الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | البشير الشّيحي ...... في شعريّة الرّواية الواقع المتخيّل والخيال المتوقّع في رواية حنين للكاتبة عفاف السمعلي

البشير الشّيحي ...... في شعريّة الرّواية الواقع المتخيّل والخيال المتوقّع في رواية حنين للكاتبة عفاف السمعلي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 البشير الشّيحي*

لقد اخترت أن أنجز هذا التّحليل لرواية حنين دون تبويب منهجيّ إلى أساليب ومضامين ودلالات رغبة في إبراز التو اشج العميق بين الفنّ والدّلالة فالنصّ هو تناغم فريد بين الشّكل والمقاصد. قرأت :حنين: أبحرت في سطورها المحتفلة بأهازيج السّماء, ورأيت أنّ الحلم يتكاثر في أجفان قمر وابتسامات سماء.هي رواية صيغت بأسلوب جديد خلّص اللّغة من سلطة النّثر وجعلها ترتاد مناطق الشّعر في كون توا شجت فيه الرّؤى بالواقع ممّا جعلت الأضداد المتنافرة تتناغم في انصهار عجيب وتآلف لذيذ. حنين كتابة من جنس الرّواية سردت تفاصيل أحداثها الكاتبة عفاف السمعلي في فصول تطلّ علينا , تثير الرّاكد فينا, وتوغل في صحراء التّيه عجيبة الصّوت شرقيّة المنبت , ورغم أنّها على قلق نسجت لنا الروائيّة الشّاعرة نصّا مدهشا وتتجلّى مواطن العجب في كونها جمعت بين التّخييل والتّعبير أي أنها كانت مبدعة في تصوير المشاهد كما كانت صادقة في بوحها , فنصّها هذا مربك لا يفصل بين الأجناس , بل يجمعها في دفق شعريّ حتى نخال أنفسنا أننا أمام شعريّة تنساب من روح متعطّشة للجمال . متشوّقة لوطن موعود ,منشود فيه بعض أوجاعنا وكثير من أحلامنا, لغة حنين تهطل في عزف موقّع الأصوات متماثل التّراكيب هو إيقاع الرّوح التي تنشد تماثلا وتناغما . بدت عفاف السّمعلي هنا روائيّة وشاعرة وأحيانا نجدها تختصّ بوظيفة الحكي لأنها تنقل انفعالات شمس الى صوت يرفرف فوق أحرف حالمة كما تسرد أحيانا أخرى سيرة ذات رامت أن تبوح بما ثقل , بما ترسّب في ذاكرتها بانتشاء طفوليّ وغزارة عالم يمتدّ ليعانق تلك السّماء.هكذا نجد في روايتها خصيصة التّناص ممّا أكسب طرائق القصّ تنوّعا وثراء فهي لا تخضع الى جنس واحد لأنها تؤمن بتناغم المتناقضات . وبدا نصّها متأثرّا بما عاشته الكاتبة من أحداث جرى بعضها في الواقع المعيش و وتشكّل البعض الآخر في مخيّلتها الخصبة. وقد وزّعت الرّواية إلى فصول معنونة ترواحت بين عالمي الأرض والسّماء, الموجود والمنشود , العدم والوجود لتجعل الصّراع سمة القصّ في الرّواية . وبالنّسبة إلى أنماط الكتابة فقد استندت الكاتبة إلى الحوار بنوعيه المباشر بين شمس وقمر والباطنيّ الذّي نقل لحظات المكاشفة الصّاخبة النّابضة . وكان سردها الرّوائيّ نفسيّا وجدانيّا كما كان فكريّا نقديّا رصدت من خلاله ماعلق بالذّاكرة من أحداث تبدو إخبارا متأثّرا بالمعيش لكنّ الغنائيّة المنتشرة في الرّواية تجعلنا في رحاب نثر كأنه نظم ونظم كأنّه نثر لتبرز أدبيّة النصّ كما ورد في قول قمر: كلّ الأوطان أوطاني, ووطني جرح في دمي القاني: ونجد في موطن آخر:. أراك في موج البحر. في أعين الأطفال فتنسيني جرح السنين.على ستائر غرفتي في عطوري وأثوابي أرسم اسمك على الرمال على كفّ يدي فتسبيني.أراك بسمة تغمر ثغري فتشفيني.،عصفورا داخل شراييني يرتجف فيك حنيني. هو نصّ عفاف السمعلي يحملك الى عالمه المتعدّد المتكاثر, ذلك أنّنا نجدها تضطلع بوظيفة القصّ والسّرد والرّواية ,وأحيانا تستدعي من ينوبها ويقوم مقامها لأّنها تعلم أنّ الكتابة ذات الأبعاد الإنسانيّة والمشارب الفكريّة والمدارس الجماليّة تكون متعدّدة الأصوات. -أخذ قمر نفسا عميقا وشكر الشّيخ وانصرف وعيناه تبتسمان. إنّ الرّاوي في هذه الرّواية ذات الطّابع الشعريّ النفسيّ لا ينقل الأخبار ويسرد الأحداث فحسب بل نجده عليما يفكّك الإلغاز الذّي يحفّ بالشّخصيات فيحاورها ويستدرجها للبوح بما تخفيه من أحلام وآلام فكأنه صوت داخليّ عاشر تلك الخلجات الباطنيّة فجعل لها مرايا تنقل انفعالاتها , رغباتها ووجعها السّاكن فيها. هو يصغي فينقل الأخبار ال واللّحظات الهاربة كي تصير أفقا رحبا أمام طموح الشّخصيتين. انّك تقرأ الرّواية فتجدها متعدّدة الأزمنة والأمكنة , هنا وهناك ,الآن وذاك الغد الذّي يعلن عن ميلاد زمن تتجلّى فيه الذّوات أمثلة لإنسان يضرب في الأرض بحثا عن مورد ماء زلال.فكان قمر في ملامحه وصفاته وأقواله وافتعاله صورة للإنسان الشّرقي الذّي يكدّ كي يمنح الآخرين بهجة الحياة, يحضن وجعه ويرحل , يقيم في الحلم وينبض يتسلّق الجبل بحثا عن شمسه ويحبو في الجرح وفيها كما ترى الكاتبة ذلك ليعيش فتنة اللّحظة وسلطة الوجد, كما نراه مثل أوديب يحمل وجعه في أنفاسه, يتأبطّ العلّة ولا يذوي يكرع من دجلة والفرات عذوبة تحييه فينطلق عتيّ الصّوت انّه يعلم أن العراق خصب خصوبة الجنان الوارفة. قمر بطل قدّ من صلابة الصّخر ورّقة الأحلام , هو الفاعل في أحداث الرّواية وهو الشّخصيّة التي حمّلتها الكاتبة مجموعة من الدّلالات باعتباره صنو الانتماء, رديف الأصالة, عربيّ الوجدان يعشق فيتعذّب , يثور فيقهر التّيه والاغتراب, كأنّه طالع من مضارب الخيام ليقهر الظّلام ويجلد السّكون والاستكانة. أمّا شمس فهي امرأة بدويّة النّشأة عربيّة المنبت , تلتهم عطشها إلى قمر داخل أشواقها كما يلتهم عطشه إليها داخل الأكلات . شمس شخصّة روائيّة مركبّة من صمت وبوح, تراب وموج, قناعة وطموح.فهي التيّ كانت تدير الأحداث, تحاور شمس كلّ شبر من أرضها وتطوي المسافات متلهّفة الى معانقة الضّياء في سمائها. نجدها تبحث عن نور قمر في أمواجها وتعيش أحداث الرّواية في شقّتها وهي تنسج عراجين لقاء مع قمر , امرأة منتمية إلى غروب آسر و بهاء فاخر, هي نديّة كزهرة الياسمين , مشرقة في كفاح الحالمين . هكذا بدت شمس كائنا روائيّا له حمّلته الكاتبة بعض همومها ومشاغلها فبدت تسرد سيرة حياتها على نحو مخصوص ودون أن يكون القصّ تقريرا و إخبارا لأنّ فيها كثيرا من الرّمز والدّلالة, ولقد وجدت شخصيّة شمس فاعلا أساسيّا في الأحداث ذلك أنّها أدارت تطوّرها وصاغت كلّ تفاصيلها وهي حاضرة في النصّ تروي, تعلّق , تصوّر وتعيد ما ورد شتاتا بأسلوب أدبيّ متطوّر ولغة شعريّة متدفّقة, كما تستند أحيانا الى اليوميّ واللّهجة المحليّة لأن الكتابة عندها ذات مغزى أنساني ملتزم, إنّ عفاف السمعلي فتحت روايتها على الواقع المعيش فعاشت بطلتها ما جرى من أحداث اجتماعيّة وسياسيّة -عشقت هذا النّوع من النساء .عشقت سناء يوسف محيدلي التي صعقت بني صهيون لتسقط شهيدة اثر قيامها بعملية فدائية فتمنح بذلك وسام الشرف للأنوثة الممطرة بهاء ونضالا ، والوجه المشرق للجمال الدائم فيتناثر دمها ليروي غابات الزيتون.- كما رصدت ما عاشه وطنها زمن الثّورة من وقائع كي يهطل الرّبيع حلما ويتفجّر قمر في دمها شموعا, زمن الثّورة التّي دكّت صرح الاستبداد من أجل نحت مراسم حلم قد يعيد لنا صورة قرطاج وهي تصوغ تاريخا مجيدا . هذه رواية حنين تجمّلت بالحلم والأنين وعبّرت عن توق للنّور لأن شمس وقمر متّحدان من أجل غرس أغصان صلبة من أجل العروج إلى السّماء قهرا للعدم واحتفاء بنداء الأفق الشرّقي المطلّ من العراق رقصا , السّاكن في تونس عطرا والمنفتح على الوطن العربيّ حلما. البشير الشّيحي: سوسة , تونس أستاذ عربيّة مهتم بكتابة الشّعر والرّواية والنّقد , عضو مؤسّس في البيت الثقافي العراقيّ التّونسيّ

قرأت :حنين: أبحرت في سطورها المحتفلة بأهازيج السّماء, ورأيت أنّ الحلم يتكاثر في أجفان قمر وابتسامات سماء.هي رواية صيغت بأسلوب جديد خلّص اللّغة من سلطة النّثر وجعلها ترتاد مناطق الشّعر في كون تواشجت فيه الرّؤى بالواقع ممّا جعلت الأضداد المتنافرة تتناغم في انصهار عجيب وتآلف لذيذ. حنين كتابة من جنس الرّواية سردت تفاصيل أحداثها الكاتبة عفاف السمعلي في فصول تطلّ علينا , تثير الرّاكد فينا, وتوغل في صحراء التّيه عجيبة الصّوت شرقيّة المنبت , ورغم أنّها على قلق نسجت لنا الروائيّة الشّاعرة نصّا مدهشا وتتجلّى مواطن العجب في كونها جمعت بين التّخييل والتّعبير أي أنها كانت مبدعة في تصوير المشاهد كما كانت صادقة في بوحها , فنصّها هذا مربك لا يفصل بين الأجناس , بل يجمعها في دفق شعريّ حتى نخال أنفسنا أننا أمام شعريّة تنساب من روح متعطّشة للجمال . متشوّقة لوطن موعود ,منشود فيه بعض أوجاعنا وكثير من أحلامنا, لغة حنين تهطل في عزف موقّع الأصوات متماثل, التّراكيب هو ايقاع الرّوح التي تنشد تماثلا وتناغما . بدت عفاف السّمعلي هنا روائيّة وشاعرة وأحيانا نجدها تختصّ بوظيفة الحكي لأنها تنقل انفعالات شمس الى صوت يرفرف فوق أحرف حالمة كما تسرد أحيانا أخرى سيرة ذات رامت أن تبوح بما ثقل , بما ترسّب في ذاكرتها بانتشاء طفوليّ وغزارة عالم يمتدّ ليعانق تلك السّماء.هكذا نجد في روايتها خصيصة التّناص ممّا أكسب طرائق القصّ تنوّعا وثراء فهي لا تخضع الى جنس واحد لأنها تؤمن بتناغم المتناقضات . وبدا نصّها متأثرّا بما عاشته الكاتبة من أحداث جرى بعضها في الواقع المعيش و وتشكّل البعض الآخر في مخيّلتها الخصبة. وقد وزّعت الرّواية إلى فصول معنونة ترواحت بين عالمي الأرض والسّماء, الموجود والمنشود , العدم والوجود لتجعل الصّراع سمة القصّ في الرّواية . وبالنّسبة الى أنماط الكتابة فقد استندت الكاتبة الى الحوار بنوعيه المباشر بين شمس وقمر والباطنيّ الذّي نقل لحظات المكاشفة الصّاخبة النّابضة . وكان سردها الرّوائيّ نفسيّا وجدانيّا كما كان فكريّا نقديّا رصدت من خلاله ماعلق بالذّاكرة من أحداث تبدو اخبارا متأثّرا بالمعيش لكنّ الغنائيّة المنتشرة في الرّواية تجعلنا في رحاب نثر كأنه نظم ونظم كأنّه نثر لتبرز أدبيّة النصّ كما ورد في قول قمر: كلّ الأوطان أوطاني, ووطني جرح في دمي القاني: ونجد في موطن آخر:. أراك في موج البحر. في أعين الأطفال فتنسيني جرح السنين.على ستائر غرفتي في عطوري وأثوابي أرسم اسمك على الرمال على كفّ يدي فتسبيني.أراك بسمة تغمر ثغري فتشفيني.،عصفورا داخل شراييني يرتجف فيك حنيني. هو نصّ عفاف السمعلي يحملك الى عالمه المتعدّد المنكاثر, ذلك أنّنا نجدها تضطلع بوظيفة القصّ والسّرد والرّواية ,وأحيانا تستدعي من ينوبها ويقوم مقامها لأّنها تعلم أنّ الكتابة ذات الأبعاد الانسانيّة تكون متعدّدة الأصوات والمشارب الفكريّة والمدارس الجماليّة. فنجد صوتا آخر تسلّمه تلك الوظيفة حين تتعطّل اللّغة في مسارب الشّكوى والاحتراق: -أخذ قمر نفسا عميقا وشكر الشّيخ وانصرف وعيناه تبتسمان. فالرّاوي في رواية الكاتبة لا ينقل الأخبار ويسرد الأحداث فحسب بل نجده علي يفكّك الالغاز الذّي يحفّ بالشّخصيات فيحاور

في شعريّة الرّواية الواقع المتخيّل والخيال المتوقّع في رواية حنين للكاتبة عفاف السمعلي لقد اخترت أن أنجز هذا التّحليل لرواية حنين دون تبويب منهجيّ إلى أساليب ومضامين ودلالات رغبة في إبراز التّواشج العميق بين الفنّ والدّلالة فالنصّ هو تناغم فريد بين الشّكل والمقاصد. قرأت :حنين: أبحرت في سطورها المحتفلة بأهازيج السّماء, ورأيت أنّ الحلم يتكاثر في أجفان قمر وابتسامات سماء.هي رواية صيغت بأسلوب جديد خلّص اللّغة من سلطة النّثر وجعلها ترتاد مناطق الشّعر في كون تواشجت فيه الرّؤى بالواقع ممّا جعلت الأضداد المتنافرة تتناغم في انصهار عجيب وتآلف لذيذ. حنين كتابة من جنس الرّواية سردت تفاصيل أحداثها الكاتبة عفاف السمعلي في فصول تطلّ علينا , تثير الرّاكد فينا, وتوغل في صحراء التّيه عجيبة الصّوت شرقيّة المنبت , ورغم أنّها على قلق نسجت لنا الروائيّة الشّاعرة نصّا مدهشا وتتجلّى مواطن العجب في كونها جمعت بين التّخييل والتّعبير أي أنها كانت مبدعة في تصوير المشاهد كما كانت صادقة في بوحها , فنصّها هذا مربك لا يفصل بين الأجناس , بل يجمعها في دفق شعريّ حتى نخال أنفسنا أننا أمام شعريّة تنساب من روح متعطّشة للجمال . متشوّقة لوطن موعود ,منشود فيه بعض أوجاعنا وكثير من أحلامنا, لغة حنين تهطل في عزف موقّع الأصوات متماثل التّراكيب هو إيقاع الرّوح التي تنشد تماثلا وتناغما . بدت عفاف السّمعلي هنا روائيّة وشاعرة وأحيانا نجدها تختصّ بوظيفة الحكي لأنها تنقل انفعالات شمس الى صوت يرفرف فوق أحرف حالمة كما تسرد أحيانا أخرى سيرة ذات رامت أن تبوح بما ثقل , بما ترسّب في ذاكرتها بانتشاء طفوليّ وغزارة عالم يمتدّ ليعانق تلك السّماء.هكذا نجد في روايتها خصيصة التّناص ممّا أكسب طرائق القصّ تنوّعا وثراء فهي لا تخضع الى جنس واحد لأنها تؤمن بتناغم المتناقضات . وبدا نصّها متأثرّا بما عاشته الكاتبة من أحداث جرى بعضها في الواقع المعيش و وتشكّل البعض الآخر في مخيّلتها الخصبة. وقد وزّعت الرّواية إلى فصول معنونة ترواحت بين عالمي الأرض والسّماء, الموجود والمنشود , العدم والوجود لتجعل الصّراع سمة القصّ في الرّواية . وبالنّسبة إلى أنماط الكتابة فقد استندت الكاتبة إلى الحوار بنوعيه المباشر بين شمس وقمر والباطنيّ الذّي نقل لحظات المكاشفة الصّاخبة النّابضة . وكان سردها الرّوائيّ نفسيّا وجدانيّا كما كان فكريّا نقديّا رصدت من خلاله ماعلق بالذّاكرة من أحداث تبدو إخبارا متأثّرا بالمعيش لكنّ الغنائيّة المنتشرة في الرّواية تجعلنا في رحاب نثر كأنه نظم ونظم كأنّه نثر لتبرز أدبيّة النصّ كما ورد في قول قمر: كلّ الأوطان أوطاني, ووطني جرح في دمي القاني: ونجد في موطن آخر:. أراك في موج البحر. في أعين الأطفال فتنسيني جرح السنين.على ستائر غرفتي في عطوري وأثوابي أرسم اسمك على الرمال على كفّ يدي فتسبيني.أراك بسمة تغمر ثغري فتشفيني.،عصفورا داخل شراييني يرتجف فيك حنيني. هو نصّ عفاف السمعلي يحملك الى عالمه المتعدّد المتكاثر, ذلك أنّنا نجدها تضطلع بوظيفة القصّ والسّرد والرّواية ,وأحيانا تستدعي من ينوبها ويقوم مقامها لأّنها تعلم أنّ الكتابة ذات الأبعاد الإنسانيّة والمشارب الفكريّة والمدارس الجماليّة تكون متعدّدة الأصوات. -أخذ قمر نفسا عميقا وشكر الشّيخ وانصرف وعيناه تبتسمان. إنّ الرّاوي في هذه الرّواية ذات الطّابع الشعريّ النفسيّ لا ينقل الأخبار ويسرد الأحداث فحسب بل نجده عليما يفكّك الإلغاز الذّي يحفّ بالشّخصيات فيحاورها ويستدرجها للبوح بما تخفيه من أحلام وآلام فكأنه صوت داخليّ عاشر تلك الخلجات الباطنيّة فجعل لها مرايا تنقل انفعالاتها , رغباتها ووجعها السّاكن فيها. هو يصغي فينقل الأخبار ال واللّحظات الهاربة كي تصير أفقا رحبا أمام طموح الشّخصيتين. انّك تقرأ الرّواية فتجدها متعدّدة الأزمنة والأمكنة , هنا وهناك ,الآن وذاك الغد الذّي يعلن عن ميلاد زمن تتجلّى فيه الذّوات أمثلة لإنسان يضرب في الأرض بحثا عن مورد ماء زلال.فكان قمر في ملامحه وصفاته وأقواله وافتعاله صورة للإنسان الشّرقي الذّي يكدّ كي يمنح الآخرين بهجة الحياة, يحضن وجعه ويرحل , يقيم في الحلم وينبض يتسلّق الجبل بحثا عن شمسه ويحبو في الجرح وفيها كما ترى الكاتبة ذلك ليعيش فتنة اللّحظة وسلطة الوجد, كما نراه مثل أوديب يحمل وجعه في أنفاسه, يتأبطّ العلّة ولا يذوي يكرع من دجلة والفرات عذوبة تحييه فينطلق عتيّ الصّوت انّه يعلم أن العراق خصب خصوبة الجنان الوارفة. قمر بطل قدّ من صلابة الصّخر ورّقة الأحلام , هو الفاعل في أحداث الرّواية وهو الشّخصيّة التي حمّلتها الكاتبة مجموعة من الدّلالات باعتباره صنو الانتماء, رديف الأصالة, عربيّ الوجدان يعشق فيتعذّب , يثور فيقهر التّيه والاغتراب, كأنّه طالع من مضارب الخيام ليقهر الظّلام ويجلد السّكون والاستكانة. أمّا شمس فهي امرأة بدويّة النّشأة عربيّة المنبت , تلتهم عطشها إلى قمر داخل أشواقها كما يلتهم عطشه إليها داخل الأكلات . شمس شخصّة روائيّة مركبّة من صمت وبوح, تراب وموج, قناعة وطموح.فهي التيّ كانت تدير الأحداث, تحاور شمس كلّ شبر من أرضها وتطوي المسافات متلهّفة الى معانقة الضّياء في سمائها. نجدها تبحث عن نور قمر في أمواجها وتعيش أحداث الرّواية في شقّتها وهي تنسج عراجين لقاء مع قمر , امرأة منتمية إلى غروب آسر و بهاء فاخر, هي نديّة كزهرة الياسمين , مشرقة في كفاح الحالمين . هكذا بدت شمس كائنا روائيّا له حمّلته الكاتبة بعض همومها ومشاغلها فبدت تسرد سيرة حياتها على نحو مخصوص ودون أن يكون القصّ تقريرا و إخبارا لأنّ فيها كثيرا من الرّمز والدّلالة, ولقد وجدت شخصيّة شمس فاعلا أساسيّا في الأحداث ذلك أنّها أدارت تطوّرها وصاغت كلّ تفاصيلها وهي حاضرة في النصّ تروي, تعلّق , تصوّر وتعيد ما ورد شتاتا بأسلوب أدبيّ متطوّر ولغة شعريّة متدفّقة, كما تستند أحيانا الى اليوميّ واللّهجة المحليّة لأن الكتابة عندها ذات مغزى أنساني ملتزم, إنّ عفاف السمعلي فتحت روايتها على الواقع المعيش فعاشت بطلتها ما جرى من أحداث اجتماعيّة وسياسيّة -عشقت هذا النّوع من النساء .عشقت سناء يوسف محيدلي التي صعقت بني صهيون لتسقط شهيدة اثر قيامها بعملية فدائية فتمنح بذلك وسام الشرف للأنوثة الممطرة بهاء ونضالا ، والوجه المشرق للجمال الدائم فيتناثر دمها ليروي غابات الزيتون.- كما رصدت ما عاشه وطنها زمن الثّورة من وقائع كي يهطل الرّبيع حلما ويتفجّر قمر في دمها شموعا, زمن الثّورة التّي دكّت صرح الاستبداد من أجل نحت مراسم حلم قد يعيد لنا صورة قرطاج وهي تصوغ تاريخا مجيدا . هذه رواية حنين تجمّلت بالحلم والأنين وعبّرت عن توق للنّور لأن شمس وقمر متّحدان من أجل غرس أغصان صلبة من أجل العروج إلى السّماء قهرا للعدم واحتفاء بنداء الأفق الشرّقي المطلّ من العراق رقصا , السّاكن في تونس عطرا والمنفتح على الوطن العربيّ حلما.
 
*سوسة , تونس أستاذ عربيّة مهتم بكتابة الشّعر والرّواية والنّقد , عضو مؤسّس في البيت الثقافي العراقيّ التّونسيّ.

شوهد المقال 2160 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب يصدر ديوانه الثامن عشر { المرأة الحلم } في بغداد

المرأة الحلم ..قريبا في بغدادديوان جديد للشاعر العراقي المغترب علاء الأديبفي موعد قريب ومن بغداد سيصدر الشاعر العراقي علاء الأديب المقيم في تونس ديوانه الثامن
image

وليد بوعديلة ـ ذاكرة "قالمة " وهويتها في رواية سنوات المحبة للأزهر عطية

د.وليد بوعديلة  رواية " سنوات المحبة" للكاتب الجزائري الأزهر عطية:تحولات وطن،وهج فني وهوية مدينة بعد أن أبدع الكثير من النصوص التي عانقت التاريخ الجزائري، يختار الكاتب
image

محمد محمد علي جنيدي ـ هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ يا فؤادي لا تسلْ كيف ارتضيتُ هذه الدنيا قلاعٌ من عذابٍ وسيولٌ من دموعي فاكتفيتُ كانت الأيامُ
image

معتقلي الرأي في الحراك الشعبي الجزائري

ابراهيم دواجي  اخوتي: محمد دعدي، توفيق حلاتي، محمد سمالح، نبيل بوالقمح، رضا عمرود، رابح بلكور، الشيخ ڨاريدي، رشيد، رضا بوعريسة، بوعلام الغاز، الصادق، بشير،
image

زوايمية العربي ـ محمد شرفي وتاريخه الأسود ضد الجزائريين

 زوايمية العربي  محمد شرفي الاسم الذي لم انساه منذ 33 سنة . افلاني ريعي من ولاية قالمة كان صديق
image

البروفيسور الجزائري عبد العزيز برغــوث يحرز على جائزة التميز الدولية لهذا العام "جائزة جواهر العالم الإسلامي" بمساهماته في وضع خطة ماليزيا للتنيمة 2050 منذ سنوات

محمد مصطفى حابس : جنيف /  سويسرا The JEWELS OF MUSLIM WORLDLes joyaux du prix du monde musulman هجرة العقول أو الكفاءات ظاهرة تاريخيّة لم ترتبط بمكان
image

حمزة حداد ـ المختفون قسرا في الجزائر حراك مستمر

حمزة حداد  منذ أسبوع تدخل الأستاذ مصطفى بوشاشي بمقر حزب الافافاس، حول قضية المساجين السياسيين والمفقودين بدزاير في فترة التسعينات، وتحدث عن حجم المعاناة
image

نوري دريس ـ فرصة تاريخية للجزائر يجب أن لا تضيع...

د.نوري دريس   منذ بداية الحراك، وكلما دخلت في نقاش مع الناس العاديين، إلا و قالوا لي: سوف تقوم السلطة باعتقال طابو( بسبب غباء السلطة
image

جباب محمد نورالدين ـ شاهد على إعدام سيد قطب : من عمق القرية في الأوراس الجزائرية

د. جباب محمد نورالدين    كان ذلك في الستينيات و في العطلة الصيفية التي أقضيها في القرية مثل معظم الجزائريين في تلك الفترة كانت والدتي أطال
image

عماد البليك ـ فصول من كتاب جديد: الفكر المطارد في السودان عبر القرون 3

عماد البليك البدايات.. ثورة أركاماني:  بالعودة إلى جذور التاريخ السوداني وإلى أول الممالك القديمة في السودان الشمالي، قبل الميلاد، سوف نجد أن الكهنة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats