الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | إبراهيم جابر علي - صورة التشبيه،وتشبيه الصورة مقاربة سيميائية في إبداع المرئي

إبراهيم جابر علي - صورة التشبيه،وتشبيه الصورة مقاربة سيميائية في إبداع المرئي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


إبراهيم جابر علي

 


يُعدُّ التشبيهُ أحدَ أجهزةِ البلاغةِ العربيَّةِ شديدةِ الحساسيَّة،والتي رافقتِ الخيالَ العربيَّ منذ نشأته في البادية،فربطَ به بين شَعرِ الحبيبة وسوادِ الليلِ،ووجهِها والقمرِ الُمضيءِ المُلْقِي بضوئه الفضيِّ علىٰ صفحة الصحراءِ المترامية الأطرافِ.

لكنَّ الطرحَ النظريَّ في هذه المقال يختلفُ عمَّا عُرِفَ عن التشبيه بأركانه وأنواعه.والتي ابتذلَتْها العبارةُ المدرسيَّةُ:«هو كالأسدِ في الشجاعةِ»؛لتخرجَه إلىٰ مجالٍ أرحبَ،حين يلتقي المرئيُّ مع الخياليِّ في فورةِ الإبداعِ العربيِّ الأصيلِ.

فإذا كانَ الغرضُ من التشبيهِ البلاغيِّ هو  إظهارُ الخَفِيِّ المُضمرِ إلىٰ العَيَانِ،فإنه أيضًا هدفٌ من أهداف التشبيه المرئيِّ،وغرضٌ من أغراضِ سيمياءِ التواصُلِ.

يسعىٰ هذا المقالُ لإبرازِ صورةٍ أخرىٰ من صور التشبيه،من خلال تشبيه الصورة الخطيَّة بصفتها أيقونةً ثقافيَّةً روحيَّةً حَفِظتِ العربية قرآنًا وحديثًا وشعرًا ونثرًا وتراثًا فكريًّا.

 

في هذه الصُّورِة الخطِّيَّةِ يتَّكِئُ الخطَّاط السوريُّ «عُبَيْدةُ البنكيُّ»([1] ) علىٰ جهازِ التشبيه البصريِّ،في تجسيدِ صورة الإنسانِ،والمُشَبَّه هنا حرفُ العينِ المكتوب بأسلوبِ  القَلْبَ(المُتعاكس)حتىٰ يحقِّقَ عينَيْنِ علىٰ المستوىٰ البصريِّ،وهو ما يتوازىٰ لفظيًّا مع كلمة (عينين) في الآية الكريمة،فاستطاعَ بآليةِ قلبِ الكلمة أن يُنتِجَ العينَ الثانيةَ لوجهِ الإنسانِ (المُشبَّه به).يوسِّعُ هذا التشبيهُ المعنىٰ العامَّ للآيةِ؛حيثُ يُجسِّدُ  بصريًّا أَهمَّ سُبُلِ المعرفةِ للإنسانِ،وهي العينُ،فَبِهَا يُدرِكُ الإدراكَ الأوليَّ لطبيعةِ الأشياءِ.حتىٰ وإن حُرِمَ شخصٌ من نعمةِ البصرِ فهو يطلبُ من غيرهِ أن يَصِفَ الشيءَ لَهُ حتىٰ يستطيعَ أن يُدرِكَه في مُخيِّلتِه.

العينانِ الكبيرتانِ وَضَعَتْنَا إزاءَ وجهِ إنسانٍ يمتلك عينينِ صحيحتينِ (وهي العين المجموعة في اصطلاح الخطَّاطين).وعليه أن يختارَ الطريقَ الذي يمشِي فيه:(وهديناه النجدين)،وأن يتبصَّرَ بتلك العينينِ(الصحيحتَيْنِ) عواقبَ أمورِه.

أمَّا عن التقنياتِ الأُخرىٰ لهذا (التشبيه البليغ) فقد استخدم الخطَّاط نوعيِ الثُّلُث؛ الخفيفَ:في كتابة سائر كلمات الآيةِ.والثقيلَ:في كتابة (ألم نجعل له عينين)،وهذا لغرضٍ واضحٍ،وهو إظهارُ دور العَيْنِ الفعَّالِ في الحياةِ.وإرشادِ القارئِ لأهميةِ تلك النِّعمةِ التي امتنَّ عليه اللهُ بها.

وقد يعتمد الخطَّاط في إنتاج الصورة التشبيهية علىٰ أكثر من حرفٍ،تجسيدًا للمُشبَّهِ به وهذا الأسلوبُ هو الذي لجأ إليه الخطَّاط (مرتضىٰ) ([2] ) في تجسيدٍ بصريٍّ لوجهِ المحبوبةِ في بيت للشاعرِ العبَّاسيِّ بشَّار بْنِ بُرْدٍ، الذي نَصُّهُ:                                         

أَنَا وَاللَّـهِ أَشْتَهِي سِحْرَ عَيْنَيْـ         كِ ،وَأَخْشَىٰ مَصَارِعَ الْعُشَّاقِ

 

إذ تُبَيِّنُ الصورة ارتكازَ الخطَّاطِ علىٰ جميعِ كلماتِ البيتِ لرسمِ صورةِ وجهِ المحبوبةِ؛مِنْ جَبْةٍ  ناصعةِ  الجلالِ؛وذلكَ عن طريقِ وضعِ لفظِ الجلالةِ عليها،وعينيْنِ واسعتينِ (مجموعتين)،زادهما التصاقًا بالجمالِ رسمُ عينَيْنِ إِنْسِيَّتَيْنِ،ووجنتينِ ساحرتينِ متناسقتَيْنِ عن طريقِ التناسُق الخطيِّ للحرفين المجموعين (ح) في سحر،و(خ) في أخشىٰ،انتهاءً بصورة الفمِ الذي جسَّدَهُ تشكيلُ:(مصارع العُشَّاق)،في إشارةٍ سيميائيةٍ واضحةٍ أنَّ الرجل قد سُحِرَ بهذا الوجهِ كاملًا،علىٰ الرغم من فقدانه لبصرِه؛أعني بشَّارًا الشاعرَ.ومن ناحيةٍ أخرىٰ يُعدُّ ارتكازُ الخطَّاط علىٰ الحروف المجموعة (ع ـ ح ـ خ )مؤشِّرًا دلاليًّا علىٰ اجتماع الحُسْنِ في وجه المحبوبة ؛الأمر الذي أعطىٰ الصورةَ جمالا تشبيهيًّا امتزجَ فيه العشقُ والشعرُ بالخطِّ في فورةِ الإبداع البصريِّ.

         وقد تصلُ الصورةُ الخطِّيَّةُ التشبيهيَّة إلىٰ حدٍّ من الغموضِ المرئيِّ،وحينئذٍ تحتاجُ من المتلقِّي التأمُّلَ في بنيتِها الخطيَّةِ من أجلِ استجلاءِ القيمةِ الدلاليَّة منها،كما في استنتاجِ(التشبيه الضمنيِّ) في البلاغةِ العربيةِ،وهذا ما يمثِّلُهُ النموذج التَّالي:

 

وهو للخطَّاط العراقيِّ(جواد سبتي النَّجَفِيِّ) ([3] )؛إذ تتشابك فيه الخطوطُ بشكلٍ مُتناظِرٍ مُتراكِبٍ مُتعاكِسٍ؛ليجسِّدَ صورةً تشبيهيَّةً مُعَقَّدَةً ومثيرةً للجدلِ لوجهِ عليِّ بْنِ أبي طالبٍ >،يُحرِّكُه اتجاهُه العقائديُّ في تكوينِها،ففي هذه الصُّورةِ تتكرَّر كلمةُ (عليٌّ) أربعَ مراتٍ في جميعِ اتجاهاتِها،وبهذا التَّكرارِ الخطِّيِّ المتشابِك تتجسَّدُ لنا ـ بصريًّا ـ العِمَامةُ والوجهُ ذو الشكلِّ المائل للمُربَّعِ،والعينانِ،والشاربُ المُتهدِّل  واللحيَّةُ الكثيفةُ.

ولا ينسىٰ الخطَّاط أنْ يضع أيقونةً خاصَّةً بالإمام عليٍّ>،فيُجسِّدَ صورةَ السيفِ ذي الحدَّيْنِ الذي جاء وصفُه في كُتُب السِّيَرِ.

         تمثِّلُ الصورةُ الخطيَّةُ ـ إذن ـ تشبيها ضِمْنِيًّا عمِيقًا لوجه الإمام عليٍّ،بطلُها الأوَّلُ هو حرف العين بِشَكْلِ(حَنَكِ السَّبُعِ) ـ في اصطلاح الخطَّاطين ـ تأكيدًا علىٰ معاني الشجاعةِ والإقدامِ في شخصيةِ الإمامِ الجليل.الصورة التشبيهية الخطِّيَّةُ اكتسبت صفةَ (مثيرة للجدل) في التحليل السابق؛لأنها تكاد تتشابه مع الصورة الموجودة في المُتحف الإيطاليِّ بروما ([4] )،والتي كُتِبَ عليها أنَّها صورة لعليٍّ >. ولعلَّهُ من المفيد أنَّ نضعَها هنا ؛حتىٰ تتجلَّىٰ براعةُ الخطَّاط في التشبيه الخطِّيِّ للصورةِ.وحتىٰ يتأَكَّدَ ما يذهبُ إليه هذا المقال  من أنَّ للصورةِ الخطِّيَّةِ بلاغتَها في القُدرة علىٰ التجسيد البصريِّ.

 

وقد تمثِّلُ الصورةُ الخطيَّةُ تشبيهًا تمثيليًّا بأحدِ الرموزِ الفلسفيَّةِ؛وربَّما كان ذلكَ بقصدٍ أو بدونه؛لكنَّ سياقَ التأويلِ التواصُليِّ يُؤَوَّلُ نحو تلك الرمزيةِ الفلسفيَّةِ.وهذا ما نجدُه تجسيدًا في صورة للخطَّاط الإماراتيِّ (محمَّد عيسىٰ خلفان) ([5] ) التي قام فيها بالعدولِ (/الانزياحِ البصريِّ) عن قواعدِ الثُّلُث؛ليقدِّمَ الحروفَ وقدِ اتَّخذتْ شكلًا دائريًّا بدلًا من الشكلِ الصاعدِ المعهود؛لتظهرَ الصورةُ مُحمَّلةً بعديدٍ من الإشاراتِ،مُقارنةً مع ما تماثِلُها من الشكلِ الفلسفيِّ.

 

تُقدَّمُ الصورةُ الخطيَّةُ في شكلٍ دائريٍّ،في إشارة سيميائية واضحةٍ علىٰ الاستمرار والتجدُّد؛تجسيدًا بصريًّا لمعنىٰ الآيةِ الكريمةِ؛فالرحمنُ U (هو) في كلِّ آنٍ وكلِّ وقتٍ في شأن من شؤونِ السمٰواتِ والأرضِ ؛يُدبِّر الكونَ العريضَ ويستجيبُ للسائلين فيرفعُ أقوامًا ويُذِلُّ آخرينَ.وفي كلِّ لحظةٍ يحدُثُ أمرٌ ويظهر قدرٌ ممَّا قدَّرَه اللهُ سلفًا.يتعاقب الليل والنهار،والأيَّامُ والفصولُ الأربعةُ والسنونَ،وتتبدَّل الأحوالُ،ويدور الزمانُ دورته،فنقطةُ النهايةِ هي نقطةُ البداية لأمرٍ مَا.

 أمَّا الشكلُ الفلسفيُّ المُشبَّهَةُ به تلك الصورةُ الخطيَّةُ فهو دائرة (يَانغ ويِنْغ) في الفلسفة الصينية القديمة (الطَّاوِيَّةُ).ووجهُ الشَّبهِ البصريُّ هو البناءُ الهندسيُّ للصورةِ الخطيَّة الذي استدعىٰ شكلَ الدائرةِ الفلسفيَّةِ وما تحويه من تأويلاتٍ عديدةٍ.

 

فالدائرة تُجسِّد استمراريةَ وتغيُّرَ الأحوالِ والشؤون؛وترصُد تعاقبَ الموت والحياة ،الليل والنهار ، النور والظلام،الشتاء والصيف،الربيع والخريف،الخير والشرّ،السكون والنشاط، الفعل ورد الفعل،العِلم والجهل،الصِّبا والشيخوخة،الحرارة والبرد،الضعف والقوة ،الانكماش والتمدُّد ،الصلب والسائل،الذكر والأنثىٰ.وكلها من شؤون السمٰوات والأرض التي يدبِّرُها خالقُ الكون،وهنا وجهُ الشبه الدلاليِّ بين الصورتين.

ومن ثمَّ استطاع الخطَّاط أن يجعل من صورته أيقونةً إسلاميةً علىٰ نسقِ الأيقونةِ الفلسفيَّة الصينية القديمة،مختزلًا بها ـ أي بالأيقونة الإسلاميَّة ـ مساحاتٍ دلاليةً كبيرةً،في مؤشِّرٍ بصريٍّ مثيرٍ للتأمُّل والتأويلِ. 

# # #

 باحث مصريّ

كلية اللغة العربية،تونغشين،نينغشيا،الصين


([1]) عبيدة البنكي:صورة (ألم نجعل له عينين)، مجلَّة المختار للخطِّ العربيِّ ،بغداد، ع 4 ، 2011 ، ص 7.

([2]) مرتضىٰ الخطاط:صورة (أنا والله أشتهي سحر عينيك)، موسوعة الخطِّ العربيِّ ، ص 131.

([3]) جواد سبتي النجفي:صورة (عليٌّ)، موسوعة الخطِّ العربيِّ ، ص 257.

([4])                                                          http://www.alzakera.eu/music/Turas/Turas-0083.htm.

([5]) محمد عيسىٰ خلفان:صورة (كل يوم هو في شأن)، مجلَّة المختار للخطِّ العربيِّ ، بغداد، ع 9 ، 2011 ، ص 8

شوهد المقال 1563 مرة

التعليقات (2 تعليقات سابقة):

اسحاق ابو علي في 06:25 22.09.2015
avatar
ما شاء الله
karim khaled في 04:16 25.09.2015
avatar
رائعة

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوعلام زياني ـ صندوق لعجب التلفزيون العمومي الجزائري في خدمة الإستبداد

بوعلام زياني  يسمونها الأرضية لان مستواها يمسح الارض ولا يعانق أحلام الجزائريين الكبيرة ،سموها سابقا باليتيمة لانها لم تنعم بدفء العائلة وعاشت مشردة يستغلها
image

وليد عبد الحي ـ دبلوماسية ترامب بين النووي الايراني وفلسطين

 أ.د.وليد عبد الحي  في إطار اعداد المسرح الاقليمي والدولي لاعلان ترامب عن تفاصيل " صفقة القرن" بُعيد الانتخابات الاسرائيلية القريبة ، وبعد أن ضمن
image

نجيب بلحيمر ـ الجزائر على موجة الثورة السلمية

نجيب بلحيمر   غاب كريم طابو عن الجمعة الثلاثين من الثورة السلمية لأنه في السجن، لكن الثمن الذي يدفعه الآن من حريته الشخصية لا يساوي شيئا
image

صدر حديثا أناشيد الملح - سيرة حراڴ للجزائري العربي رمضاني

المتوسط للنشر :  صدر حديثاً عن منشورات المتوسط - إيطاليا، الإصدار الأول للكاتب الجزائري العربي رمضاني، بعنوان: "أناشيد الملح - سيرة حراڴ"، وهي من
image

المرصد الأوروالمتوسطي لحقوق الإنسان : اعتقال النشطاء السلميين صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر

جنيف- قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان اليوم إنّ السلطات الجزائرية اعتقلت أخيرًا عدد من النشطاء السلميين في خطوة تشكّل صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر.     المثير للقلق
image

اليزيد قنيفي ـ العهد الجديد ..بين التفاؤل والتشاؤم ..!!

اليزيد قنيفي  على مدار عهد طويل تعرضت البلاد إلى حالة من التدمير والحرق والإهانة والسخرية والتجريف والنزيف غير مسبوقة ..استبداد وغلق وفساد معمم وشامل... ورداءة وفضائح
image

علاء الأديب ـ أدباء منسيون من بلادي..الروائي العراقي فؤاد التكرلي

 علاء الأديبعلى الرغم من أن الروائي العراقي المرحوم فؤاد التكرلي لم يكن غزيرا بكتابة الرواية من حيث عددها إلا إنه يعتبر من أوائل الروائيين العراقيين
image

العربي فرحاتي ـ حراك الشعب في الجمعة 30 ..المدنية هي شرط قوة الشعب والجيش

د. العربي فرحاتي  الجيش يقوى بقوة الشعب ..ويبقى قويا مادام الشعب قويا.. ويضعف بضعف الشعب ويبقى كذلك مادام الشعب ضعيفا...ولا يمكن لشخص مهما كان
image

محمد محمد علي جنيدي ـ حكاية بلد

محمد محمد علي جنيدي- مصر   كنتُ كُلَّما سافرتُ إلى بلدِها صباحاً لزيارةِ عَمَّتي العجوز، رأيْتُها تقطعُ الطَّريقَ لتذهبَ إلى محلِ الوردِ الذي تعملُ فيه، فإذا ما

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats