الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | محسن الطوخي - "شهقة طين " عنوان يلخّص التجربة الإنسانية ويرفعها إلى مصاف التجارب الكونية

محسن الطوخي - "شهقة طين " عنوان يلخّص التجربة الإنسانية ويرفعها إلى مصاف التجارب الكونية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


قراءة نقدية 
لقصة(شهقة طين)/ القاص: عبدالكريم الساعدي- العراق 
الناقد / محسن الطوخي – مصر

النص: 
____

شهقة طين 

في لحظة لها رائحة الدهشة، ينساق الليل إلى حلكته، بينما العيون المحاصرة تعتصرها رعشة الحنين، رعشة ترتجف بالألم والوجع والعجب، ترقب تباشير الفجر بلهفة بعدما نفد كلّ شيء، الماء والعتاد والأمل، حتى الهواء غاب ولم يعد منعشاً كما من قبل، ضاقت الحناجر بأنفاس لهيب العزلة، تلاشت الصرخات في فضاء من أسى من فرط النسيان، كان المدى مقفلاً برائحة البارود، تلفّه غيمة من دخان كثيف، والجهات تحتفي بحصارهم، أوصدت أبوابها بلهفة عيون الذئاب المتعطّشة لدمائهم. 
- هي ليلة لاغيرها، ما عسانا أن نفعل؟ قال الجندي ذو اللحية الكثّة. 
- ننتظر الفجر، ما هي إلّا سويعات فنعانق حور العين. 
- لا وقت للمزاح والموت يحدّق بنا من كل مكان. 
- ومن قال لك إنّي أمزح، ألم نأتِ من أجل ذلك؟ 
كانت الجراح تنزف آهات في ظلّ حيرة من الأمر، لِمَ لم يسمع أحد النداء؟ وهذا الصراخ والألم الذي يشقّ عنان السماء، أيذهب جفاءً؟ تساؤلات كثيرة كانت تتحطم عند أعتاب الكثبان الرملية المحيطة بهم . اتّكأ كلّ منهم على جراح الآخر، العيون تصوّب أبصارها بخشوع نحو السماء. كانت السماء صافية والنجوم كثيفة، باسمة بضياء القرب، باكية من هول المشهد، لكنّ الليل تزيّن بوحشة اتخذت شكل الأسر، ينذر بقيامة الروح عند بوابة الغياب. حدقّ أحدهم بوجه طفلته بلهفة شديدة، هزّه الشوق إليها، دسّ صورتها بين بزته العسكرية وبين قلبه، انطلق بما تبّقى من رصاصات نحو تلك الذئاب الكريهة، لكنّه سقط عند منعطف الشوق. المكان يبدو مقبرة مضرّجة بالوحشة، بينها وبينهم لسعة أدمع، تترقب خطواتهم عن بعد، وللزمن نكهة الفراق والذكريات، ذكريات حاضرة بكلّ تفاصيلها في مكان يلفّه صمت كثيف، تتماوج بين مدّها وجزر اللحظة، كانت معادلة صعبة أن تقارن بين الذكرى وبين الآتي، وقبل أن يلفّ العمرفراش السنين عند حافة ليله، تنفس أحدهم المكان، فكان عطر زوجته ، بينما الآخر أطلق أحلامه، ينصت بلهفة لكركرات طفل مازال يحبو، الجندي الذي أسند جسده المتهالك إلى دكة من تراب، يحدّق في وجوه الآخرين، وجوه مرهقة أضناها العطش والدهشة، لم يرَغير مقل مسهّدة بالقلق والضجر، يستتر وراءها وجه أبيه المثخن بالحزن وهو يترقب عودته، كان بصره شاخصاً نحوه، يخشى أن يمضي كما أخويه من قبل، 
" كيف سيكون حاله إنْ لم أعد إليه؟" 
كان الوجع وحلاً، يتمرغ فيه ما تبقى من رائحة أرواح ظامئة للعناق، والليل يشير إلى أحلام وأمنيات بعثرها الخذلان، بينما الجميع راح يبحث عن موت مشرّف في تمام السحر أو عند مطلع الفجر: 
- لنا مهمة واحدة لا غير، أن نموت جميعنا، حذارِ أن يقع أحدنا في الأسر. 
وفي آخر الليل وحين احتدم السكون، كانت القلوب ناظرة إلى حقول القمح وشجيرات الحناء عن بعد، والعيون تغازل السماء بنور الرجاء، تنهش بقايا ظلال مختنقة برفيف أشياء مفقودة إلّا واحداً منهم، غطّ في نوم عميق، يعلوه شخير يغشى صدى الموت، ضحك الجميع لمشهده وهم في لجة الردى: 
- كيف استطاع أن يتسلّق المخاوف؟ 
- دعوه ربما يحلم بوجه أمه. 
ولمّا لاح لواء الصباح كان الموت سحابة من دموع تهطل بخجل، يلوذ كلّ واحد منهم بموته، يحتمي بظلّ رصاصة أو قذيفة مدفع، حفروا بأناملهم ثقباً في الأرض، رسموا ظمأ الأحلام في فضاءات غابت عنها خيوط الشمس، حتى تعاقبت الفصول وعصف الخذلان، ليشيّعوا جراحهم عند دكة الغياب. وبعد أن أصبح الأنين وطناً ، ومضى حين من الموت، وجدوهم شهقة طينٍ حرّي، تهمي بسرّها الدفين عند منابر القصب والبردي. 
القراءة النقدية 
__________ 
نص جميل، يحرك الشجون والوجدان بلغته الشفيفة، للقاص العراقي عبد الكريم الساعدي، لغة مميّزة عاينتها في كلّ أعماله التي أتابعها على المواقع المختلفة قبل. لغة راقية موشّاة ببلاغة راقية غير مفتعلة، بل منسوجة من ظلال التجربة التي يعرضها النص، لغة أقرب إلى روح الشعر بإزاحاتها التي تثري السرد وترفع مستوى النص من حكاية لبعض المقاتلين المحصورين إلى قطعة سردية راقية تمور بالمشاعر الجياشة، وتظهر معدن الإنسان في وقت المحنة. 
التقط الكاتب الجميل لحظة كاشفة بقسوتها تمر بها جماعة من البشر، لم يحدد هويتهم إلا بإشارة لانتمائهم إلى فصيل إسلامي، بدلالة اللحية الكثة، وحور العين، تخوض الجماعة قتالاً شرساً ضد عدو وصفه بالذئاب الكريهة. واللحظة التي انتخبها الكاتب ليسلط الضوء على الجماعة المقاتلة هي انحصارهم حيث لا مهرب ( والجهات تحتفي بحصارهم ) .. وقد سترهم الليل عن العدو. ونفذ الماء والعتاد والأمل، ولا أمل حتى في نجدة تسعفهم (تلاشت الصرخات في فضاء من أسى من فرط النسيان ). هيّأ الكاتب مسرح الأحداث لتناسب الدراما الإنسانية التي على وشك أن تدور. يمثل ظلام الليل ستاراً مؤقتاً يخفيهم عن عيون العدو، لكن ما أن ينبلج الصبح حتى يحين المصير المحتوم. فلا فرصة لهم في النجاة. يمرّ الليل على الرهط في استدعاء الصور والذكريات التي تؤكد ضعفهم الإنساني. لكن هذا الضعف لا يمدّهم إلّا بمزيد من القوة والعزيمة. يلتجئون في تآزر حميم إلى صور أهليهم وذويهم يستمدون منها شحذ همتهم في انتظار ما هو آت ( يتّكئ كلّ منهم على جراح الآخر ). ورغم المحنة فهم لا يرومون إلّا موتاً مشرفاً، تبرّره الخلفية الثقافية التي نشأوا عليها. فهم لم يبدأوا حربهم الّا طلباً للشهادة، 
(ولمّا لاح لواء الصباح كان الموت سحابة من دموع تهطل بخجل). انتهت حياة الثلة عند منابر القصب والبردي - لعله مكان في الأغوار - بصمت وإباء وشموخ، عادوا إلى أمّهم الأرض. 
وشهقة الطين الحري هو عنوان يلخّص التجربة الإنسانية ويرفعها إلى مصاف التجارب الكونية. فالإنسان الذي هو مضغة من طين الأرض يمور في جوهرة بقدرات هي قبس من الروح العلوية المتسامية. نص جميل شفيف بلغة أكثر من رائعة، وهي اللغة التي ذكرت في أكثر من مناسبة، إنّها تنطوي على ما هو أكثر من مجموع كلماتها، لغة تحلّق بك كقارئ في أفق أعلى يتجاوز حدود النص.

شوهد المقال 1050 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فيصل الأحمر ـ الحراك و"المابعدية" (أو حديقة الحيوانات الأيديولوجية )

 د. فيصل الأحمر    فجأة ظهرت فصائل كثيرة ناتجة عن الحراك المبارك في الجزائر وكلها تتبنى السابقة المغرية "ما بعد":*مابعد الثوري: وهو مثقف كهل ركب الحراك ثائرا
image

نوري دريس ـ حينما ترى أعين حشماوي أيدي المخابرات الخفية, وتعمى عن رؤية ألاف الشباب في الشوارع

د. نوري دريس  في حوار مع مجلة la Croix, يدافع عالم السياسة الجزائري محمد حشماوي عن اطروحة مفادها ان الاجهزة الامنية( المخابرات) هي
image

وليد عبد الحي ـ العالم الى اين؟ الحاجة للدراسات المستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي  لأن المستقبل يأتي قبل اوانه بفعل تسارع ايقاع التغير ، فان رصد وقياس حركة ومكونات الظواهر وبمنهجية كلانية(Holistic) اضحى احد مسلمات
image

السعدي ناصر الدين ـ الأربعة الذين تحكموا في مصير الجزائر قبل 1988

السعدي ناصر الدين    هــؤلاء الاربعــة كانــوا يتحكمــون في مصيــر الجزائــر قبــل احــداث اكتــوبر 1988.. الشاذلــي بن جديــد قــائد مسيــرة ضيــاع انهــاها بالسقــوط والبكــاء على
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ..الخوف المرضي .. Macbeth و Shakespeare

د. عبد الجليل بن سليم  بالنبسة ليا مسرحية Macbeth ليست العمل المدهش لشكسبير لكن هي مسرحية على حسب فهمي من الاعمال العظيمة التي
image

مرزاق سعيدي ـ عاشق الأرض.. والنرجس

 مرزاق سعيدي    عاشق الأرض.. والنرجس*!أشعُر بالخوف على الطبيعة كُلّما صادفت في قلب العاصمة الجزائر أشخاصا يبيعون النرجس البري بأثمان ملتهبة، وخوفي لا علاقة له بالسعر
image

رضوان بوجمعة ـ القضاء المعطل.. الشعب المناضل والعدل المؤجل!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 162  هذه هي الثلاثية التي تصل إليها وأنت تحاول تلخيص أكثر من 15ساعة من جلسة محاكمة فضيل بومالة، أمس، بقاعة الجلسات
image

يوسف بوشريم ـ فضيل بومالة ضحية الأمية الإلكترونية

 يوسف بوشريم  من خلال وقائع محاكمة المفكر والمثقف الحر فضيل بومالة والتهم الموجهة إليه و(مصدر الأدلة) الموجودة في الملف أكتشفت أن المتهم الحقيقي من
image

العربي فرحاتي ـ الحراك..وانبعاث الاستئصال إلى الواجهة ...

 د. العربي فرحاتي  لم أقتنع لحظة واحدة ما روجه ويروجه ورثة الكاشير من النوفمبريين الباديسيين من أن الفكر الاستئصالي الدياراسي يكون قد فارق السلطة الحاكمة
image

نجيب بلحيمر ـ أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

نجيب بلحيمر   ساعة علقت على حائط قاعة الجلسات الثانية بمحكمة الدار البيضاء كانت تشير إلى الساعة 12 و 17 دقيقة.. التوقيت الصحيح كان التاسعة إلا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats