الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | شاكر لعيبي ..... الشعر جملة اعتراضية

شاكر لعيبي ..... الشعر جملة اعتراضية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

شاكر لعيبي  

 

 

حسب تقديري، هناك نمطان من المفكّرين والمثقفين في العالم العربيّ:
الأول: يُفسِّر ويُحلّل الظواهر والعيوب والهفوات، السياسية والثقافية والاجتماعية، ويجد تأويلات لحضورها. هذا (التفسير) و(التأويل) الضروريّ يبدو أحياناً في عيون قرائه وكأنه تخفيف من وطأتها وتبرير لها. الثاني: يضع تحت الشمس الظواهر المستعصية والعيوب والهفوات، ويَصِفُ فجاجتها وخطورة فعلها الآني وفاعليها. هذا (الوصف) الطريّ القاسي يبدو أحيانا في عيون قرائه وكأنه نسيان لأسباب الظواهر وهجر لتحليلها.
المُفسِّر الهادئ المهيب لا يتعارَض بالضرورة مع الوصّاف محروق القلب
هذا في النثر أما الشعر فإنه يبدو، بين هذا الطرف وذاك الطرف، وكأنه (جملة اعتراضية) لأنه لا يفًسّر ولا يصف: إنه يفعل فعلاً مغايراً.
ما هي الجملة الاعتراضية؟. هي التي تقع بين شيئين متلازمين، كالمبتدأ والخبر، أو كالفعل والفاعل، أو كالصفة والموصوف، إلى غير ذلك من مواقعها، والغرض من الجملة الاعتراضية هو التوكيد وتقوية الكلام وتحسينه. ويقال لها الجملة المعترضَة، وتتوسط بين أجزاء الجملة المستقلة لتقرير معنى يتعلق بها، أو بأحد أجزائها. نحوياً: لا محلّ لها من الإعراب وليست لها وظيفة نحويّة، ويمكن حذفها دون أن تتأثّر الجملة الحاضنة لها، ولها معنيان رئيسان: الدّعاء والتّفسير.
الشعر جملة اعتراضية لكن لها وظيفة عميقة ولا يمكن حذفها ولا تفسّر شيئاً، وهي ضرورة ماسة. إنها تعقيب على جملة الوجود، وتوقف مستمرّ في تأمل الموجود
الشعر، بوصفه جملة اعتراضية، يقع من جهته، وبدهاء، بين أمرين متلازمين كالمبتدأ والخبر والفعل والفاعل والصفة والموصوف، لكي يضيء أو يُقلقل أو يكسر العلاقة بينهما. إنه يقوم بخلق نظام جديد مختلف بينهما.
الشعر بهذا الدور الاعتراضي والمعترِض، لا يفعل سوى إرباك أنظمة اللغة المألوفة ويعاود تقليب المستتبّ فيها، ومن داخلها، بصفته هو أيضاً لغة. الشعر لغة وليس شيئاً آخر، لأن فن الشعر لا وجود له خارج اللغة. لهذا السبب لم أفهم البتة طوال حياتي معنى النقد الذي يُوجَّه لبعض الشعر على أنه (شعر لغة). عندما كنتُ أترجمُ شذرات أدبية من الفرنسية تذكرتُ موقف الشاعر العراقيّ فوزي كريم من الشعر الفرنسي الحديث، المُعْلَن مراراً وتكراراً، وآخره في عموده في "المدى" (2013/07/22): "ارتبتُ من الشعر الفرنسي، الذي يبدو لي أقرب إلى شعر اللغة، ومن تأثيراته المفجعة على شعر معاصرينا العرب، وفي لبنان والمغرب العربيّ خاصة..". ولا يبدو لي هذا الأمر دقيقاً، مع بالغ تقديري لعمق وعي فوزي كريم، فالشعر الفرنسيّ منذ مالارميه وحتى الآن، فيه "شعر اللغة" – وهذا مصطلح في غاية الغموض- و"شعر اللا لغة" لكي نجاري المصطلح.
عندما نقول إن الشعر جملة اعتراضية عميقة وضرورية، فإنه لا يقع فقط في (استخدام الكلام) و(الظرف والطرفة) كما هو الحال في تيّار عريض سائد اليوم، ولا يكتفي بـ (الجرأة) الأيروتيكية، كما هو الحال في تيّار نسائيّ سائد اليوم أيضاً.
جملة اعتراضية لا غِنى عنها. قرأتُ جملة جان كوكتو، مثل أبناء جيلي وحفظتها عن ظهر قلب: "الشعر ضرورة وآه لو أعرف لماذا". الآن وجدتُ الجملة الأصلية الأقرب للدقة: "أعرفُ أن الشعر لا غِنى عنه لكني أجهل لأي أمر [لا غنى عنه]". هل لأنه جملة معترضة لا محلّ لها من الإعراب بالمعنى المجازي، ولا وظيفة نحوية لها إذا فُهِمَ النحو على أنه وجه صارخ من وجوه المنطق؟.

 

 

المدى العراقية  

 

 

شوهد المقال 1890 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم
image

العربي فرحاتي ـ لنتعامل مع الحقيقة التاريخية لا مع تجار الحقيقة التاريخية

د. العربي فرحاتي  فسر لجوء بومدين بعد انقلابه على بن بلة ١٩٦٥ إلى تجميع رفاة قادة الثورة وإعادة دفنهم تكريما لهم..بأنه بحث عن شرعية ثورية
image

طيبي غماري ـ الذاكرة والتاريخ ..والسيدة التي ساعدتنا في مركز ارشيف ماوراء البحار بفرنسا

 د. طيبي غماري   بمناسبة النقاش حول الذاكرة والتاريخ والأرشيف ومراكزه، ساقص عليكم هذه القصة التي أتذكرها دائما وارغب في روايتها كلما أتيحت لي الفرصة. في
image

محمد زاوي ـ فريد علي بلقاضي وابراهيم سنوسي الباحثان الجزائريان ودورهما في استرجاع جماجم القادة شهداء الجزائر ..الجماجم عار فرنسا

زاوي محمد   يرجع الفضل في اكتشاف جماجم القادة الأولين للمقاومة الجزائرية لمواطنين جزائريين ليس لهما أي إنتماء حزبي في الجزائر ولا أي متدادا
image

عثمان لحياني ـ يأتي الشهداء..يصمت الجميع

 عثمان لحياني  عندما ذهب الزعيم نلسون مانديلا في أول زيارة له الى باريس عام 1994 ، كان أول مطلب قدمه هناك ، استرجاع رفاة سارتجي
image

عبد الباقي صلاي ـ للاستطاعة ... حدود !

عبد الباقي صلاي في تجربة أجرتها نخبة من العلماء الباحثين حول قدرة النملة التي ضحك سيدنا سليمان عليه السلام لجرأتها، وصبرها ،وحرصها الشديد على

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats