم بديعا في إستنباطه تلك التصرفات من الحيوانات فيعكسها على أخلاق البشر .
نرى لدى بطل الرواية ( أوسكار) أثناء صحوات الضمير أرق التعابير التي نستطيع بها أن نهتدي إلى ما نصبوا اليه . ولذلك حينما نغوص في أعماق الروائي عبد الكريم نجده يريد أن يُوصّل لنا رسالة مفادها في الحوارية الممتعة أدناه بين أوسكار وكريستينا حول طبائع البشر : 
( الوقواق هو الموجود في أعماق كلّ الناس ...وليس طرزان ! طرزان ربما موجود في أعماق بعض الناس . ماهو موجود في أعماق كل الناس هو الوقواق بسيكولوجيته المدمّرة ) ، بإعتبار أنّ الوقواق يسعى لتوفير حياة تستوفى فيها كلّ الشروط لصغاره ولكن على حساب الآخرين وعلى قتل صغار الآخرين وهم في أعشاشهم لكي يتخلّص من دور الحضانة ، إنّه الحيوان الإتّكالي المجرم والقاتل ، إنه الحيوان الذي لاشبيه له في فصيلة الطيور التي تُتّخذُ كمثال للبراءة والسلام . بينما طرزان هو المخلّص الذي يستطيع أن ينقذ الإنسان من أنياب الأسود والوحوش الضارية ، بإعتبار أنّ الإنسان من الممكن أن يكون بطلاً على غرار (روبن هود) أو (زورو) في طريقة تعاملهم في نزع الحق و مساعدة الآخرين . جدلية رائعة أعطاها لنا الروائي كريم ليعطينا إنطباعا حول البشر وأفعاله .
الرواية تنحى منحىّ آخرا حول السعادة حيث يقول زاك للموظفة ( مولن) الذراع الأيمن له في إدارة شركاته وهي شخصية عابرة في الرواية أرادها الروائي لأكمال ما يريد إيصاله لنا بخصوص السعادة التي يجب أن يشترك بها أكثر من طرف فيقول لها ماقالهُ الروائي الأيرلندي أوسكار وايلد: 
(لا تعتبر السعادة سعادة ، الاّ إذا إشترك فيها أكثر من شخص ، ولايعتبر الألم ألماً الاّ إذا تحمله شخص واحد ). فتقول له : كم هي جميلة و واقعية هذه الحكمة؟ وأنا سعيدة اليوم مع جورج ( زوجها) وأريد طفلاً لنعيش بسعادة أكثر ! 
السعادة ليست قبضة يد كي نشعر بها، إها السراب دائما و أبدا لكنها تظل مبتغانا حتى النفس الأخير ، مثلما نرى كريستينا هنا في روايتنا هذه وكيف تبحث عن السعادة التي إتخذتها جسراً وقتياً للعبور الى ضفة الموت القادمة لها بعد أيام قلائل . السعادة شيء من الآنيات التي سرعان ما تنتهي في الحال ثم تتجدد بعد حين، وهنا كمن قال لا تسلني عن السعادة ان كانت سندريلا في غاية الحزن و هذا ما يحصل مع أوسكار و حزنه على زوجته كريستينا المصابة بداءٍ عضال ... أما نيتشه يقف عند السعادة بشكل يثير الجدل ...حينما يحتقر المرأة و يقول حينما تذهب اإيها فخذ السوط معك ... لكنه يقف و يعترف في جانب آخر و يقول بأنّ السعادة أنثى .أضف الى ذلك من إنّ السعادة تعبير نسبي يختلف في التفسير، هنا كمن يدّعون السعادة بالرغم من كونهم يعيشون في الوحول كما الخنازير التي نراها سعيدة و هي تعيش في أماكنها العفنة . وما أكثر الشعوب الغبية التي تعيش في خزعبلاتها و فقرها المدقع وتدعي السعادة التي تصل بها إلى النرفانا و نستطيع أن نرى ذلك في عراق اليوم. 
يتذكر أوسكار نتيجة صراعه مع النفس رواية الطريق الوحيد لعزيز نيسين حيث لا يعرف بطل الروية( باشازاده)غير طريق الاحتيال ، البطل الذي أصبح يُصدّق ما لفّقهُ من كذب ، الذي جعل من النصب والإحتيال خيراً للآخرين ، باشازاده يبعث للنساء مسترجيا وهو في السجن رسائل مضمونها أنه بحاجة ماسة للملابس لكونه مُعدم فقير الحال و من هناك تعطف عليه النساء و يحصل على الكثير من الملابس التي يبيعها و يحصل على المال الذي يرشي به السّجانين ، وهو بهذا جعل النساء تفعل الخير من جرّاء فعله للنّصب و الاحتيال . إعتمادا على قصة باشازادة بدأ أوسكار يفكر من أنه لا يؤذي كريستينا من جراء أفعاله و ترتيب حبّه لها بالطرق الملتوية ، ها هو يجعلها سعيدة ترفل ُ بالهناء وهي في أيامها الأخيرة ، تفكير متشابك يُدخلنا به الروائي كريم يأتي من النفس العليلة لأوسكار و كدره وعدم رضاه على نفسه ، ولذلك يشرد عقله إلى تفكير كهذا لكي يُرّيح النفس غير المطمئنة من جرّاء خداعه لكريستينا.
الروائي كريم السماوي خصّص أكثر من صفحة للحديث عن إستفاقة         ( أوسكار) و مدى عتابه على النفس في كلّ الأمور المتعلقة بكريستينا،    و لم لا و كما قدّمنا أعلاه عن رواية كاملة لدوستويفسكي عن الضمير لما فيه من تأثير بالغ و خطير على المجتمعات إذا ما غيّب عن التعامل الإنساني . ولذلك تنقلنا البانوراما الروائية إلى أوسكار و كيف يُفكّر أثناء إرهاصةٍ من إرهاصاته التي باتت تؤرّقه بسبب خداعه لكريستينا التي أصبحت اليوم حّه الأوحد وشُغله الشّاغل ، فيتذكّر بأنه كان ذلك الروائي الذي أفنى عمره مع الكلمة الصّادقة ، ماذا سيكتب مستقبلا وهو الكذاب والمنافق وماذا سيكتب عن الحبّ هل سيقول عنه ( الحبّ كذبة) مثلما يفعله مع كريستينا ، فينظر إلى الكلب تسونامي فيجده أفضل منه في تجسيد معاني الحب مع الكلبة بوسي، إذ لم يكن يحتاج إلى تخطيط مُسبق أو نصب الشّراك والفخاخ ، فينصطدم بحقائق كبيرة لا بدّ له الوقوف عندها كي يضع النقاط على الحروف فيما وصل إليه مع حبه لكريستينا ، التي تبادله الشعور الأكبر في الحبّ، لكنه حينما يجد نفسه نصّابا ومخادعاً ، تختلط عليه الأمور فلا بدّ له من إصلاح ذات البين حتى وإنْ كلّفه ذلك كلّ الثروة التي خطّط هو و زاك في الاستحواذ عليها بعد مماتها . إنّه الآن يُريد الرجوع إلى أوسكار الحقيقي ، أوسكار الروائي و الكاتب النقي الذي لايمتلك كما قلنا أعلاه غير ثمن زجاجة الخمر وعلبة السكائر.
في مشاهد مثيرة للحزن والإشفاق تخبرنا الرواية عن فقدان الكلبين تسونامي وبوسي ، وكيف كانت كريستينا حزينة على ضياع كلبتها بوسي ، لم يهدأ لها بال ، الأصدقاء و البوليس و كلّ من عرف بقصّة ضياع الكلبين بدأ بالبحث عنهما و يرجو لهما البقاء على قيد الحياة ، كريستينا تلوم أوسكار لإهماله في ضياعهما ، بينما أوسكار كان يفكّر بأنّ المجرم الفاعل هو بلاشك ( زاك) الذي يريد التخلّص من الكلبة بوسي كي لا تورث المال . وأخيرا يتمّ العثور على الكلبين في فجوة عند البحر إختفيا فيها وظلاّ هناك عالقين ، فتبيّن أنهما تأثرا بفلم (إي تي ) الذي شاهاداه وكيف كان مخلوق الفضاء يختفي مثل السلحفاة لكون رأسه يشبه رأس السلحفاة . ما أروع الروائي كريم هنا إذ يخبرنا عن أنّ الكلبين مولعان بالسينما والأفلام ، بينما الملايين في العراق اليوم لا يمكن لهم أن يروا فلما سينمائيا لعدم تواجد أيّة صالة سينما في هذا البلد البائس بعد أن كان أيام زمان يرفل بمهرجانات السينما و منها أسبوع الفيلم السوفييتي ، أو ما تُقدّمه المذيعة الجميلة    و الكاتبة الرائعة ( إعتقال الطائي) في برنامجها الممتع( السينما والناس) .
الرواية تحدثت أعلاه عن الحبّ بين كريستينا و كلبها بوسي ، وهذه العلاقة الحميمية رأيتها أنا كاتب المقال عن كثبٍ في سلوفاكيا ،حيث تجلس فتاة جميلة في يومٍ صيفي لاهب مع كلبها كاشفة كلسونها وتأكل البوضة مع كلبها فكتبت نصا خاصا بهذا الحب العارم بين الجميلة و كلبها بعنوان( آيس كريم في سلوفاكيا) أقتطع جزءً منه:

بنتُ الثلاثينَ صيفٍ و خريفْ
ذاتُ النعيمِ والدلالْ
جَلستْ...
في كافيتريا الشارعِ الأخضرِ(Greenstreet
تلعقُ البوضة َلعقة ً،لعقة ً،لعقة
لعقةُّ لكلبها المرقّطِ،الناعمِ،المهفهفِ أولاً
ثم لعقةُّ لها
ثم تتالتِ اللعقاتُ بينهما،بحبٍ عظيمٍ
و شهيةٍ عارمةٍ،أصابتني بالدوار .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنقلنا الرواية في أحد فصولها إلى الموت وآلام أوسكار وكيف يُفكّر في ذلك الخطاف لأعمارنا مهما كُنّانّا ملوكا أو صعاليكاً او حميرا ، فكان أوسكار يرقب الشمس حين تغيب في الأفق يوميّا ثم يُعيد الكرّة مرّة أخرى في اليوم التالي ، حتى تنقضي أعمارنا و تأفل كأفول الشمس عند المغيب، لكنه في لحظة ما فكر ماذا سيحل بتسونامي لو أنّ بوسي ماتت ، حيث أنه قرأ ذات مرة عن زوجٍ من القردة في حديقة دبي ، تموت الأنثى و يلحقها الذكر ، بعد أن يُضرب عن الطعام حتى الموت و يلحق بزوجته حزناً و حرقةً و جوعاً عليها. أين الإنسان من هذه القردة ، هذا الإنسان الذي قال عنه (آشلي مونتاجيو) بأنه الأكثر بلبلة إلى نفسه، بالرغم ممّا يمتلكه من عقل ضخم لكنّه سخّره لصناعة أسلحة الدمار الشامل، و كلّما هو خطير يؤدي إلى ضياعنا و هلاكنا . 
من بين الآلام التي تظهر على أوسكار هو تفكيره بالأساس الذي بني عليه حبه لكريستينا ، أساس الخداع والزيف ، حيث بات يلوم النفس على فعلتها الدنيئة التي لا تليق به كإنسان وروائي ، ذلك الأساس الذي زرعه فيه ( زاك العجوز الخبيث) ، هذا الشعور يُدمّر أوسكار و يجعل منه فاقداً لكلّ أصول الراحة رغم الحياة الباذخة التي يعيشها مع كريستينيا و رغم الملايين التي لا تحصى ، هنا رسالة من الروائي من أنّ المال هو جالب القلق و ليس السعادة في كل الأحوال ، تلك السعادة التي تكلمنا عنها أعلاه.
ظل أوسكار يُفكّر مرارا بما وصلت إليه حالته من تشظي بعد أن كان روائيا مستقرا صادقا ، هو اليوم ملوّثا ، دنيئا متدنيا ، هو اليوم أوسكار بنسخته الجديدة التي خلقها ( زاك الخبيث) .
في الرواية نرى فصلا ليس بالقليل عن الخمر و عن أفعالها لبني البشر الحزانى أو الذين أصابتهم الملمات في وقت عصيب فيلجئون إليها كدواء ضدّ الداء . (يظنّ الغرباء أنّ الذين يحتسون الخمر كسالى، ليس لديهم ما يفعلونه، ولكنّهم لا يعلمون أنّ إحتساء الخمر كلّ يوم يحتاج إلى جهد جهيد،إنّنا نحمل ثقل العالم على كاهلنا ....إليف شافاق ..قواعد العشق الأربعون)
لذلك نرى أوسكار لكي يريح النفس الكئيبة و المتعبة يذهب إلى الحانة التي تعوّد أن يشرب بها أيام زمان كان فقيرا ، و كالعادة يلتقي بصاحب الحانة والنادل ( ميشيل) ويسأله إن كان سعيدا ، فيجيب الآخر بأنّ السعادة تأتيه إذا شرب كأسا معه على حسابه ، لكنه يعرف أنّ أوسكار ثريا الآن و سيدفع أضعاف الفاتورة .هذه هي حيل أصحاب المهن في إصطياد الزبائن الذين يدفعون أكثر من فاتورتهم الحقيقية . شخصية النادل هذه كانت لدى همنغواي شيئاً آخراً فهو كان الأحب لدى قلب همنغواي وكان يسميه (قارئ كف السكارى).
الخمر تفعل فعلتها فتريّح سكاراها أيّما راحة ، تجعل من الحمار فيلسوفا متثاقفا متّقد الخيال ، طائرا على بساط الريح مع مصباح علاء الدين ، تجعل من العبد ملكا كما خوان كارلوس ، تجعل من البليد متشاعراً هيّاماً بحب فتاة فينشد لها بما هو جميل لايمكن أن ينطقه لو كان صاحياً ، لكنه إذا ماصحا وجد نفسه ذلك الإسكافي أو بائع الخردة في الطرقات ، أو راعي غنم كما يقول المنخل اليشكري ( تراني إذا انتشيتُ فأنني رب الخورنق والسدير .. وإذا صحوتُ فإنني رب الشويهة والبعير) . ولذلك حينما يخرج أوسكار من البار مترنحا ، تراه يحاور النفس فيتذكر ماقاله له قارئ كف السكارى ومؤنسهم و صديقهم الحميم النادل ( ميشيل) على لسان        ( سنشو) في رواية دون كيخوته ( ليذهب الميت إلى القبر .. والحي إلى الخمر) .الروائي كريم كتب عن بطله ( أوسكار) بصفته مشرّدا وقتيا في بعض اللّيالي و سكيرا يريد أن يهرب من ألمه الذي يعصر القلب نتيجة خداعه لكريستينا، أوسكار الضائع ليلا في الحانات نراه على غرار ( أدغار ألن بو) ذلك الشاعر الأمريكي المطفأ وجعا و حزنا في الشوارع و المدن الكريهة التي ما عادت تأوي شاعراً نيزكا خاطفا كما حياته الخاطفة التي خطفها الموت عند أعتاب باب الحانات الليلية . ( أدغار الن بو ) غالبا ما يُرمى خارج البار بركلة من النادل لعدم امتلاكه نقودا يدفعها لما يُعبه في جوفه من كحول .
أوسكار يعبّ الويسكي على طريقة برنالد راسل الفيلسوف وعالم الرياضيات و صديق ( الجواهري) أيام زمان الرومانسية الجميل . نرى أوسكار يعاتب النفس ، يضعها أمامه على الطاولة أو يراها في كأسه الماثل أمامه ، يُمسكها بيديه ويرفعها ثم يبدأ بمحاسبتها عن كل فعل تآمري مخادع        و مُخطّط له مُسبقا اتّجاه حبيبته كريستينا ، فيجد نفسه ضئيلا غبياً و ليس ذاك الروائي أوسكار الطيب ، ثم يرجِع الكأس على الطاولة كعادة السكارى فيردّد مع النفس ( هل أنا زائفاً حقا؟) . هذا هو وخز الضمير ، فيتذكر قول أحد الحكماء ( رأيك في نفسك أهمّ بكثير من رأي الآخرين بك ) ، وهكذا تتوالى حالات الإرهاص والراحة لدى أوسكار بفعل الخمر فتخفّف عنه أثقال محاسبة ضميره لما فعله بحبيبته كريستينا .
يتطرّق الروائي كريم السماوي إلى سلوك البشر ومدى تأثره بالعنف ، فيستنبط أحكامه من الكلب في رواية نداء البراري للروائي الأمريكي جاك لندن ، وكيف كان الكلب لدى سيده مُنعّما مُتخما بالطعام فكان هادئ الطباع مطيعا على الدوام حتى وجد نفسه مرميا في البراري ، بالكاد يحصل على فريسة كي يشبع بطنه فعاد إلى طباع الشراسة والنباح مع بقية كلاب البراري المتوحشة . هكذا هو حال البشر بين الجوع والشبع .
ثم ينقلنا السرد إلى العنف مرة أخرى في الألعاب المسلّية لدى البشر ، ومنها قطار الموت و الملاكمة وقتل الثيران في إسبانيا أثناء الحديث الدائر بين أوسكار و كريستينا ، الحديث الذي يتبين منه قتل عشرة آلاف ثور سنويا في هذه اللعبة أي بمعدل ثور لكل ساعة ، و رغم ذلك هناك في مقاطعة كتالونيا في إسبانيا معارضة شديدة لهذه اللعبة .هنا الروائي يعطينا درساً بليغا عن وحشية الإنسان في بعض الجوانب رغم إدعائه الحضارة     و العقل و ميله إلى السّلم ، إنّه الإنسان العنيف و الشّرس لا ذلك الإنسان الذي أراده نيتشه في حلمه الجميل فكان يطلق على الإنسان ( السوبرمان أو الإنسان الأعلى) ، هذا يعني أنّ الإنسان بهذا السلوك لم يكن يعجب الفيلسوف الألماني نيتشه الذي مات مجنونا في آخر أيامه لكثرة تفكيره في مصير البشر و أفعالهم الدنيئة التي لا ترتقي إلى (الإنسان الأعلى) .
تعود الرواية مرة أخرى فتتحدث عن الموت بشكلٍ يثير الأسى.... يموت ميشيل النادل صديق أوسكار و يتذكر كلماته (المفلس يجتاز السوق سريعا) ، كان يردّدها ميشيل عندما كان أوسكار مفلسا وها هو اليوم يملك الملايين لكنه يفتقد راحة البال ،أو كان يقول له ( كلنا كالقمر له جانب مظلم) ،هذه الكلمات تنطبق على أوسكار و ما يفعله في حياته إتجاه كريستينا فيرتاح أيّما راحة . يتذكر ماقاله عن الموت ( وردة واحدة لإنسان على قيد الحياة أفضل من باقة ورد كاملة على قبره) تقول الكثير من التجارب أنّ الإنسان عندما يكبر في السن كثيراً لا يعود يقلقه الموت بل هو باطنياً يبدأ يعشقه ، هنا كمسرحية عالمية ( جواب من متقاعد ) يكبر في السن و يقول ( سيكون لي متسع للراحة عندما أموت) . لكنّنا هنا وحينما نرى حالة أوسكار وتفكيره بالموت أو بحبيبة العمر الفتاة الصغيرة كريستينا   و إنتظارها للموت نشعر بشعورٍ آخرٍ يثير الأسى ، يبكينا كما هو الحال الذي أبكانا أيام زمان الصبا ونحن نقرأ رواية ( موت في ريعان الشباب) ، إنه الموت التراجيدي بحق ، لا الموت الذي يدخل في باب الإحصائيات كما في الحروب حيث تموت الملايين من الفتية الطرية و الغضّة كما يحصل في العراق والموت الإحصائي المثير. ولذلك نستطيع أن نقول هنا إنّ كل امرئٍ هو سيد موته و الشيء الوحيد الذي بالإمكان عمله هو عندما تحين الساعة يتوجب علينا مساعدته كي يموت دون خوفٍ أو ألم.
تستمر الرواية في تطرقّها للموت وتستذكر الحرب العالمية الثانية وكيف كان عامل البدالة يتنصت لأعداد الموتى فينذهل لذلك ، فيظلّ بعد ذلك طيلة حياته يزور قبور الموتى فهم الرائعون بالنسبة إليه. أوسكار نتيجة لذلك يتذكّر الموت و يتذكر ميشيل و يضع الزهور على قبره حتى صار ذلك المكان أحبّ الأماكن له في تلك الأيام .
أوسكار و بعد إكمال روايته (الصّرخة المدوية )التي قرأتها زوجته كريستينا بدأ يدعو لها بالصلاة في أن تعيش وقرّر أن يخبرها بكل شيء،بكل نصبهِ وخداعه لها هو وزاك ، بدأ يفكر إنطلاقاً من تلك المقولة الرائعة لـ( أفرينوف) مؤلف كوميديا السعادة ومضمونها ( الرجل الذي يعلم أنّ الحياة قابلة للتغيير وأنّ واجبه يُحتّم عليه تغييرها،هو سيّد نفسه لا عبدها، فستلوح له الحياة مرحة بسيطة لا كئيبة مُعقّدة، لأنّه هو الذي يتصرّف في تكييفها كما يشاء) . ولذلك قرّر أوسكار في أن يعترف لكريستينا بما أساء لها من معاملة وخداع كي تُسامحه على فعلته قبل موتها ، لكنها بادرته بالقول المفاجئ أنا أعرف كل شئ فقالت :
(مالم تفهمه أنّي وراء كل ذلك ، انا طلبتُ من زاك أن يقوم بالتعرف عليك وتنفيذ الخطة بالشكل الذي حدث ، عقدت الدهشة لسان أوسكار وصار ينظر إليها مبهوتا وقال صارخا : أنتِ؟ لم تمهله طويلا حتى قالت : زاك هو جدي والد أمّي ) .
تبيّن أنّها قد أحبّته قبل أن تراه من خلال رواياته ثم أحبّته أكثر بعد أنْ عاشت معه و تخبره بأنّ زاك هو جدّها .. ياللهول.. ما أروع الروائي عبد الكريم في هذه الإنتقالية الشيقة ، المبهرة ، الصادمة ، الفجائية ، التي جعلتنا في غاية الذهول والإندهاش وعدم التصديق وهذا هو الفن الروائي الناجح ، هذه هي الحبكة والتورية التي تشدّ القارئ ،هذه هي المقدرة على التحويلة المذهلة من قبل الروائي .
ينقلنا الروائي بعد فصولٍ عديدة عن زاك المحامي ، عن زاك الشرير           و المخطط للّعبة المحكمة ، زاك الجشع و الطامع بملايين كريستينا ، إلى زاك الرجل الطيب للغاية وهو الذي أكمل مشواره معها وكان يستمع لكل ما تريده ، هو الذي أراد لها السعادة الحقيقية قبل الموت الأكيد بعد أيام ، هو الذي عاضدها على خطتها المحكمة في نيل السعادة .
كريستينا بفعلتها هذه وخطتها المحكمة جسّدت المقولة الرائعة لتشيخوف في مسرحية طائر البحر (يجب تصوير الحياة لا كما هي و لا كما ستكون بل كما تبدو في أحلامنا) .ثم تذكّر أوسكار عن حديثهما السابق حين قالت له    ( إن كان الإنسان يحمل في داخله الوقواق أم طرزان ) .
في النهاية كريستينا تدخل في مراحل احتضارها الأخيرة وتدخل المستشفى، تطلب من أوسكار أن ترى الكلبين بوسي و تسونامي         و جرائهما، حتى لو كان من خلف الزجاج ، ما أصعب الموقف والوداع الأخير حيث أنّ الجميع ينظر لها من خلال الزجاج، ما أعظم الألم للناظر والمريض ، حيثُ أنّ مراقبة الألم من وراء الزجاج شيء مضحك ،كالأطرش الذي يسمع الموسيقى.
في المراحل الأخيرة من الإحتضار يقترب منها أوسكار وزاك لغرض المسانده وإلقاء الوداع الأخير( ماعلينا سوى أن نساعد المحتضر على الموت دون خوف أو ألم ) . تموت كريستينا ثم يلحقها زاك جدها الطيب بعد أن عرفناه خبيثا جشعاً في بداية السرد الجميل للروائي عبد الكريم ممّا أضاف للرواية شيئا من الشوق . يموت زاك حسرة وألما على حفيدته ، و يبقى أوسكار بعد الموت اليفاعي لكريستينا و بعد كل هذا الألم يزور قبريهما ين الفينة    و الأخرى( قبر كريستينا وإلى جانبه قبر زاك) . حتى أصبح المكان بين القبرين من أحب الأماكن لأوسكار ، حيث يتذكر كلمات الروائي الألماني هاينرش    ( الموتى هم الرائعون ) كريستينا وزاك الطيب يورّثا كلّ مالهما لأوسكار ( يا للحظ في بطاقة اليانصيب)، كما يوصي زاك بمليون يورو لمولن الموظفة المساعدة له و بعض المبالغ لكل الموظفين لأنه يؤمن بأن السعادة يجب أن يشترك بها أكثر من واحد والألم يحمله شخص واحد ( ألمه هو و ألم كريستينا) ، هذه هي الحياة ناسُّ موتى وآخرون يرثون الملايين . 
في آخر فصل من الرواية أوسكار يتأمل القبرين لـ ( كريستينا و زاك )،أراد أن يرقص رقصة زوربا اليوناني كي يستعيد نشاطه بعد الخسارات الكبيرة ، زوربا الذي كان يرقص بعد كل فشل ليعطي لنفسه الدفق لأملٍ آخر و نجاحٍ آخر. لكنّ أوسكار سرعان ما يخرّ راكعا بين القبرين يعلو نحيبه الذي يمزّق القلوب ، وهي إشارة من الروائي كريم إلى عظمة الحزن والقلق الناجم منه ، فرغم كلّ هذه الملايين التي جاءت إلى أوسكار على حين غرّة و دون تعبٍ أو شقاء، نراه حزينا قلقا على فقدان الأحبّة و ما الحياة سوى لعقة كلب سريعة خاطفة بارقة غدّارة غير مُنصفة، تنصب لنا الفخاخ غير المتوقعة،  حتى تجعل منّا صارخين: " كفاكِ يا دنيا ".

كلمة أخيرة لابد منها :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنا أعتقد بانّ كريم السماوي استطاع أن يرسم لنا (الإندهاش الشوبنهاوري الناجم عن زوال الوهم ) ،كما حصل لدى كريستينا حينما زال عنها وهم الخلود ، فلم تعد تخاف الموت، بل أصبحت أكثر اندهاشا بالسعادة والحب والإستمرار غير المشروط في الحياة سواء إن قصرت أم طالت،إن كانت حزينة رغما عنها أم مليئة بالحبور،فيتوجّب عليها قبول الحياة حتى نهاية فصولها.
كريم السماوي كتب و بشكلٍ مُلفت،عن السببية والمحفزات باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في الوجود و التعامل الأخلاقي . ولذلك نجد أنّ السبب الذي جعل أوسكار يغيّر ما يجول بخاطره نحو كريستينا هو حافز الضمير الإنساني و معاقبة الضمير للنفس هي التي حفزت أوسكار فكانت سببا لهذا التغيير المفاجئ .
في النهاية أستطيع الخروج بمحصلة (أنّ حياتنا مثل البندول تتأرجح بين ألم الرغبة و فراغ الإشباع و ليست السعادة إلاّ حلم لا يمكن تحقيقه ...شوبنهاور)..... لكنني هنا أختلف جزئياً مع شوبنهاور وأتّفق مع الروائي كريم السماوي ، من أنّ السعادة يمكن تحقيقها كما فعلت كريستينا رغم الموت الذي ظلّ يلاحقها ، بإعتبار أنّ الموت هو الشيء الوحيد المشترك بين كافّة بني البشر ، وهذه هي الصفة الوحيدة الرائعة للموت ، فهو قادم لا محال لأيّ إنسان وبدون استثناء و مهما طال الزمن .

شوهد المقال 1952 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ تبون.. 100 يوم في قصر المرادية

د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 172  مرت مائة يوم على تنصيب عبد المجيد تبون في قصر المرادية بعدما فرضه العسكر في اقتراع 12 ديسمبر 2019، الذي
image

محيي الدين قشاشة ـ في حب إيران زمن الوباء

د. محيي الدين قشاشة  في أعماقي شعور دفين، سأحاول الإعراب عنه، وهو ما أكنّه من محبّة للإيرانيين كشعب، واحترام لإيران كدولة، وإعجاب بالفرس كحضارة. فعندي انطباع
image

وليد عبد الحي ـ العولمة بين الكورونا والواقع الدولي

 أ.د. وليد عبد الحي  يميل قدر غير يسير من الكتاب والباحثين الى الاعتقاد بأن الكورونا قصم ظهر العولمة، وان الانكفاء مرة أخرى نحو
image

عادل اورابح ـ السكتمبري يمكن أن يكون فرانكوفونيًا أيضًا ! حكيم لعلام نموذج

 عادل اورابح المنشور الذي كتبه حكيم لعلام(كاتب عمود في جريدة Le Soir d’Algerie) اليوم حول موقفه من سجن كريم طابو هو باختصار ذروة اللاشرف. أولاً: التضامن الإنتقائي
image

وليد عبد الحي ـ هوس التنبؤات بالكورونا

 أ.د. وليد عبد الحي  منذ الفترة القصيرة على بدء " حرب الكورنا" ، توالت الكتابة عن تنبؤات قديمة نبهت لهذا الفيروس، وبدأت الكتابات المتعجلة والمتبنية
image

حميد بوحبيب ـ الشعب الزوالي رآه تلف له الحساب ، وما جبر راس الخيط

 د. حميد بوحبيب  صح يبان مستهتر شوية بالوباء هذا ديال الكورونا، وفي الحق رآه خايف ...خايف ، رآه يحس باللي رآه يتيم...تخلات عليه آلهة السماء ...وآلهة
image

العربي فرحاتي ـ الشعب الجزائري ..يستحق التكريم لا القزول ..

 د. العربي فرحاتي  هذا الشعب الذي أعطى مثالا لشعوب العالم في التضحية من أجل الحرية ..هذا الشعب الذي أعطى أروع الأمثلة في الصبر على أخطاء أبنائه
image

عبد الجليل بن سليم ـ العلاج له علاقة مع ثقافة الشعوب

 د. عبد الجليل بن سليم  أعود إلى أهم كتاب كان لازم بل هو مفروض على الطلبة المختصين في الطب و الإحصاء البيولوجي و علم النفس
image

أحمد سعداوي ـ [سجن نيسان 2003] العراقي

 أحمد سعداوي  في الأشهر الأولى ما بعد الاحتلال وسقوط نظام صدام في نيسان 2003 كنت مثل غيري شاهداً على اختفاء الدولة، فلا شرطة ولا جيش
image

سعيد لوصيف ـ تسيير الآني مؤشر على الفشل المستدام..

د. سعيد لوصيف   من المخاطر المحدقة بدول الازمات المستدامة ( واقصد هنا الجزائر على وجه الخصوص ) في الاشهر المقبلة في التعامل مع الاشياء

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats