الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | إدريس أنفراص - المحبة لتبديد الكراهية..أو مرايا التاريخ...قراءة في رواية "شوق الدرويش" للروائي السوداني حمور زيادة

إدريس أنفراص - المحبة لتبديد الكراهية..أو مرايا التاريخ...قراءة في رواية "شوق الدرويش" للروائي السوداني حمور زيادة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 
 إدريس أنفراص
 
 
 
متساوقارواية "شوق الدرويش" للروائي السوداني حمور زيادة,تستعيد فترة من فترات تاريخ السودان وهي تحديدا فترة المهدية أو ما يعرف بثورة المهدي على الخرطوم,في جماعة من أتباعه الدروايش لتخليص البلد حسب معتقده من الظلم ونشر العدالة وكلمة الله والقضاء على الكفار.
واشتغال رواية شوق الدرويش على تلك الفترة التاريخية واستعادتها روائيا لم يكن بغرض الحديث عن الفترة وأحداثها بقدر ما كان توظيف هذه الأحداث في الرواية وما عرفته من ترويع وتدمير وقتل لبسطاء الناس الضحايا, توظيفا يتساوق مع مايجري الآن في ربوع البلاد العربية وكأن مقولة "التاريخ يعيد نفسه" تسري على هذه الأمة وعلى شعوبها أو كأن تاريخها لايعرف تطورا وتقدما وإنما الدوران في نفس الحلقة إن لم يكن انحدارا إلى أعماق الظلمة والإندثار.
تنطلق أحداث رواية "شوق الدرويش" من لحظة هجوم الجيوش المصرية في سبتمبر 1898 وسقوط مدينة الخرطوم أو "مهدي الله" كما سمتها الرواية, وهي لحظة خروج "بخيت منديل" بطل الرواية الأساسي من معتقل سجن "الساير" بعد قضائه لسبع سنوات من الإعتقال, وستنقل الرواية القارىء عبر تقنية الفلاش باك التي استعملها الروائي بإتقان إلى أحداث الرواية وفهم سبب وجود بخيت منديل في السجن وخروجه منه مع جماعة ممن شاركوه محنة الإعتقال. 
تقبض الرواية على فكرة إنتقام بطل الرواية بخيت منديل من جماعة من الناس قتلوا إمرأة اسمها "ثيودورا" من أصول يونانية ,وجد نفسه في فترة من الفترات مرتبطا معها بعلاقة عشق غامضة لم تعرف التحقق في الواقع.عشق حمله بخيت منديل في أعماق روحه دون أن يقدر له الإكتمال والتحقق ليصير عشقا عاديا كما يكون بين ناس عاديين. "ثيودورا" ذات الأصول اليونانية ستجد نفسها يوما تأتي إلى السودان في بعثة دينية لمساعدة أهل ديانتها بالتطبيب والتعليم والثقافة الدينية الأورثودوكسية,تحكي الرواية عن رحلة البعثة منذ انطلاقتها إلى غاية الوصول إلى مكان استقرارها واصفة ظروف الرحلة والمشاهد الطبيعية التي مرت بها البعثة,إلى أن تقوم ثورة المهدي,ويهجم مهدي الله والدروايش على المدينة"الخرطوم" ويتم سبي "ثيودورا" والنساء الكافرات الأخريات ,ويتم توزيعهن على الأعيان لتكون ثيودورا,من نصيب "الحاج ابراهيم الشواك".
في بيت الحاج ابراهيم سيتغير إسم ثيودورا إلى اسم"حواء" الذي ستطلقه عليها زوجة الحاج ابراهيم "النوار" سيدتها بعدما أرغمت على إعلان إسلامها أمام سيدها ومولاها الحاج ابراهيم.وفي يوم وفاة سيدة القصر "النوار" سيذهب العبد" صباح الخير" للبحث عن حافر قبور, وسيأتي ب"بخيت منديل" من بين مجموعة من عمال,وسيوصيه بحفر قبر لزوجة سيده التي رحلت إلى دار البقاء,بعد العودة من مراسيم الدفن, سيدعوه العبد صباح الخير للبقاء معه في حوش العبيد,للأكل وأخذ مقابل أتعاب عمله من السيد ابراهيم, أثناء ذلك ولأول مرة سيرى من ستكون سيدة رفقته في بناء أحداث الرواية وتشييد عوالمها,سيرى ثيودورا أو حواء بعينيها الحزينتين,لتشتعل لمعة العشق في قلبه إلى أن تصير في النهاية نارا يحترق بها ويمضي إلى نهايته المحتومة وهو نشوان باحتراق العشق. 
ولأن حواء\ثيودورا كانت تضمر في دواخلها فكرة الهروب ومغادرة بلاد الوحوش والدم والدمار كما كانت تقول في أحايين مع نفسها,ورغم مشاعر المحبة والحب التي تكنها لبخيت منديل,فإنها لم ترد أن تتورط في عشق مع الرجل الأسود \العبد مثلها, فتتركه يتألم ويغرق في وجع قاتل يوم فرارها,لأن في فرارها خلاصها وانعتاقها من مذلة العبودية وهروبا من القهر الذي تسلط عليها في قصر ابراهيم الشواك من يوم الختان كعقاب على عدم امتثالها للنوم معه إلى تسخيرها للقيام بأعباء القصر وشراء مايلزم من أماكن معينة في المدينة .. وقد كانت منسبات الخروج للتبضع هي الفرص التي تقتنصها حواء للقاء بخيت ومبادلة الحديث معه وتمتين علاقة المحبة والعشق بينهما. لقد كانا كائنين متآلفين إلى حد لايصدق,خاصة من طرف بخيت,وقد كانت حواء تعرف أنها توجع بخيت بتمنعها وبرفضها الزواج منه,ولم يكن بخيت يفقد الأمل,وحافظ على ليونته في التعامل معها وعلى الرفق واللطف بها رغم الصد والمنع اللذين يأتيان منها تقول الرواية:" تريده بشدة,وتصده بعنف" ص 293..هي مفارقة في أحاسيس حواء كما يبدو,لكن من جهتها هي لم تكن ترغب في الذهاب بعيدا في عشقها الذي تكنه لبخيت لأن في أعماقها تنام فكرة الخلاص أي يوم هروبها من بلد الوحوش والدم والقتل.
هذا الهروب,الذي سيكون سبب نهايتها ليلة غدرت بها جماعة ممن وثقت بهم وقدمت لهم ثمن حملها والذهاب بها إلى وراء الحدود للفرار إلى مصر وعبرها للعودة إلى بلادها اليونان.سيبيعها قائد القافلة لمن أرسلهم الحاج ابراهيم الشواك لتعقب أثارها والعودة بها إليه ليحضر لحظات تعذيبها وإزهاق روحها عقابا على الهروب من القصر.
ولأن عشق الدرويش العبد الأسود كان بمثابة القدر النازل من السماء وألقى نفسه على روح بخيت منديل دون أن يظفر منه بما يريح نفسه وقلبه,فقد كان قدره أيضا أن يرحل وراء من كانوا سببا في وفاة حواء \ثيودورا بمجرد خروجه من السجن,ليتعقبهم واحدا واحدا واصطيادهم لإنهاء حياتهم كما أنهوا حياة التي أوقدت شمعة العشق في قلبه,وهو القدر نفسه مرة أخرى من سيجعل نهايته تكون مثل نهاية المعشوقة رغم اختلاف بعض التفاصيل. فثيودورا تم القبض عليها من طرف من ذهبوا للبحث والإتيان بهاإلى قصر ابراهيم لتلقى نهايتها المأساوية,كذا بخيت منديل وهو يصطاد وينهي حياة كل واحد يعثر عليه ممن قتلوا حبيبته ثيودورا ستكون نهايته القبض عليه من طرف جماعة مشت وراءه تقتفي أثاره منذ يوم اغتال ابراهيم الشواك, ليتم القبض عليه وهو لم ينه بعد لائحة من جعل أسماءهم في قائمة التصفية والقتل.
ستموت ثيودورا وتنتهي حياتها وهي كانت تمني النفس بالإبتعاد من بلد الوحوش والقتل, للفرار إلى بلد التحضر والنور, وسيموت بخيت وهو يمني النفس بإرضاء التي حمل عشقها في الروحبالإنتقام لروحها من الذين أنهوا حياتها.....نهايتان مأساويتان لكائنين تعذبت روحاهما رغم إيمانهما ولطفهما ومسالمتهما والمحبة التي يكنانها لبعضهما على يد جماعة حملت فكرا ومعتقدات وأرادت تطبيقها على آخرين ولو بالقهر وبالغصب.
تحفل رواية "عشق الدرويش" بأحداث عديدة وبأسماء شخصيات كثيرة, كما تحفل بحيوات أناس تلتقي وتتشابك كما يظهر جليا من سرد الأحداث وبنائها,هي مصائر نلتقيها ونقف عندها وكأنها تبغي تنبيهنا إلى شيء أساسي يجري حولنا اليوم في عالمنا العربي, ربما كي نعلم كم أن التعصب والعنف يعميان الأبصار ويخربان الأمصار. يبدو وكأن أحداث ما يسمى بثورات الربيع العربي كانت هي الحافز الذي أوحى للروائي "حمور زيادة" بالعودة إلى ثورة محمد أحمد المهدي في فترة من تاريخ السودان ليجعل من تلك المرحلة من التاريخ مرآة ترى فيها فترتنا العصيبة هذه نفسها وتقارن بين ماجرى بالأمس وما يجري اليوم.
ومن جهة أخرى تحفل الرواية ,بلغة مقتصدة ومكثفة,تأتي في جمل قصيرة كأنها حزمات يجعل منها حمورزيادة رافدا لبناء أعمدة أحداث الرواية,لغة استطاعت النفاذ إلى دواخل نفس الشخصيات وسبر أغوار عواطفها فتنقلها بمقدرة فائقة تجعل القارىء يرى روح الشخصية شفيفة, خاصة أعضاء البعثة الدينية المسيحية منذ بداية الرحلة لدخول السودان حتى النهايات المأساوية للبعض منهم الذين لم يحالفهم الحظ للهروب من أتون العبودية والتسخير والقهر والموت..,وبخيت منديل,ومريسيلة,و"الحسن الجريفاوي" الشاب المتصوف بروح طاهرة والذي راح ضحية تلاعب التاجر الحاج ابراهيم الشواك لما رمى به في أتون مايسميه هو بالجهاد ومناصرة الإسلام, وهو الذي كان يلعب مع الجهتين المتصارعتين تحت الطاولة,حتى إذا انتصرت جهة على أخرى يجد نفسه وقد كان على صلة بها,فيجد لنفسه موقعا مع الجهة الغالبة الجديدة ليزيد في تضخيم وإنماء ثروته وتوسيع تجارته, ونجد كذلك بائع الخضر "ادريس النوباوي", وصاحب بخيت منديل أيام الإعتقال" جوهر" الرجل الذي اختفى دون أن يترك أثرا لمعرفة سبب اختفائه وإن كان أغلب الظن أن للأمر علاقة بزوج "التومة" المرأة التي كانت "تخدم" السجناء في غفلة من الحراس وتقدم لهم "خدمات "شتى بمقابل الحصول على المال.
هي لغة جمعت بين الشعر, والملحمة, والخطاب الديني"أظن القاتل أن لن يقدر عليه أحد؟"ص 91 وهو سؤال كما يلاحظ القارىء يجيء على غرار سؤال ورد في النص القرآني,كما نجد ترانيم وابتهالات عشقية رقيقة كرقة الروح التي تسردها لحظة الهيام بالعشق والحب,لغة تعتمد على وثائق تاريخية لتنهل من تعابير المرحلة المتحدث عنها..إنه اجتهاد يشهد عن الجهد المبذول من طرف الروائي حمور زيادة للإتيان برواية سيكون لها في اعتقادنا ما بعدها في المنجز الروائي الشخصي لحمور زيادة وكذا في منجز الرواية السودانية والعربية ....

إدريس أنفراص المغرب anfras driss

عشق الدرويش :رواية حمور زيادة منشورات دار العين للنشر الطبعة الثانية 2014
رواية فائزة بجائزة نجيب محفوظ للأدب 2014 وهي كذلك في اللائحة القصيرة لنيل جائزة البوكر للرواية العربية لسنة 2015 
 

شوهد المقال 1477 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats