الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | إبراهيم جابر علي - ثنائية الهدم والبناء قراءة في إبداع «مريد البرغوثي» الجدار/الأنقاض (5/2)

إبراهيم جابر علي - ثنائية الهدم والبناء قراءة في إبداع «مريد البرغوثي» الجدار/الأنقاض (5/2)

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

          

إبراهيم جابر علي

                                                                                                                                

 

ـ الجدار :

روَّجت إسرائيلُ بترسانةِ إعلامها أنَّ الجدارَ أمنيٌّ لمنعِ المتسلّلين ـ كما تقول ـ من (الضفّة الغربية) ([1] )  ، وشرعت في بنائه عام 2002 ،وتابعتها حناجرُ إعلاميَّةٌ ملوثةٌ بالفاشية،وساعدتها حكوماتٌ منحطّة معها بموادّ بناءٍ حفرت بها مكانَها تحت الحضيضِ بآلاف الأميال.

والجدارُ في هذا المقال ممثلٌ (ظاهريٌّ) لطرف الثنائية/(البناء)،البناء المستمر والمتواصل ، على الرغم من قرار محكمة العدل الدوليّة عام 2004 بعدم شرعية بنائه.

استطاع «مريد» في إبداعه أن يحاصر هذا الجدار الأسمنتيّ الملتوي ،ويُلْقِي القبضَ عليه ـ رغم صلابته وجهامته وامتداده ـ وأن يَضعه في قفص المحاكمة التاريخيّ،وأن يهدمه حجرًا حجرًا علىٰ رؤوس صانعيه ومعاونيهم.وذلك عندما كشف جريمته في حق الحضارة الفلسطينية بجميع أبعادها:(الجمالية،والجغرافية والسكانية،والاجتماعية والنفسية ).فهو ـ بدايةً ـ ليس جدارًا أمنيًّا؛«بل هو جدارُ السَّرِقة التاريخية الكبرىٰ ...الجدارُ مفردةٌ لا تعريفَ لها إلا في قاموسِ الموت».([2] )

 إن الجدار ـ علىٰ المستوىٰ الجماليّ ـ لا يشوِّه الأرض فقط ـ كما يتحدّث المتحدّثون عن جغرافيّة فِلَسطين ـ إنهيشوِّه السماءَ ذاتها،إنه يشوِّه الغيومَ التي تمرُّ فوقه،يشوِّه المطرَ النازل عليه،يشوِّه ضوءَ القمر حين يلامسه،ويشوِّه أشعّةَ الشمس حين تسقط بجواره  » .([3] ) إنه تشويه كامل للتاريخ العربيِّ الفلسطينيّ،بإنسانه ونباته وطيره وحجارته.

وعلىٰ المستوىٰ  الجغرافيّ والسكانيّ فالجدار ما  هو إلا «سرقة المزيد من الأرض والشجر والماء،جدار ترحيل الفلسطينيين بعد تجفيف مواردهم بفصلهم عن أراضيهم ومحاصيلهم وأحواضهم المائية،إنه مبنيٌّ علىٰ أرض الضفّة،ولو كان أمنيًّا ـ كما تدَّعي إسرائيل ـ لتمَّ بناؤه علىٰ حدود الـ1967 ، إنه جدار لتفريغ الضفّة من أكبر عدد من السكّان؛لأنه يعيق الصناعة والزراعة والتعليم والاتصال الجغرافيّ والاجتماعيّ بين الناس،إنه جدار (الترانسفير الصامت)».([4] )

أما علىٰ المستويَيْن الاجتماعيّ والنفسيّ فالجدارُ«يضع البيوتَ في السِّجنِ،السجون في الدنيا كلها صُمِّمَت للأفراد من المجرمين بعد إدانتهم عدلًا أو ظلمًا،وهذا الجدار مُصمَّم لسجن جماعة إنسانية كاملة ، يَسْجِن تحيةَ الصباح بين الجيران،يسجن رقصةَ الجدّ في عُرس حفيده،يسجن مصافحاتِ العزاء عند موت الأقارب،يسجن تعلُّق يدِ الأم بيد ابنتها علىٰ سرير الولادة،يفصل بين الزيتونة وزارعها،والتلميذ ومدرسته ، والمريض وطبيبه،والمؤمن وصلاته،يسجن المواعيد الغرامية بين المراهقين».([5] )

الجدار ـ إذن ـ عامل هدم لكلِّ ما هو حضاريٌّ علىٰ أرض فلسطين([6] ) ،ومن ثمَّ يتضَّح السبب من الوصف السابق لطرف الثنائية بأنه (بناء ظاهريّ)،بناء علىٰ الأرض قويٌّ ـ وربما خالدٌ ـ لن تهدمه قرارات المحاكم الدولية ولا الأصوات الإسرائيلية المحبَّة للسلام والمؤمنة بالحقِّ الفلسطينيِّ.سيهدم هذا الجدار ـ كما يرىٰ «مريد»  ـ  استنفارُ العين له،«سيهدمه عدمُ التعوُّد عليه،ستهدمه الدهشة لوجوده.هذا الجدار سيسقط ذات يوم...ليس أقوىٰ من هذا الجدار إلا العصافيرُ والذبابُ وغبارُ الطريق».([7] )  إن هذا الجدار علىٰ امتداده واستمرارية بنائه جدارٌ أصغرُ،ولن يزول إلا بزوال الجدار الأكبر وهو الاحتلال،«أليس الاحتلال جدارًا أيضًا؟».([8] )

     ـ الأنقاض:

أما الأنقاض فعلىٰ الرغم من أنها ممثّلة لطرف (الهدم)؛إلا أنها الخالدة التي لا تزول،والتي تقف شاهدة علىٰ المذابح العنصرية وحروب الإبادة الجماعية.الأنقاض هنا تترك إطارها اللغويّ المهشّم؛لتكونَ عاملَ بناء للذاكرة الإنسانيّة،وتسجيلا فوتوغرافيّا يرفع  لما يُسمَّىٰ بمؤسسات حقوق الإنسان،أو لما يُسمّىٰ بالأمم المتحدة لعلها تترك الشعور بـ(القلق) الرسميّ.الأنقاض هي شاهد المجزرة ومقبرة أهلها،وهي الآثار الباقية التي من أجلها تُقامُ مؤتمرات الدول المانحة لإعادة إحيائها مرَّةً أخرىٰ بعد أن كانت عامرة بسكانها.

علىٰ الأنقاض يجلس الفلسطينيُّ متأمّلًا ماضيه وحاضره ومستقبله،مستجمِعًا قِوَاهُ لاستكمالِ الصمود. وعلىٰ الرغم من محاولاتِ إعادة الإعمار وضمان فترات التهدئة إلَّا أن الأنقاض ستظلُّ قائمةً علىٰ هيئتها في النفوس،يقول «مريد»:

«  أنا الثباتُ فلا يهتز

أنا المطلقُ ، فلا ينهارُ

أنا النهائيُّ ، فلا ينتهي

أنا الحقيقةُ فلا تتزحزحُ

أنا القائمُ ، فلا يسقطُ   

أنا العناد فلا يتغيَّرُ له حال

أنا الشكلُ الأخيرُ

أنا التماسكُ الذي لا يحتاج الأساسات

أنا الصلابةُ

أنا الخالدةُ ـ هكذا ـ علىٰ هيئتي

أنا الأنقاضُ» .  ([9] )

         الأنقاض ـ إذن ـ  هي الثباتُ المطلق والحقيقة التي لا تقبل التزحزُحَ في الوجدان الفِلَسطينيِّ، إنها الخالدة ببقاء ترسانة الموت، والمتماسكة ـ (عنوان القصيدة :تماسُك) ـ في عناد أمام جيوش الاحتلال وجيوش الإعلام الراقدة على بيض التحليلات والمعادلات العقيمة.

     فإذا كان الجدارُ طرفَ (البناء) في الثنائية إلا أنه عامل الهدم للتاريخ وللإنسان ـ وهذا هو مكانه الطبيعيّ في وجدان العربيّ والفلسطينيّ ـ وعلىٰ الضد تتخلص الأنقاض من حمولتها الدلالية وتتحول من طرف (الهدم) إلىٰ طرف (البناء) والخلود.وإذا كان الجدار كذبةً تاريخيَّة كبرىٰ فالأنقاض الحقيقةُ التي لا تتزحزح ، وإذا كان الجدار مُفَرِّقًا بين الأقارب،فالأنقاضُ مجمّعة لهم عليها،وإذا كان الجدار سجنًا خرسانيّا يقوم بتعليب الفلسطينيين،فالأنقاض ـ الإسمنتية أيضًا ـ تحطم هذا السجن،وإذا كان الجدار يقام علىٰ أساسات خرسانية تغتصب الأرض وهي تكتم أنفاسَها،فالأنقاض متماسكةٌ لا تحتاج إلىٰ أساسات؛ذلك لأنها مقامةٌ علىٰ أرض الحقِّ،وإذا كان الجدار تتجاوزه العصافيرُ والذباب وغبار الطريق فالأنقاض صلبة خالدة لا يخترقها الزمن ولا يمزقها بتطاوله.

# # #


([1])هذا التسمية عليها اعتراض وتحفُّظ كما أوضحنا في مقال سابق بعنوان (اغتيال اللغة).

([2]) مُريد البرغوثيّ :وُلِدْتُ هُنَاكَ وُلِدْتُ هُنَا،ط.دار رياض الريس، بيروت،ط.2 ، 2011 ، ص 171 .

([3]) نفسه.

([4]) نفسه .

([5])نفسه .

([6]) (أرض فلسطين) ،وليس (الأراضي الفلسطينية) .

([7]) مُريد البرغوثيّ :وُلِدْتُ هُنَاكَ وُلِدْتُ هُنَا، ص 172 .

([8]) نفسه .

([9]) مريد البرغوثي:الأعمال الشعرية الكاملة،ط.دار الشروق،القاهرة،ط.1 ، 2013 ، (1/298).

شوهد المقال 1080 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رياض بن وادن ـ ربما حلنا في لعبة الليغو!!

رياض بن وادن   تَأكّد بأنه لو تطلب من طفل في أوروبا أن يختار هدية لتشتريها له لاختار -في غالب الأحيان- دون شك ودون تردد لعبة
image

نجيب بلحيمر ـ حملة الاعتقالات.. تحضيرات "العرس" بدأت

نجيب بلحيمر   الاعتقالات تتوالى, وهي الآن تستهدف من تعتبرهم السلطة, بسذاجتها, قادة الثورة السلمية رغم أن هؤلاء المعتقلين( ورفاقهم الذين سيلحقون بهم قريبا) لم
image

زهور شنوف ـ "لا شيء حقيقي هنا سوى البناية"

زهور شنوف   ظلمة كثيفة في الرواق الطويل للطابق الخامس من بناية كولونيالية محشورة في شارع يعج بباعة العملة الصعبة.. باعة يحملون في أيديهم كل أنواع
image

محمد حاجي ـ انتخابات على الطريقة الجزائرية

محمد حاجي  من زاوية أخرى  لعلَّ مُحاولة فهم ما يحدث اليوم من فرضٍ لانتخابات "على الطريقة الجزائرية"، وما يُرافقه من اعتقالاتٍ لوجوهٍ معارِضة، لا
image

فوزي سعد الله ـ باب عَزُّونْ... الجزائر المحروسة

فوزي سعد الله   هكذا كان شارع باب عزون، الشارع الذي يحمل اسم أحد الأبواب الخمسة لمدينة الجزائر التاريخية وأهمها اقتصاديا واجتماعيا، في العهد العثماني قبل
image

العائد من الآخرة اصدار للشاعر العراقي حيدر البرهان ...قصيدة نحنُ الزَّوارق ..

  البرهان حيدر            نحن الزَّوارقتلهو بنا الأمواج يَلهُو بنا النّهر، والبحر، والمحيط... وهذا الدهرُ الغريبْ. وُلِدنا من رحمِ حجرٍ، نَهِيم على جسدهِ العاري بغير نقط.
image

وليد عبد الحي ـ تونس بين مترشح بلا هوية آيديولوجية وسجين ينتظر القرار

 أ.د. وليد عبد الحي  تقف تونس في المقاييس الدولية الاقرب للموضوعية على رأس الدول العربية في مجال الديمقراطية ، ففي عام 2018 احتلت المرتبة الأولى
image

ناصر جابي ـ هل تتجه الجزائر نحو أسوأ السيناريوهات؟

د. ناصر جابي  تعيش الجزائر هذه الأيام حالة استقطاب سياسي حاد، يمكن أن يؤدي إلى ما يحمد عقباه في الآجال القريبة، إذا استمرت الاتجاهات
image

محمد هناد ـ لا لانتخابات رئاسية مفروضة !

د. محمد هناد  أيها السادة أعضاء القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي :  القرار الذي اتخذتموه بصورة متسرعة وانفرادية بشأن إجراء انتخابات رئاسية قبل
image

خيط الدم للشاعر الإيراني علي موسوي كرمارودي ..ترجمة الشاعر العراقي محمد الأمين الكرخي

ترجمة : محمد الأمين الكرخي         لابد من أن نراك متجليا في الحقيقة وفي العشب الذي ينمو وفي الماء الذي يروي وفي الحجر الذي للصمود يرمز وفي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats