الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | حبيب مونسي .... متى يكون الأدب أدبا إسلاميا؟ عندما يكون الأدب إنسانيا.... هل سيكون حتما أدبا إسلاميا؟؟؟

حبيب مونسي .... متى يكون الأدب أدبا إسلاميا؟ عندما يكون الأدب إنسانيا.... هل سيكون حتما أدبا إسلاميا؟؟؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
حبيب مونسي 
 
 
سيقول كثير من الناس أن الأدب الذي يلتزم بآداب الإسلام، ويتحرك ضمن رؤيته فيما يتصل بالحياة وأحوالها، أو ما يتعلق بالروح وأشواقها، يعد أدبا إسلاميا. فيحددون أولا الإطار يالتسمية، ثم يحاولون جعل العناصر الأدبية تدور في ساحته ضيقا واتساعا. ذلك هو الفهم الذي ساير ما يعرف بالأدب الإسلامي في نهاية القرن الماضي، وأنتج نصوصا، وأنجز أعملا، تسمت بهذا الاسم، واتخذت لنفسها مسارا معروفا في العالم العربي والإسلامي. ودخل في صراع مرير مع الآداب الأخرى ذات الطابع الدنيوي. واتسمت المعركة بحوار شابه العنف في كثير من مواقفه ومقولاته، وانزلقت بعض الكتابات إلى التجريح، والتهكم،والتكفير.
لقد كان هذا الوضع نابعا أولا من سوء فهم معنى "التدين" عند هؤلاء وهؤلاء، ظنا منهم أن التدين سيجعل الأديب رهين التبشير بدينه، وتحويل كافة الوسائل التي بين يديه إلى وسائل للوعظ والإرشاد، واتخاذ الأدب منبرا للخطب الرنانة، التي تثير المشاعر وتحمسها لغاياتها المباشرة. ويجبره على التخلي عن كثير من القضايا التي تتصل بالذات وأحوالها المختلفة. غير أننا حينما نراجع معنى "التدين" عند كافة المفكرين، سنجده واقعا لا يخرج عن "اختيار" تستقر عليه الذات في لحظة من لحظات العمر، لتنظم علاقتها مع الله والعباد. فلا تتحرك في علاقتها مع الله إلا من خلال المسالك التي حددها الخالق، وارتضاها لها تعرُّفا، وتعبدا. ولا تتعامل مع غيرها إلا من خلال السلوك الذي حدده الدين لعلاقة الناس فيما بينهم. ولن تجد في هذه المسالك عنتا أو ضيقا، كما أنك لن تجد في علاقات الناس ما يهضم حقا، أو يبخس قيمة. بل تتحرك الذات في فضاء من التعايش السلمي الذي يكفل للغير، قبل أن يكفل لها أسباب السعادة والهناء.
ليس في التدين من عنت، وليس في الالتزام بآدابه من ضيق أو تضييق. لأنه في أبسط تعريف له، هو ما تطمح إليه الإنسانية في كل أحوالها شرقا وغربا. فإذا كنا نستجيد من آداب الشعوب أقوالا، ونستحسن أفعالا، فلأننا نجد فيها ذلك "القسط" المشترك بيننا، فيما يمليه التدين على صاحبه من أقوال ومن فعال. وكل أدب سطر مثل هذه المواقف، سواء أكان أدبا عربيا أو غير عربي، هو أدب "إسلامي" بالنسبة لنا، بمعنى أنه يوافق فطرة الإنسانية عندنا. ومن ثم صار أدبا "إنسانيا" يجب علينا تعلمه والاستفادة منه.
وخير دليل على هذا ما جاء في الأثر من قول ابن عباس رضي الله عنه:« خذ الحكمة ولا يضرك من أي وعاء خرجت » فيجوز لنا التوسع في دلالة "الحكمة" لنجعلها: كل قول أو فعل يوافق الطبع فلا يستهجنه، وكل قول يكشف للذات مجهولا، ويبين لها مستغلقا، ويزيدها معرفة بواقعها، هو من قبيل "الحكمة" التي لا ننظر إلى مصدرها. كما أنه يجوز لنا توسيع معنى "الوعاء" ليشمل اللغات كلها. فيكون الحاصل من هذا الفهم أن "الحكمة" التي تتجلى في الآداب العالمية حكمة "إسلامية" بمعنى من المعاني. وإسلاميتها تأتيها من موافقتها الطبع والفطرة الكائنة في كل نسمة بشرية.. فكلنا لآدم وآدم من تراب.
أما الحقيقة الأخرى التي يؤكد عليها الإثنولوجيون أنفسهم، أنه لم يخل مجتمع من المجتمعات من "التدين"، وبأي شكل من الأشكال كان ذلك التدين. فالمجتمعات اللائكية غير موجودة على وجه الحقيقة، وإنما هم أفراد في مجتمعات فقط، يتسهويهم البقاء خارج دائرة التدين زعما. غير أنهم في أحلك الحالات تجدهم أكثر الناس حديثا عن التدين والدين. كما أننا نعلم من الله عز وجل أنه لم يترك مجتمعا أو قرية من غير نذير. وبذلك تكون الفطرة البشرية واحدة في كل الأزمنة والأمكنة. ومن ثم يكون ما يتفصد عنها من أقوال سامية ومن أفعال جليلة، ومن فهم للحياة، مقبولا في ذائقة المجتمعات الأخرى.
إن "الاسلامية" التي نتحدث عنها في الأدب، هي خاصية تجعل ما نقدم من نصوص نستكتبها من تعبير الذات عن أحوالها، فنبلغ به قمم الإبداع التي تحرك المشاعر شرقا وغربا، هو ما يجعل ذلك التعبير تعبيرا إسلاميا. ليس بمعنى الانتماء إلى الدين الإسلامي، وإنما انتماء إلى الفطرة الإنسانية في الإنسان والوجود، والتي هي "الإسلام" أصالة. والذي يجعلني أعتقد هذا الاعتقاد، هو أن الله عز وجل لما بدأ الخلق بدأه بإحقاق "الإسلام" في المخلوقات كلها بمعنى "الانقياد" والطاعة. فقد خاطب السماوات والأرض، لحظة الخلق، بقوله: ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين.) (فصلت 11). وفي ردها ذاك، إقرار ب"الإسلام" في حركتها، وأحوالها، وهيئاتها. فالمسألة منتهية منذ البدء على نحو أراده الخالق لخلقه.
أما ما يكتبه كتاب اليوم في أشعارهم، ورواياتهم، ومسرحياتهم، وما يرسمونه في لوحاتهم، ويخرجونه في أفلامهم.. فهو لا يخرج عن تعبير عن واقع معيش، أو استشراف لواقع ممكن يريدونه من خلال رؤية يرونها، أو من خلال فكرة يستثمرونها.. ولن يخرج الأدب عن هذا الإطار أبدا. فالأدب وعاء يصب فيه التعبير صبا. فإذا وافق التعبير ما تصبو إليه الفطرة في الإنسان من خير وعدل واستقامة وحكمة، ودفع للضرر.. كان التعبير تعبيرا "إسلاميا" في فهمنا بالمعنى الأول، أما إذا خرج التعبير عن ذلك ليكون وسيلة للشر، والظلم، والشذوذ، باعد الفطرة وخرج من دائرة التعبير الإسلامي.
وهنا يجب أن نطرح السؤال التالي.. ما مصير أدب يتحدث عن الخمر، والمعصية، وانحطاط الإنسان؟ ألا يكون أدبا إسلاميا؟ والجواب بسيط لأننا ننظر إلى الوظيفة، ولا ننظر إلى الأدب في حد ذاته. فإذا كانت وظيفة الأدب فيه، هي تشريح وضعية مدروسة للخروج منها إلى التسامي، كان الأدب أدبا "إسلاميا" وإن كان كاتبه غير متدين البتة، و ينتمي إلى لغة أخرى. لأن صراع الإنسان مع الشر صراع يشارك فيه الإبداع البشري في كل الأزمنة والعصور.

شوهد المقال 2447 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه
image

رشيد زياني شريف ـ ماكينة الإعلام، مخلب العصابة

د. رشيد زياني شريف  مرة أخرة، ومن جديد، تتوّحد كافة وسائل الإعلام، المكتوبة منها والمرئية، المعربة والمفرنسة، "العلمانيةّ و"الإسلامية"، الحداثية والمحافظة، في الدفاع كلها عن الجلاد

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats