الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | حكيمة صبايحي - النقد الأخلاقي للنص الأدبي/ أو الترويج لبيضة فاسدة

حكيمة صبايحي - النقد الأخلاقي للنص الأدبي/ أو الترويج لبيضة فاسدة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

حكيمة صبايحي 
 
يسميهم المفكر اللبناني علي حرب: " الآلهة الجدد" في كتابه المعنون: " تواطؤ الأضداد/ الآلهة الجدد و خراب العالم"،،، يقرنون الواقع بالخيال، و يتهربون من مواجهة الحقيقة في الواقع، كبشر مسؤولين عن "حياة" لا عن "موت" الإنسان، بسهولة يتبنون محاكمة شخصيات خيالية لها معادلاتها الواقعية، لكن من يجرؤ على تكفير الملايين،،، الملاييين من البشر على بساط الأرض؟....
ما كانت الحياة لتخلق هذا المتنفس الذي يسمى: الفن بكل أنواعه و أشكاله لو كانت الحقيقة في متناول الإنسان أن يتحملها دون أن يتصدع....
الذين يكفرون الكتاب ـ و الكاتب له مما خص الله به ذاته، بإذنه، فقد كتب تعالى الكون، قبل أن يخلقه،،، و جعل للبشر موهبة الكتابة، ليكتبوا حياتهم، كيفما كانت، لا حياة الملائكة، حتى يدركوا بعض ما ورد في النص المطلق، فلا يعقل لناقص أن يفهم الكمال إلا إذا فهم نقصه، و مواجهة النقص، مضر كمواجهة موسى عليه السلام لنور الله، و الجبل الذي تصدع و ما أدراك ـ تلك الحقيقة من ذلك الحق،،، لم يوهب الإنسان قوة مواجهتها، لكن منح حق التوبة في كل مرة يكتشف شيئا منها و ما أدراك... ـ هل لهم صلات مقربة بالله،،، صلات سرية تشبه علاقات أرباب العمل بالسلطة الحاكمة التي تجعلهم يتصرفون في اقتصاد الجزائر، كأنهم يتصرفون في مزرعة والدهم و ما أدراك.....

 

 

ماذا يكتب الكاتب؟ و عن من يكتب؟ هل يكتب كخطيب الجمعة الذي يهدي الناس إلى سبيل الدين؟ أم يكتب كخطيب السياسة الذي يروج لبضاعته الكاسدة بالأكاذيب الوطنية المقدسة؟ من يحدد له الموضوع و طريقة المعالجة؟ هل يجب تجريم الكاتب الذي يكتب عن الأوضاع الحرجة للبشر،،، في تيههم الكوني و هم يبحثون عن معنى يسند،،، مرورهم العابر على هذه الأرض؟.....
أم ـ و ببساطة ـ نحرض الكاتب على مزيد من الحرية، و لا نتواصل معه إلا تواصلا جماليا باعتبار النص و خطابه الجمالي الذي يؤسس لعالم بينما يهدم عالم آخر؟... لا يمكن أن يكون الكاتب خطيبا دينيا أو مناضلا سياسيا، أو مصلحا اجتماعيا، إلا بالمعنى الذي يجعل الخطابات المضمرة في المتن الجمالي، تخص النشاط البشري في تجاذبات: السياسي و الديني و الثقافي و الاقتصادي و الوجودي على المتسع.

 

 

ما أكثر غير المسلمين على الأرض، و الإسلام الذي بدأ دعوته بقوة السيف أنهاها بقوة البيان و الحجة العقلية: "لا إكراه في الدين" نبذ للعنف، " تبين الرشد من الغي" انتصار لبيان العقل،،، و كي يجد العقل طريقه إلى الوضوح، يخطئ كثيرا الإنسان،،، فليس في متناول الجميع هذا الذكاء العقلي، الذي يؤدي إلى "البيان"،،، لو كان للبشر هذه القوة العقلية الجبارة للاهتداء إلى الحق،،، ما حاجتنا إلى دنيا هي امتحانات، تنتهي بقيامة يديرها الخالق العظيم و له في خلقه شؤون تعالى سبحانه عما يصفون.
هل نتابع ـ أتحدث بصفتي مسلمة ـ طريق الدعوة إلى دين الفطرة كما الأجداد بالسيف، و نلغي بذلك الوقت و القرون و الإنسان و التاريخ،،، و لا اجتهاد إلا في تقديس الثبات، و نعود إلى العنف الجسدي المنظم، أم المعركة انتقلت من ساحة الجسد إلى ساحة العقل و الفكر، و كل فعل إما أن يتخذ شكل صدام أو حوار، لكن لا يبرح أرض: "إعمال العقل"؟....
كان الأجدر عندما يفقد القارئ آليات التعامل مع النص الأدبي ـ و مع الفن عموما ـ أن يدين الفعل القبيح الذي تقوم به الشخصيات الخيالية، لا أن يدين "الكاتب" كأنه هو خالقها، و عليه أن يتحمل عواقب أخطائها،،، و إلا ـ سأتمادى في التفكير ، و قد ضمن لي الرسول الكريم أجر الاجتهاد حتى و إن أخطأت، أليس هو القائل للمجتهد أجران إذا أصاب و أجر واحد إذا أخطأ؟ ـ ما دام ندين الكاتب الذي يستوحي من الواقع شخصيات يضفي عليها الكثير من الخيال حتى لا تتأذى كشخصيات حقيقية، يحاسب لأنه هو الذي خلقها في الكتاب،،، إذن سنحاسب الله ـ أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم ـ على كل الأشرار و السيئن في العالم أليس هو الذي خلقهم؟.
أعوذ من أي بشر أن أساويه بالله، العظيم، لكن خطورة المسألة فرضت علي هذا التمثل/ التمثيل. لو يصمت الكاتب عن الواقع البشري في شروطه التاريخية، لا في نظريات النصوص النظرية، سيعم العالم الخراب. لم تبق أرض تصلح للحقيقة إلا الكتابة،،، أليس يحكمنا رئيس ميت، و غير قادرين على الخروج إلى الشوارع للمطالبة بحقنا في رئيس يخاطبنا، و يمثلنا في المحافل الدولية،،، كيف سنواجه حقائق أخرى مروعة، كالمتاجرة بالدين في بطولة دموية من إنجاز مشترك للإسلاميين و العسكر، في الجزائر المعاصرة، كان ثمنها مئة ألف جزائري منحور، و أكثر من عشرين ألف جزائري مفقود؟.....

 

 

الصورة المرفوقة بمنشوري، التي تربط بين قانون جزائري يحاول أن يحد من العنف الذي تتعرض له النساء في الواقع، و هو عنف بديل لفشل مجتمعي عظيم، و ما قالته شخصية روائية للروائي كمال داود، هو ربط يشرح بوضوح أننا على استعداد عظيم للقتل،،، و أننا أبعد ما يكون عن أهل الحياة، الذين فيهم الدين فطرة محبة و خير، و يبنون من اللاشيء عالم من التسامح الخلاق...... و الصورة الثانية لفنان مغربي نسيت اسمه، رمزية جدا،،، لحقيقة عارية تطل على مدينة تبدو متكتمة و مستترة، و لكن......
الحوار ذاته تناقله فقهاء الأزهر عندما أدانوا حيدر حيدر في "وليمة لأعشاب البحر" و هدروا دمه، و الرواية تتحدث عن عراقي جاء إلى الجزائر، و في قصة حب بين العراقي و جزائرية ابنة شهيد يتم كشف الرعب الذي تعرض له العراقيون و الجزائريون،،، مما لا يجرؤ على قوله التاريخ الرسمي للبلدين، و مما وحده الشعوب تتجرعه في صمت، كأنها شعوب/ عبيد. 
في الأخير و باعتباري متخصصة في تحليل الخطاب الأدبي، أوضح للذين يتعاملون مع الكتابة الروائية على أنها سيرة ذاتية للكاتب. أن الرواية تتأسس في فضاء: زمان و مكان، يتحرك فيه شخصيات، يتحدثون بلغة تعبر عن انتماءاتهم و رؤاهم عن الذات و الوجود و العالم، لا يمكن أن يكون في الفضاء الروائي كل الشخصيات تقية و متدينة و فاضلة،،، و إلا كيف تترجم الرواية الصراع الموجود في العالم؟ و كيف تنقل ما يفكر فيه الضائعون و التائهون و الهامشيون و كل الأصناف البشرية؟ كل شخصية تتحدث بمستواها و معتقاداتها، فلا يجوز مثلا أن يتحدث في الرواية خطيب دين عن علاقاته السرية بزوجة صديقه،،، مثلا مثلا.... إنها أبسط شروط قراءة و تلقي النص الأدبي.
 
 للحديث بقية/ حكيمة صبايحي 
بجاية/ الثلاثاء 23/12/2014

 

 

شوهد المقال 1515 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

الثمن الباهظ

الثمن الباهظ شباب في سجن وكلاء الاستعمار دولة مدنية ماشي عسكرية جزائر جزائرية حب من حب وكره من كره 
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats