الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | محمد محمد السنباطي - محمود الحبكي وفيضان من البراءة والعفوية "قراءة في إبداعات شاعر"

محمد محمد السنباطي - محمود الحبكي وفيضان من البراءة والعفوية "قراءة في إبداعات شاعر"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد محمد السنباطي 
 
من صعيد مصر حيث حزم التاريخ حقائبه على الأسرار
من صعيد مصر حيث تكاد تنطق الأحجار
من صعيد مصر حيث يتدفق إلى الشمال سيد الأنهار
من صعيد مصر الذي أنجب سمر الرجال وأهدى إلى الوطن آيات الفخار
من صعيد مصر ظهر الحبكي فيمن ظهر
وأبدع أشعارًا هي والبساطة توءمان
مفعمة بالبراءة والعفوية نضاحة بالنبل والتسامح والمحبة.
وإذا بحبكياته تنفذ سريعًا إلى القلب دافئة كشمس الشتاء بهية مؤمنة شجية عذبة.
كأنما خطها بطمي النيل أيام كان للنيل طمي فإذا بها تنبت في وجدان المتلقي أزهارا وثمارا وخضرة يانعة.
ولا يكون الشاعر شاعرا إلا إذا كان له قاموس
ولا يكون الشاعر شاعرا إلا إذا كان يصطاد نوعا خاصا به من السمك أو من الأرانب البرية
والحبكي له قاموسه وله انطلاقاته وطرائده.
والحبكى يعيش آلام الوطن وآماله بكل الصدق والضمير الواعي والحس الجمعي مفعما بالصبر تواقا لكل ما هو أجمل وأكمل.
فرغم كل ما يعترض الوطن من محن لا نراه يفقد الأمل بل ويصر على لفت الانتباه لشيء باق لم يمسه السوء:
[السما لساها خام 
لا الإيدين خدشت بياضها 
ولا لون الميه عكر في الغمام ]
والإيمان بالله هو رمانة الميزان في كل ما يجري في الكون وفي المعمورة وفي البلد وفي البيت وفي النفس. 
[طالما بسملت 
ممكن أرمي سنارتي علي الأسفلت 
تنزل في هجير 
يطلع لي السمك المشوى 
وحوالينه الجرجير 
العشم المنشود 
مش في المخلوق 
أنا عشمي لفوق 
علي كد علاقتي 
راح يتسع الطوق]
ويستدرك شاعرنا منبها المتلقي لضرورة تصفية القلب من الغل إن أريد رضا الله:
[ب شرط 
القلب يصفي عكاره]
هو العشم في الله الذي ليس لنا سواه:
[أنا عشمي متاح 
من غير تمثيل 
أو إلحاح]
وكيف لا يتعشم في وجه الله والحمل ثقيل كالهرم ممتد كالسكة الحديد من البدء حتى المنتهى:
[يا دمع مالح فوق لساني المر 
يا سكه ممطوطه في موكب حزن 
الهم توأم في الطريق 
والحزن متفصل بطول العمر]
ويتطلع الشاعر حوله فيرى البؤس أشكالا وألوانا ويرى العوز محفورا في تقاطيع الوجوه، ويرى البلد في أمس الحاجة إلى المال من أجل الإعمار وإصلاح البنية التحتية، وغير ذلك فيخشى على مصر من كثرة الاقتراض فيشهق بالدمع مناجيا ربه الكريم:
[ياااااااااارب 
يا سيدنا النبي 
ما نمد 
إيدنا لأجنبي]
ودائما ما يتذكر الحبكي أباه وأمه ويحن إلى جذوره، ويصور حال البلد حين يصور الفاقة والعوز بعفوية لا مثيل لها:
[أبويا في جوازته 
لا جاب ( صالون (
ولا ( نيش (
ولا عمره إتمشي 
مع أمي ع الكورنيش 
أبويا كان حافي 
وبيكره الورنيش 
أخدوه تحرى في يوم 
الفقر كان في الفيش 
أكبر طموح عنده 
أحلامه لقمة عيش 
حتى في تجنيده 
سنتين زياده في جيش 
ووصيته لعياله 
الستر لو بالخيش 
إملا الجيوب بالرضا 
ح تعدى لو تفتيش 
وأبويا كان ورثه 
حصاله فيها ( مفيش (
و جيوبه مخرومه 
وبيكره التحويش 
طاب هو كان لاقي 
دا نهاره كان تلطيش]
ومع ذلك، وعندما كان الشاعر طفلا كان الأب يصير جملا وترفرف البهجة في أرجاء البيت:
[كنت أركب أبويا ( حمار ) ب هزار
كان يكنس كل الدار 
يلف يدور 
وساعات كنت أركبه بالمندار 
يحضني 
ألخبط وشه 
أشد شنابه 
وأقول له شنابك زى الصرصار 
بيشبك إيده ف إيدى 
يآخدني معاه مشوار 
كل عيال الشارع كانوا يخافوا 
لو شافوا أبويا معاى 
يدوني حاجاتهم 
ويطبطبوا علي كتفي 
ويضحكوا ... ب مرار 
ولما يغيب 
أقرض في ضوافرى تقولش فار 
يتلم عليا دبان الشارع كله 
وأصغر عيل يضرب فيا ويآخد التار 
ب مجرد أبوى ما يهل 
الكل فرار 
وأموت ب هزيمتي في حضنه 
كأن سكوتي حوار 
وأبويا كبر 
ولا عاد بيهمل دكته ليل ونهار 
ف عملت حمار 
إركبني يا بوى 
خد دورك 
قاعد تحتك 
دوس علي روحي 
ب راحتك 
شاور 
قول 
إختار 
غطيته ونام 
وأنا لسه في وضع حمار 
مستني أبوى
يآخد دوره 
مستني قرار]
ولا يهزم الإنسان مثل الزمن، فيمضي العمر بالوالد فيهرم حتى تعانده الحروف:
[علشان قلة اليد 
واللي جاى ع الكد 
والمعاناه 
أبويا ما ركب ( طقم سنان )
لما يصلي 
وكنت بأصلي وراه 
كان بيقول ( الثمد (
ف كانت تضحك روحي 
لما يسلم 
كنت بأقوله (الصمد) 
كان بيقولي 
ربنا عارف 
إذا كان كل سناني معاه]

أما الأم فكانت المعلمة التي شكلت الطين في أحسن تقويم:
عمر أمي ما رضعتني
( لبن صناعي )
أو رضعت في مره 
واستحليت صباعي 
لكن أمي رضعتني 
إن غير الحق 
دايماً مش بتاعي 
رضعتني مش حليب 
رضعتني حاجات
ما فطمتنيش عليها 
رضعتني من عينيها 
يعني إيه معني ( الحياء )
يعني إمتي أمد رجلي 
أو أقصر من دراعي 
رضعتني مش لبن مخلوط ب ماء 
رضعتني الإنتماء 
يعني إيه معني الوطن 
يعني كل الناس سواء 
رضعتني كل ذرة من ترابه 
بصمته كانت نخاعي 
رضعتني مش ( صداع )
يعني ( إسبرين )
رضعتني البسمله 
إني اقرا الفاتحه 
ف بيذهب صداعي 
رضعتني ولسه بأرضع 
إني أقول للعيب دا ( كخ )
إني عمرى ما أخاف ب ( بخ )
إن عمرى ف يوم ما أركع أو ( أنخ )
مهما حاوطتني المصاعب 
ك الأفاعي 
رضعتني أكون ( رفاعي(
ويأتي العيد ويذهب الشاعر قاصدا قبر والديه الذين رحلا وتركاه وفي القلب أريجهما فيقف خاشعا يقرأ الفاتحة على روحهما فإذا ب"العادة" القديمة تتكرر وكأنما انقلب الزمان إلى حيث كان، وإذا "العيدية" التي لم يكن يتوقعها تنفض التراب عن كاهلها وتبرق كجنيه الذهب:

[كنت ف زياره لأبويا 
كمان وأمي 
بعد ( فاتحه ) 
وقبل ما أنزل إيديا 
شوفت ع ( الشاهد ) عيديه]

شوهد المقال 2269 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سعيد خطيبي ـ سنة أولى حراك

سعيد خطيبي   في أكتوبر 1988، عاشت الجزائر ثورة شعبية ضد النّظام، كانت لحظة فارقة، ترتبت عنها تغيّرات جوهرية في البلد، وكان يمكن لها أن تكون
image

مصطفى كيحل ـ الحراك وسيكولوجيا الحشود

   د. مصطفى كيحل  ساد الانطباع في الجزائر منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي ، أن التغيير بالشارع أو بالحشود و الجماهير غير
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك الشعبي...بين Frantz Fanon وDavid Galula.....و فيلم الأفيون والعصا

عبد الجليل بن سليم  في قول واحد كل من Frantz Fanon و David Galula هما الوحيدان اللي فهمو التركيبة النفسية و العقلية للجزائري كان
image

رضوان بوجمعة ـ الوحدة في عمق "الثورة السلمية" الذكية

 د. رضوان بوجمعة    الجزائر الجديدة 161   التقيت اليوم في الجمعة 53 مع جزائريين وجزائريات من ولايات مختلفة تسللوا إلى العاصمة التي تحولت إلى منطقة "شبه
image

فوزي سعد الله ـ عن وُصول "أهل الحمراء" من غرناطة إلى عَنَّابَة

فوزي سعد الله   "...منذ نحو 5 قرون، يُحكى في الروايات الشعبية في مدينة عنابة، لا سيَّما في الوسط الحَضَري، أن سقوط غرناطة عام 1492م كانت
image

جباب محمد نور الدين ـ النظام : الحراك وراءه والخراب أمامه ولا مفر له

د. جباب محمد نور الدين   لا أزال أذكر كان يوم جمعة من سنة 2001 عندما اتصل بي الصديق عبد العزيز بوباكير من مقر "
image

نجيب بلحيمر ـ محاولة فاشلة لسرقة ثورة مستمرة

نجيب بلحيمر   بعد جمعة مشهودة عاد الجزائريون إلى الشارع لإحياء ذكرى انطلاقة الثورة السلمية.. في العاصمة ومدن أخرى كان إصرار المتظاهرين على النزول إلى
image

فضيلة معيرش ـ الأديب طيب صالح طهوري لا تشبه كتاباته أحدا ولا يمكن أن تسند لمن سبق من كتاب وشعراء

فضيلة معيرش  ولج عالم الكتابة منذ ما يقارب الأربعين سنة ، أديب طوع الحرف فاستقام له جاب بساتين الإبداع فقطف ما لذ له وطاب من شجرها
image

يسرا محمد سلامة ـ هوس الشهرة

 د. يسرا محمد سلامة   أنْ تكون نجمًا مشهورًا تلك نعمة ونقمة في نفس الوقت؛ لأنّ ذلك يعتمد على طبيعة الشخص نفسه، وما تربّى عليه طوال حياته
image

د. يسرا محمد سلامة ـ البداية ونهاياتها

 د. يسرا محمد سلامة البداية، كلمة ممتعة بها من التفاؤل الشئ الكثير، تجمع في طياتها الطموح، والتحفيز، والمثابرة على إكمال ما يبدؤه الشخص من عمل، علاقة،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats