الرئيسية | إبداعات الوطن | دراسة ونقد أدبي | خميس قلم ...... حيل الشعراء و وسوساتهم

خميس قلم ...... حيل الشعراء و وسوساتهم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

خميس قلم   

 

 

 

 

 

إيحاء:

               ”  بيني و بينه  بـِيــد       و عالي جبال، و بحر “     

                                                                       شعر شعبي

أصبح ( وأضحى و ظلّ و صار وأمسى و بات ) الفضاء الرقمي مكاناً متاحاً لالتقاء الأقرباء البعداء و الأحباب وكلّ الذين منعتهم المسافة و الظروف من اللقاء في واقع المكان. لقد عملت المخترعات العلميّة – من هواتف وحواسيب وغيرها- على محاكاة الأصوات والصوّر الواقعيّة عبر ترجمتها لترددات الموجات الصوتيّة وفوق الصوتية و سواها من الذبذبات الأثيريّة التي تتحول – بفضل أجهزة استقبال خاصّة – إلى صور وأصوات افتراضيّة. قصّرت تلك الوسائط الحديثة المسافات بل ألغتها وجعلت من هذه الأرض غرفةً واحدة.  بهذا وجد العشّاق في ذلك العالم الموازي مستوعَباً لهمساتهم… ( و هكذا ضحك العِلم على البُعد و المسافة ).

 

 وقديماً بحث الشاعر العاشق عن حيَلٍ ليراوغ  الرقباء، فحيناً يستتر بالليل ليلتقي بمن يُحب في غفلةٍ عن عيون الوشاة:

لا تلقَ إلاّ بليلٍ من تواصله        فالشمس نمّامة والليلُ قوّادُ

كم عاشقٍ و ظلام الليل يستره    لاقى الأحبّة والواشون رُقّادُ

نعم الليل قواّدٌ لابن المعتز، و سواده شافعٌ للمتنبي:

أزورهم و سواد الليل يشفع لي    و أنثني و بياض الصبح يغري بي

يتستر العاشق بجناح الظّلمة لكي لا يسبب لمعشوقته أذىً؛ إنّما ماذا لو تعذر اللقاء؟  ماذا لو ضاق عليهما الليل؟ لو مُنعت الحبيبة من وصل مُحبّها؟؟

 

 يُجيب قيس ابن ذريح:

فإن يكُ لبنى حال من دون وصلها      حجــابٌ منيعٌ ما إليه سبيلُ

فإنّ نسيم البـــرّ يجــمعُ بينــنا         و نبصر قرن الشمس حين تزولُ

يغدو نسيم البرّ مجالاً للتوحّد مع الحبيبة، و قرن الشمس مخرجاً من الحيز الأرضي تلتقي فيه نظرات المحبين، أليست تلك حيلةً ذكيّةً لخلق أفق للاتصال.        

و يُجيب المجنون:

فإن تمنعوا ليلى و تحموا ديارها        عليّ فلن تحموا عليّ القوافيا

قيس لن يعدم الحيلة في لقاء ليلاه، سيجلبها إليه إذن في خيمة اللغة، في بيت الشعر، في قصيدته المؤنسة.

 في القصيدة يجد المجنون متسعاً لحياةٍ مجازيّة تعوّضه عن خسارته في الواقع، فيصنع من قصته مع ليلى العامرية أسطورة يتغنى بها الشعراء، و تتوارثها الأجيال.. هكذا يستجلب الشاعر محبوبته إلى بيت القصيد.

بل إنّه في مطلع القصيدة يؤسس لفضاء ذهنيّ آخر، فضاء الذاكرة يستحضر مشغوفته ويلهو معها فيه:

تذكرتُ ليلى والسنين الخواليا   وأيام لا نخشى عن اللهو لاهيا

مكررا تلك الحيلة في قصائد أخرى:

تذكرتُ ليلى وهي ذاتُ تمائمٍ      ولم يبد للأتراب من ثديها حجمُ

صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا  إلى الآن لم نكبر ولم تكبر البَهمُ

و مازال المجنون وليلاه يمارسان لهوهما البريء في عالمي الشعر والذاكرة.

 

لكن هل سيكتفي المجنون بالحيلتين السابقتين؟

على الإطلاق، فهو في مؤنسته أيضاً يتوسّل الحلمَ حيّزاً مكانيّا افتراضيّاً  للقاء:

وإنّي لأستغشي و ما بي نعسةُ   لعلّ خيالاً منك يلقى خياليا

فرغم أرق قيس بن الملوّح و سهره مفكراً في سبيل ليرى شاغِلَةَ قلبه، يتناوم على أمل أن يزوره طيفها في المنام..

 يا لها من حيلة!!  

الحلم بناءٌ فسيح لا قواعد له.. الحلم منزل العاشقين.

لكن ماذا سيحدث لو علم أهل المحبوبة أنّ طيف حبيبها يقصدها في الأحلام؟ لربما منعوها من النوم لذلك. ولذلك كان لابد للشاعر ” ماني الموسوس ” أن يكون حذراً وينبّه طيفه حين يزور حبيبته  في فضاء الحلم أن يلتزم السريّة:

فتنفست، ثمّ قلت لطيفي     ويك إن زرت طيفها إلماما

حيّها بالسلام سرّا وإلاّ       منعوها لشقوتي أن تناما

 في هذه الفضاءات المجازيّة: القصيدة، الذاكرة، نسيم البر، قرن الشمس، الحلم و غيرها وجد الشعراء العشاق سبلاً يتواصلون بها

( وهكذا ضحك الشعر على البعد و المسافة )

 

وبين ضحكة الشعر و ضحكة العلم زمنٌ ظلّ فيه الشعراء يوسوسون للعلماء حتى يجدوا عالماً لا يعرف الحدود يجتمع فيه كلّ المحبين و الأصدقاء و الأقرباء البعداء، فكان ” الإنترنت “

 موقع اثير 

شوهد المقال 3289 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats