الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | حسن ناظم ......... الرواية العراقية والسيرة الذاتية

حسن ناظم ......... الرواية العراقية والسيرة الذاتية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
حسن ناظم
من المتفق عليه ميلُ الكثير من الروائيين العراقيين إلى استثمار السيرة الذاتية. وهو أمر مفهوم بالنسبة لجيل من العراقيين شهد عقوداً من الحروب والتحولات التاريخية المحورية. وربما يكون اهتمامهم بعنصر السيرة نابع من إدراكهم لحقيقة أن تحويل الذات إلى سرد قصصي هو ضرب من ضروب ممارسة الحق السياسي التي أتاحها التغيير في العراق. يقول رولان بارت "إن من حقي السياسي أن أكون ذاتاً، وهو حق لابد من أن أحميه"، ومن المؤكد أن المرء لا يحقق الاعتراف بذاته وبمعاناته إلا عبر واسطة السرد الذي يمتح من السيرة الخاصة.لكن الروايات التي سأتناولها هنا تدلّ على أن  السيرة الذاتية إنما هي نقطة انطلاق يمكن للروائي أن يبقى ملتصقاً بها أو قريباً منها ويمكن أن يبتعد عنها. وهو ما يدلنا على أن هنالك تراتبية في تفاعل السرد القصصي مع السيرة الذاتية.أما الروايات الأربع التي سأتوقف عندها فهي تعود لأربعة روائيين لم يُسَلَّطُ ضوءٌ كافٍ على أعمالهم أو لم يتناولها النقد أساساً بالرغم من تميزها. وهي روايات "غيوم على الرصيف" لحسن ناصر، و"أقتفي أثري" لحميد العقابي، و"الأشباح والوهق" لسليم جواد، و"القنافذ في يوم ساخن" لفلاح رحيم.

الكتابة الشخصية 

للسيرة الذاتية في هذه الروايات نصيب معين ومتفاوت، إذ تقود الروائي العراقيّ هنا تجربته الخاصة على نحو صميم. ومن ثمّ فإن سيرة الروائي العراقي هي المحرّك الأول للأحداث. قد تتعفّى في بعضها معالمُ الرؤية الخاصة للواقع  لأن السيرة الذاتية تهمين على مسار الأحداث ولا تتيح بلورة رؤية شاملة تتخطّى حدود السيرة الذاتية وما أحاط بالروائي نفسه من أحداث. ولعل الروائي حميد العقابي، صاحب التجربة المميّزة، في "أصغي إلى رمادي" و"أقتفي أثري" و"الضلع"، يمثّل مجموعة من الروائيين الذين غادروا العراق كَرْهاً إلى المنفى منذ السبعينيات، هؤلاء يجدون في سيرهم الذاتية غنىً يكفي للارتماء في أحضانه وصنع رواية. والغالب على الأعمال الروائية التي أصدرها حميد العقابي طابع السيرة الذاتية، فهو يلتزم برواية سيرته الذاتية في محطّات مختلفة من أعماله الروائية. وهو يقصّ على قارئه حياتَه الخاصة وما رافقها من أحداث أحاطت بها ومنحتها دلالات عميقة. 

رؤية الواقع

وعلى العكس، ثمة روايات تباشر تأطير العمل برؤية للواقع وتبنيه على أساسها من خلال إشراك السيرة الذاتية، فالروائي في هذا النمط لديه فهم معين للواقع، وهذا الفهم هو الذي يحرّك أحداث الرواية وتفصيلاتها وإن بدت فيها عناصر من السيرة الذاتية هنا وهناك. ورواية فلاح رحيم "القنافذ في يوم ساخن" تستثمر السيرة الذاتية أيضاً، ففيها إشارات، كما في روايات حميد العقابي، على حياة الروائي نفسه، عمله في عُمان، في صور تحديداً مكان الرواية، مدرّساً للغة الإنجليزية، وصداقته لكامل شياع الذي يتلبّس شخصية "شهاب"، وإشارات إلى كونه مترجماً. لكن السرد الروائي في هذا النمط ملتزم بسعي محموم إلى بلورة رؤية محددة للواقع ممتزجة بعناصر سيرة ذاتية بالغة الوضوح، والرواية تحرص على أن تقدم سعيها هذا عبر تمسكها بتخليق حبكة دالة ومتماسكة. ولذا فهي رواية بدأت من السيرة الذاتية لكنها تعمد إلى مغادرتها عبر فرض الحُبكة عليها.
وما يقود رواية فلاح رحيم هو الهدف الأخير وليس تفصيلات الوصول إليه فقط، فهو مشغول في أثناء بناء الرواية حدثاً حدثاً وشخصيةً شخصيةً بالصورة الكلية التي سوف تبدو عليها الرواية. فالرواية تعمد إلى سرد شفّاف ينقل لنا حياة حقيقية، ويضع لنا علامات تحولاتها، وإشارات لمرجعياتها، لكنها سرعان ما تضبّب الشفافية عبر تضبيب السيرة، ومغادرة الكتابة بوصفها عملاً توثيقياً، ليباشرها بأشكال متنوعة من الأحداث والشخصيات (تمتاز رواية فلاح رحيم بكثرة الشخصيات). إن عين الروائي فلاح رحيم لا تنظر إلى يديه وهما تكتبان، بل إلى مشهد بعيد تغذّيه اليدان بالتفاصيل تدريجياً.

السيرية

أما الروايات التي تستخدم أحداث السيرة الذاتية من أجل ممارسة فنّ روائي يعتمد على اللغة وإمكاناتها الفنية، وابتكار طريق جديد همّه الأول والأخير المنجز الفني واللغوي، فهي روايات يشحب فيها بناء رؤية للواقع. والنموذج الأوضح على ذلك رواية "الأشباح والوهق". فثمة عناصر سيرة ذاتية جليّة، البطل فيها، مثل مؤلف الرواية سليم جواد، يُطرَح ككاتب رواية. 
وتهيمن على الرواية موضوعة كيف يكتب بطل الرواية روايته. بعبارة أخرى، إن موضوعة الرواية ليس فقط ما يبدو من الأحداث التي يتمّ سردها، بل هناك مظلّة كبرى تخيّم على تفصيلات الرواية يمثّلها بطل يحكي ويتأمل في كيفية كتابة رواية. في هذا النمط من الرواية لا يتمّ الخروج عن السيرة الذاتية على مستوى الحبكة التي تتوخّى بناء رؤية للواقع، بل تتوخّى الخروج على مستوى الفنّ الروائي نفسه. أي أن لدى الرواية طموحاً فنياً لكسر قواعد السرد المعروفة.
فالجزء الأول من الرواية يمثّل جلسة لندامى تستغرق سويعات، والروائي يكتب عنها أزيد من 250 صفحة في سرد أخّاذ يُنسي القارئ أيّ إطار يلمّ الحوارات والأوصاف التي تدور، ليأخذه أخذاً بسحر اللغة. ثمة تجريب عال جداً لإمكانات القصّ عند الروائيّ، وتتبيّن مطامح كسر مألوف السرد في الإلحاح على الكتابة عن الحدث القصير صفحات كثيرة جداً تأتي الأحداث من جوانب متعددة وبلغة تركّز على بلوغ الانتشاء عند القارئ. إن رغبة رواية سليم جواد في الفنّ تتفوّق على الرغبة في الوفاء للواقع. وبالنتيجة، روايته مشغولة بنفسها أكثر من كونها مشغولة بنقل الواقع، ولا تتجلى هذه النزعة في طريقة السرد ولغته حسبُ، بل في تقنيات أخرى منها ولعه بتأليف هوامش للرواية وكأنها بحث أكاديميّ، فهو يعدّل على السرد في المتن بالسرد في الهامش، ويمارس الاقتراح والتصحيح والتعليق وغير ذلك. وقد أفضى هذا الانشغال بكيمياء تحويل الحدث المأساوي الذي تستقصيه الرواية إلى فن روائي مبتكر إلى أن يبتعد الروائي خطوة عن السيرة الذاتية باتجاه يختلف عن مسارات الروايات الأخرى.

التجريب

في رواية حسن ناصر، "غيوم على الرصيف"، تشديد على إنجاز رواية تؤسطر الشخصيات. الأسطرة في الرواية عنوان بارز يجمع خصائص اللغة والعالم الذي تخلقه. ثمة نزوع مصمّم في سرد حسن ناصر إلى التجريب، والانتظار، انتظار ما يتمخّض عنه تجريب بناء روائي يعجن الواقع لخلق الأسطورة. وحرصه على الواقع حرص لا يؤصّله، بل يقطع أصوله، بغية العودة إلى أصول بعيدة، هل أقول مفترضة، أو موهومة، لكنها تمثّل شفاء من داء، وخلاصاً من علّة. 
التجريب عند حسن ناصر محاولة في كسر أعراف السرد أيضاً، لكن ليس كما عند سليم جواد في تجريبه الذي ينشد كسر مواضعات السرد وتقديم لغة شعرية مدهشة، بل ما يحاوله حسن ناصر هو أسطرة الحدث. فشخصياته قد تبدو غير واقعية، لكنها في الحق واقعية، يسلبها حسن ناصر واقعيتها، والحدث أيضاً واقعيّ لكن الروائي يسلبه واقعيته مصعّداً إياه أسطورياً. 
وهذه أيضاً خطوة أخرى للابتعاد عن السيرة. لا تمنحنا رواية "غيوم على الرصيف" فرصة الاسترخاء، لأن القارئ يشاهد النحّات في أثناء عمله، ولا يشاهد العمل بعد نحته، لذلك هو متوتر شأن الكاتب. 
وحسن ناصر ينجح في نقل توتره لقارئه، لأن لغته تقوم بوظيفة مزدوجة في نقل المعنى وإبقاء القارئ يقظاً، ومراقباً، ومنتشياً. لذلك لا يُشبع حسن ناصر عامداً روايتَه بتصوير الشخصية، لأن الأسطورة تنطوي على النقص الذي يضفي عليها هالة الغموض، هو لا يستقصي عبر لغته المبهرة، ولا يريد أن يُبهر قارئه بالشخصية وبنائها. 
فهو يعمل من أجل بناء أساطير، يحوّل شخصياته وأحداثه والبيئة إلى أسطورة تاريخية تتجاوز محدوديتها المحلية، وبالتالي ترى الشخصيات ترتفع على الواقعيّ لتقارب الرمزيّ. ما يحرص حسن ناصر عليه هو تقديم الحياة محتدمة في مدينة تلاحقها لعنة المصائر، مصائر الموتى وعودتهم، والتاريخ وحضوره. في روايته، أوقع قارئه في حيرته من عودة الموتى، مثلما ورّط السلطة التي لم تميّز بين الأحياء والموتى، فأبادت الجميع. يبرع حسن ناصر في تمثيل الغضب، يبثّ الاحتدام في الكلمات فتكتسي وقعاً يبلغ أقصى تأثير. بأناة نحّات، يكتب ويتأمل ولا يرى في الواقع غير فنطازيا، وإذا أراد أن يكون واقعياً فعليه بحسب حرفته أن يكون فنطازياً. بعبارة باتّة، واقعية حسن ناصر هي فنطازياه وفنطازياه واقعيته.

أنماط روائية

كلّ نمط من الأنماط السابقة يبتعد عن السيرة الذاتية خطوة معينة، وبتصميم وقصد معيّنيْن. إن حميد العقابي يكتب سيرته الذاتية في فضاء أدبيّ، وفلاح رحيم يكتب سيرته الذاتية برؤية للواقع ومحاولة لخلق حبكة تلمّ أطراف السيرة، وسليم جواد يستثمر السيرة الذاتية كفرصة لكي يجرّب أدواته الروائية، وكلّ ثقله يقع في اللغة، أما حسن ناصر فتتجلى فيه رغبة لا تقاوَم في الأسطرة. 
ليس ثمة تقييم معياري هنا لهذه الأنماط الروائية في اقترابها وابتعادها من/عن السيرة الذاتية. في الواقع، أشعر أن هذه الروايات كلّها، ومعها ما يمكن إدراجه في تنميطها، هي روايات تقدّم رؤية للواقع في نهاية المطاف. وهي بتنوّعها هذا لا تقدّم تعدّدية المجتمع أو الواقع حسبُ، بل تقدّم غنى السرد العراقي الذي انفجر مع انفجار العراق وتشظّيه. وإذا عُدنا إلى مقولة بارت، فإن في كلّ هذه الروايات إصراراً للذات على حقّها السياسي في عرض محنتها.
 
الصباح العراقية  

شوهد المقال 2639 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats