الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | أحمد الشيخاوي - لميكانيزم القِناعي والتبئير (سيمفونية ضد العنف) أنموذجا

أحمد الشيخاوي - لميكانيزم القِناعي والتبئير (سيمفونية ضد العنف) أنموذجا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


 أحمد الشيخاوي

 

 

 من المؤكد أن التقريرية والتصريح لهما مناسبات الاستحضار و بواعث ترصيع جسد النص الشعري بهما عند الضرورة. بيد أن عنصر التلميح صنعة رائقة لا تتوانى الأسماء الريادية عن الاشتغال عليه بل وتطعيمه بكثير من الأقنعة الخطابية بمعزل عن الترف الأسلوبي ، وضمن مستويات إقحام المتلقي واستقطابه حتى ليغتدي طرفا في رسم مناخات تفاعلية مع المادة التي تستهدفه،فتتيح له ــ بالتالي ــ إمكانية تجاوز الصيغة الاستهلاكية في تناول ما يتم توجيهه إليه، باعتباره امتدادا للرؤى والتصورات والأفكار المتمخضة عن العملية الإبداعية ككل.

من هذه الطينة النادرة نجد شاعر الاغتراب و المحبة والسلام ، الألمعي شينوار إبراهيم ،المنتصف للحس الوطني ولأسئلة الهوية والكينونة،والمنتمي إلى شجرة الإنسانية في كامل منجزه. 

 وضمن هذه الورقة سنكتفي بتسليط الضوء على النزر القليل من مخابئ الكنوز الجمالية والمعرفية في مقاربة لعوالم إحدى قصائد شاعرنا المؤيدة للطرح السالف ذكره.

لذا ومهما حاولنا سنظل مقصرين في حق الرجل نقدا ودراسة واهتماما، عاجزين عن منحه عدل ما يستحق من تكريم وأوسمة تشريف رمزية تليق بـــكاريزماتيته كصاحب ثروة فكرية وشعرية وإنسانية لها قيمتها وعمق بصمتها وتأثيرها في المشهد الإبداعي عربيا وعالميا.

سيمفونية ضد العنف.

 حسب تجليات العنونة، نتحسس أن الشاعر يأبى إلا أن نشاطره لحظات احتفائه بالروح ،عبر فسح المجال لأخيلتنا وتمكينها من قطع مسافات في تأويل ما يشير إلينا به ويزفه إلينا من أسرار وألوان كامنة ،على نحو يدغدغ الذائقة و يشبع الفضول المعرفي في آن.

في إحالة منه غير مباشرة،متشبعة بمعان مقنعة يلزمنا بعض الجهد لإماطة ضباب الإدهاش عنها والتلذذ بماهيتها.

لأن الموسيقى غذاء الروح والإنسان بروحه وعقله ، لا ببدنه،كان من البديهي استدعاء ثيمة العنف كأداة فتاكة تفقد الإنسان كما الكون توازنهما واستقرارها وتشرع على المصراعين أبواب الفوضى والدمار وسفك الدم.

رقصة الأمواج

سيمفونية ضد العنف

 كلنا حال تضيق بنا الدنيا بعد تكحيل أعينا بالمشاهد الدرامية الأكثر دموية وجنائزية وخريفية، وعندما تتقلص وتتقزم بنا دروب الحياة حد الاختناق، نلجأ إلى هذا الغامض الكبير المنطوي على زخم مهول من الأسرار،ربما لنتنفس الصعداء أو لنفتح دردشة مع مرايانا الداخلية في محطات مع الذات جنوحا إلى المصالحة والمحاسبة وما على شاكلة ذلك، في حضرة هذا الأزرق الساحر الغاضب الغامض كأنيس تضمحل حد التلاشي وساوس الحذر منه برغم هديره المزلزل وتلاطم أمواجه.

 المهم أن الماء في أبسط إيحاءاته وأقربها إلى الأذهان دلالة،كونه يعادل الحياة وقد أصبحت جحيما لا يطاق بفعل المارقين عن نواميس الفطرة ومرابض الوسطية والتحضر والاعتدال .

 

أتأمل مع القمر وجهك

أسافر

في الفضاء...

ارحل...

اسأل...

عن لمسات

لون ضفافك

يا دجلة...

أنام

في ظل شمسك...

نغمات خرير

أمواجك

ترقص

تداعب صوت الفرات

بدهشة

إنه الحنين إلى الوطن المثالي المتراقص في المخيلة بعظمة أنهاره دجلة والفرات والأخرى الرمزية المفجرة لمنظومة استنطاقات وجودية منبنية على تبئير الفكرة الأم المتولدة عن الإحساس الغرائبي في انسجام تام مع صرف المعاناة وتحويلها إلى بوح إيجابي يجابه العنف وكافة أشكال التطرف بأسلوب حضاري ينم عن ذات متسامية متسامحة ودودة متمردة لكن داخل حدود فلك الأخلاقيات والروح الإنسانية الطاغية.

فوجه الحبيبة من وجه الوطن من وجه المكون الطبيعي والكوني انتهاء.كلية متواطئة في عملية ترميم الشرخ ولملمة الهوية ومحاولات حياكة ملامح الخلاص. كلية مشتركة في نبذ العنف، وضرورة التسلح بشتى الأشكال النضالية لمحاربة سدنة الموت والرذيلة والخراب.

هدوء الغروب

يغازل حديث الليل …

الريح تأخذني

إلى شوارع العشق …

فأين أنت

يا ابــــــــــــــــا نؤاس

لترى

هدير الحب

يصنع النور

وسط الشتاء

 دائما وفي سياق أخذ النص لاتجاهات تبئيرية وإلباس المعنى أقنعة ضمان حضوة المتلقي بكنوز ما ورائياتها الأشبه بالقطوف الدانية اليانعة المستعصية و

 

المولدة للذة الباقية ،وعلى نحو حلزوني يعود بنا شاعرنا إلى قيمة الحب كمعادل موضوعي لكل ما من شأنه معالجة الراهن،والتدليل عبر رسائل عصبية

 

مكثفة، على أننا لسنا ملائكة وهبنا العصمة، لكن عيبنا ماثل في تسويف غسل تلكم الأخطاء والإصرار على التمادي في الغي.

 بكل تأكيد، الحب كمقابل وندّ لجلب طقوس الأريحية والطمأنينة للوجدان المترهل والمتعب جراء المتراكم عليه من منغصات وأوبئة اجتماعية وسياسية

واقتصادية عبر تاريخ طويل.

 وحده الحب يقوى على صنع النور المنشود،ويبدد ظلمة النفس المريضة وهي تستعبد همجا لا يتورعون عن ارتكاب أبشع الجرائم بحق الإنسانية ويتفاخرون

بالأيادي الشيطانية المجبولة على الإبادة والتعصب والطائفية والجنون.

 

وإذن... هي باقة معان جسام باذخة ومحتجبة،تشفّ عنها أو تكاد بؤر البؤر المبثوتة في مفاصل النص،عبر خطاب قِناعي يلغي الهوة بين فعل الإبداع وأجواء

التلقي.

معان جديدة ترفل في عذريتها، لكنها ليست جاهزة بقدر ما تحتاج إلى العين الثاقبة وإعمال الفكر فيما تسكت عنه وتنبض وتهمس وتشي به.

سيمفونية صاحبنا مكتملة،تلامس موسيقاها شغاف القلب.تساؤلاتها تتم بأعين دامعة دامية تفجر متتالية أسئلة كونية وحياتية خلالها يمتزج الشعور بالفكرة.

 والبوثقة التي تغلف الممارسة الإبداعية ككل،قيمة إنسانية يجسدها الحب كأسمى وأنفس إحساس ـــ في رحم الوجع ــ يغذي ويرعى الحلم بغد أفضل منزّه عن

شهوة الفتك والدماء والأحقاد.

شاعر وناقد مغربي

 

 

شوهد المقال 1532 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب ـ العلاقات الإنسانية بين الازلية و الوضعية

علاء الأديب على الرغم من كثرة العلاقات الإنسانية التي تربط الناس ببعضهم و على الرغم من تنوع الأواصر التي تتميز بها تلك العلاقات إلا أن التصنيف
image

سعيد خطيبي ـ عزيزي خالد

 سعيد خطيبي    عزيزي خالد،أعجز عن تصديق ما حدث! لا تزال في السّجن؟ حُكم عليك بعامين؟ هل هذه مسرحيّة عبثيّة؟أنت تحتاج إلى ورق وقلم، كاميرا ولابتوب، كي
image

محمد هناد ـ الجزائر ...ثلاثة أطراف مسؤولة عن الأزمة

د. محمد هناد    تمر الجزائر بأزمة حادة متعددة الجوانب، بما في ذلك على مستوى التربية والأخلاق. بطبيعة الحال، هذه الأزمة ليست وليدة اليوم بل
image

طارق السكري ـ عندما نَـ/ تبكي الأوطان

طارق السكري             في أعماقي ! أشجارٌ ماطرةٌ تبكي جدرانٌ تشربُ أنفاسي لا أدري! تركض بي .. تبكي أنهارٌ مذ نبت الحزنُ على نافذتي سُحُباً
image

عثمان لحياني ـ سبعة أشهر ..كلام لا بد منه ..الإعلام في الجزائر

عثمان لحياني  في 23 فبراير الماضي صدر بيان لمجلس الوزراء تَضَمن " تكليف رئيس الجمهورية للحكومة بتسوية الوضعية القانونية للقنوات المستقلة حتى تتكيف مع قانون السمعي
image

الجنرال عبد العزيز مجاهد ّ مديرا للمعهد العالي للدراسات الاستراتجية الشاملة " خبر صادم

عثمان سابق  عبد العزيز مجاهد مديراً عاماً للمعهد العالي للدراسات الإستراتيجية الشاملة.. اللهم لا حسد.. لكن بصراحة الخبر "صادم".. أن يكونَ مستشارا أمنياً قد
image

عبد الجليل بن سليم ـ سلطة الحراك بين Stanley Milgram و Miguel Benasayag

 د. عبد الجليل بن سليم  بعد مرور القوة التي عملها النظام و تعيينه للرئيس بعد إنتخابات 12/12, الحراك (هنا أتكلم على الحراك كسلوك و ليس
image

العربي فرحاتي ـ فلسطين المشكلة ...وكيف تواجهنا

 د. العربي فرحاتي  تواجه إسرائيل كعصابة مغتصبة للحقوق الفلسطينية منذ أن ورطها الانجليز فيها واستوطنوها في أرض غير أرضها. بموجب وعد بلفور؛ مشكلتها مع المقاومة
image

نجيب بلحيمر ـ الواقعية بعين مهزوم

نجيب بلحيمر  مع كل قرار ظالم، مع كل خطوة تخطوها السلطة على الطريق الخطأ يخرج علينا العقلانيون والواقعيون بمحاكمات لا تقل قساوة عن تلك التي
image

ناصر جابي ـ الدستور الجزائري: العيوب والتحديات القديمة نفسها

د. ناصر جابي  لم يكن الجزائريون محظوظون مع دساتيرهم منذ الاستقلال، لا في طريقة إعدادها ولا في التحديات التي تصادفها كوثيقة أساسية، يفترض فيها

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats