الرئيسية | إبداعات الوطن | طارق السكري ـ مرايا الروح

طارق السكري ـ مرايا الروح

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
طارق السكري
ماليزيا . أوسان الأدبي

الجمال فطرة في النفس .. والفن الوسيط الذي يكشف لنا عن قدرة الفنان في تغيير المفاهيم والإحساس بالمتعة . 
إن في أعماقك أصوات تستشرف في لحظات من صفاء الذهن التي تنفتح لها أبواب السماء أحياناً صوت الكون .. فترهف سمعك جيداً . 
كأن أجهزة الاستقبال والاستشعار قد بدأت في الحركة والعمل . 
لكنها حركة في عالم الشعور تعبّر ربّما عن مدى الإحساس بالحاجة الماسة إلى نفحة من نفحات الخيال الشعري .
إنه حنين غامض نوعا ما! 
إن الله سبحانه هو المصوّر . خلق الكائنات على هيئة صور تدل على الطريق إليه . كما خلق الملكات الجمالية والذكاءات اللغوية التي يستطيع من خلالها الإنسان أن يتواصل مع العالم . 
والشاعر الذي تجيش في صدره الأفكار والمشاعر فيقوم بتنظيمها من خلال الإيقاع ومن خلال الهيكل الفني من الصور والأخيلة التي ستبدو عليه .
إن الأقاويل الشعرية من تشبيه ومجاز واستعارة تترك أثراً في نفس المتلقي كما يقول أرسطو
تُحدث لذاذةً عقلية واهتزازا طربيا في النفس بصورة تلقائية .
ربما استطاع الشاعر أن يخاطب الأحلام والرؤى المكنونة في ضمائر الناس وأن يوقظها من سباتها وأن ينفخ في روحها الحياة ،فإذا هي صور حية تتكلم وتتنفس وتشعر. وكأن الشاعر يلقي تعويذة على مسامع القارئ وأحاسيسه ،فإذا الدهشة تعقد لسانه برهة فلا يقدر على الكلام ! حتى إذا كدّ القارئ ذهنه في النص لاستنباط معانيه المغلفة بالإيحاء والغموض ، ثم أخذ النص الشعري يكشف عن أسراره وجواهره ، تفتّحت أسارير القارئ فأبدا إعجابه وثناءه .
ولعل هنا مكمن قوة الشعر وطاقته وقدرته السحرية .. في أنه يعتمد الإيحاء لا المباشرة . 
لكن القرآن الكريم في تصويراته وإشاراته البلاغية واللغوية له قدرة خلاقة .. فريدة في شد انتباه القوى النفسية دون اللجوء إلى شطحات الخيال بل يعتمد على ما في اللغة ذاتها من جمال خلاق مبتكر . 
لقد دهش القرآن الكريم العرب أهل البيان والشعر وحاروا في أمره وما دروا أين مكمن السحر والقوة فيه ! فهو فيه من خصائص الشعر وليس بشعر وفيه من خصائص النثر وليس بنثر . إنه نظم فريد معجز .
ويرجع السيوطي في كتابه الإتقان معلّلاً سر تدفق العبارة القرآنية ونسق آياتها العجيبة في ما أسماه : باالانسجام . والانسجام في البلاغة العربية هو خلو الكلام من العقادة متحدّراً كتحدر الماء المنسجم، ويكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسهل رقة، والقرآن كله كذلك. قال أهل البديع: وإذا قوي الانسجام في النثر جاءت قراءته موزونة بلا قصد لقوة انسجامه، ومن ذلك ما وقع في القرآن موزوناً، فمنه من بحر الطويل : ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ومن بحر المديد : ( واصنع الفلك بأعيننا ) ومن بحر البسيط : ( فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم ) ومن الوافر : ( ويخزهم وينصركم عليهم . ويشف صدور قوم مؤمنين ) ومن بحر الكامل : ( والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) . ومن الهزج : ( فالقوة على وجه أبي يأت بصيراً ) . ومن الرجز : ( ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلاً ) . ومن الرمل : (وجفان كالجواب وقدور راسيات ) . ومن السريع : ( أوكالذي مر على قرية ) إلى آخر ما قال .
إن القرآن الكريم طراز خاصٌ من التعبير . وهو إلى كونه كتاب هداية وإصلاح للإنسان والمجتمعات هو أيضا كتاب جمال يملأ النفس روعة ويستحوذ على ملكات الخيال فيصقل مرآتها برفق ويعيدها إلى سابق عهدها من النصاعة والبهاء . 
( أو كظلمات في بحر لجّيٍّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب . ظلمات بعضها فوق بعض . إذا أخرج يده لم يكد يراها . ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) . 
إن الصورة البيانية في هذه الآية مثال دقيق يصور حالة الإنسان الداخلية من حيرة وتخبط وعمى . 
يتخذ القرآن لإبراز هذه الفكرة الغائبة والتي لا تدركها الحواس صورة حسية حية متحركة مشاهدة للعيان فكأن الإنسان في ظلمات نفسه وكآباته وأمزجته المتقلبة نتيجة انسرابه في الحياة واعتراكه الأحداث والصراعات وما ينجم عن ذلك من مواقف وردود أفعال .. تجعل العقل فاتراً خافت الضوء .. فكأن الإنسان في ذلك يشبه البحر الذي تعتلج في أعماقه أمواج هائلة وظلمات بعضها فوق بعض . لا تكاد ترى العين فيها شيئا غير السواد الموّار المضطرب .
لكن تلك السدف الحالكة ، والأجواء الداكنة ، سرعان ما تزول وتصفو بذكر الله عز وجل فإذا مرايا الروح صافية مشرقة . 
إن الصوت البياني البلاغي المبدع في القرآن صوت هاد وراشد . نور فكرة الهداية على نور القالب الفني الجميل .

 

 


 

شوهد المقال 4819 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats