الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | وقفات مع همس الشعر ( علي محمود طه ) ، بقلم : ( محمد صلاح زيد / باحث أكاديمي مصري )

وقفات مع همس الشعر ( علي محمود طه ) ، بقلم : ( محمد صلاح زيد / باحث أكاديمي مصري )

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد صلاح زيد *

رائدهم عندما كتب الشعر ، به نعود إلى زمن الرومانتيكية الشعرية ، الجمال أكثر ما كان يستوقفه فعُرف به وعُرفوا من بعده بنشدانه والوقوف أمامه . غلب نشدان الجمال عنده الوقوف طويلًا أمام العواطف لتصويرها ، وإن كان لم يعدم ذلك ، بل كانت ظاهرة في شعره ، لكن الأولى كانت الأظهر والأبرز . تميز بالذوق الرائق الذي غلب الثقافة عندما كان يكتب ، قصيدته اهتمت بالانسجام الموسيقي أكثر . من أعلام مدرسة " أبولو " التي أرست أسس الرومانسية في الشعر العربي .
قال بعض النقاد في حقه : " المفتاح لشعر هذا الشاعر هو فكرة الفردية الرومانسية والحرية التي لا تتأتى بطبيعة الحال إلا بتوافر الموارد المادية التي تحرر الفرد من الحاجة ولا تشعره بضغوطها.. بحيث لم يستطع أن يرى سوى الجمال وأن يخصص قراءاته في الآداب الأوروبية للمشكلات الشعرية التي شغلت الرومانسية عن الإنسان والوجود والفن، وما يرتبط بذلك كله من إعمال للخيال الذي هو سلاح الرومانسية الماضي.. كان علي محمود طه أول من ثاروا على وحدة القافية ووحدة البحر، مؤكداً على الوحدة النفسية للقصيدة، فقد كان يسعى - كما يقول صاحب كتاب ثورة الأدب - أن تكون القصيدة بمثابة "فكرة أو صورة أو عاطفة يفيض بها القلب في صيغة متسقة من اللفظ تخاطب النفس وتصل إلى أعماقها من غير حاجة إلى كلفة ومشقة.. كان على محمود طه في شعره ينشد للإنسان ويسعى للسلم والحرية؛ رافعاً من قيمة الجمال كقيمة إنسانية عليا.. " .

أراد " صلاح عبد الصبور " رؤيته والجلوس إليه ذات مرة ، فذهب حيث المقهى الذي يرتاده محل "جروبي" بميدان سليمان باشا ، فلما أبصره من بعيد رهبه ورهب الجلوس إليه ، فغادر دون أن يلقاه ، ولم يحدث اللقاء ثانية .

تأثر بشعراء الرمزية أمثال : " بودلير، ألفريد دي فيني، شيللي، وجون مانسفيلد " ، وقد ترك ما ترك من أكبر الأثر في الشعراء الذين جاءوا بعده ، فنجده قد كتب في جميع الأغراض الشعرية التي شكلت مدرسة لغيره من الشعراء، كالغزل والرثاء والمدح والفلسفة والحكمة والتأمل. وتنوعت القوافي لديه والفنون، لكن عن أكثر ما يجتذب المتلقي في شعره ، هي تلك اللغة والصور الحسية التي يرسمها في قصائده زيادة على تلك النزعة الرومانتيكية التي فاض بها ديوانه " الملاح التائه " ، والذي كان صدى لرغبات له . 
ولد الشاعر " علي محمود طه " سنة 1902 م ، وهو شاعر مصري معاصر من أعلام الرومانسية العربية بجانب " جبران خليل جبران، البياتي، السياب وأمل دنقل وأحمد زكي أبو شادي " . التحق بمدرسة الفنون التطبيقية و درس فيها الهندسة وتخرج منها عام 1924 م ، عين آخر الأمر وكيلًا لدار الكتب ليتفرغ للشعر والإبداع وتوفي عام 1949م ، إثر مرض قصير "شلل نصفي مفاجئ" لم يمهله كثيراً وهو في قمة عطائه وقمة شبابه، ودفن بمسقط رأسه بمدينة المنصورة مدينة العباقرة، ورغم افتتانه الشديد بالمرأَة وقصائده حولها إلا أنه لم يتزوج فرحل عن الدنيا وهو في السابعة والأربعين .

يقول الشاعر " علي محمود طه " في رائعته الشعرية : " النشيد " 


عندما ظللني الوادي مساء كان طيف في الدّجى يجلس بقربي
في يديه زهرة تقطر ماء عرفت عيني بها أدمع قلبي
***
قلت من أنت؟ فلبّاني مجيبًا نحن ياصاح غريبان هنا
قد نزلنا السّهل و الليل الرّهيبا حيث ترعاني و أرعاك أنا
قلت يا طيف أثرت النّفس شكا كيف أقبلت؟ و قل لي من دعاكا ؟
قال أشفقت من اللّيل عليكا فتتبّعت إلى الوادي خطاكا .
و دنا مني و غنّاني النّشيدا فعرفت اللّحن و الصّوت الوديعا
هو حبّي هام في الليل شريدا مثلما همت لنلقاك جميعا
***
و تعانقنا و أجهشنا بكاءً و انطلقنا في حديث و شجون ،
و دنا الموعد فاهتجنا غناء و تنظّرناك و اللّيل عيون .
***
أقبل اللّيل فأقبل موهنًا و التمس مجلسنا تحت الظلال ،
وأفني نصدح بألحان المنى و نعبّ الكأس من خمر الخيال .
***
أقبل اللّيلة و انظر و اسمع كلّ ما في الكون يشدو بمزارك ،
جئت بالأحلام و الذّكرى معي و جلسنا في الدّجى رهن انتظارك ..
سترى يا حسن ما أعددته لك من ذخر و حسن ومتاع ،،
هو قلبي في الهوى ذوّبته لك في رفّاف لحن و شعاع .
***
وهو شعر صوّرت ألوانه بهجة الفجر و أحزان الشّفق ،
و نشيد مثّلت ألحانه همسات النّجم في أذن الغسق !!
***
ذال قلبي عاريًا بين يديك أخذته منك روعات الإله ،
فتأمّله دمًا في راحتيك و دماء منك يستوحي الحياة .
***
باكي الأحلام محزون المنى ضاحك الآلام بسّام الجراح ..
لم يكن إلاّ تقيًا مؤمنًا بالذي أغرى بحبّيك الطّماح
***
يتمنّى فيك لو يفنى كما يتفانى الغيم في البحر العباب ،،
أو يتلاشى فيك حيّا مثلما يتلاشى في الضّحى لمح الشّهاب .
***
زهرة أطلعها فردوس حبّك استشفّت فجرها من ناظريك
خفقت أوراقها في ظلّ قربك و سرها أنفاسها من شفتيك
***
هي من حسنك تحيا و تموت فاحمها يا حسن أعصار المنون
أولها الدّفء من الصّدر الحنون أو فهبها النّور من هذي العيون
***
دمعها الأنداء و العطر الشّجا و صدى أنّاتها همس النّسيم
فأحبها منك الرّبيع المرتجى تصدح الأيّام باللّحن الرّخيم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
*باحث أكاديمي مصري

شوهد المقال 2509 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الاتصال في قصر المرادية.. من اللقاءات الدورية إلى الحوارات الفرنسية

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 182   الحوار الذي أجراه المسؤول الأول عن قصر المرادية مع قناة فرانس 24 الفرنسية عشية الاحتفال بالذكرى 58 لعيد الاستقلال،
image

اعتقال الدكتور فارس شرف الدين شكري في بسكرة الجزائر بسبب محاولته اعطاء حلول لانقاذ مدينته من جائحة كورونا

عين الوطن  الدكتور #فارس_شرف_الدين_شكري تم اعتقاله امس بسبب منشوراته على الفايسبوك حول كورونا وتفشيها، في #الجزائر لا تتحدث لا تناقش لا تهمس ببنت شفة ،
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار الخطيئة في التوقيت الخطأ

نجيب بلحيمر  إلى من توجه عبد المجيد تبون بحديثه في فرانس 24؟ السؤال تفرضه المناسبة. من الناحية الرمزية يعتبر ما أقدم عليه تبون أمرا غير مسبوق في
image

رشيد زياني شريف ـ حراك الشعب وحراك القصر

د. رشيد زياني شريف  لا شك لاحظتم شراسة الهجوم على الحراك في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء "الهدنة الصحية" ولم يفتكم تعدد التهم وتنوعها، من كل
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجالية الجزائرية ..رسالة للعالم

 د.العربي فرحاتي  بشعارات الوحدة ونبذ التفرقة بين العرب الأمازيغ وبين أحرار الداخل والخارج ..وبالاناشيد الوطنية وزغاريد الحراير.. وفي مناخ أخوي نضالي..انتفضت الجالية الجزائرية في
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats