الرئيسية | إبداعات الوطن | أحمد سعداوي - نهارك سعيد عزيزتي

أحمد سعداوي - نهارك سعيد عزيزتي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
أحمد سعداوي 
 
 
نهارك سعيد عزيزتي. ها أنا أرى كيف تمسحين صفحة السماء بيدك، وكأنها زجاجة شبّاك في شقة. "لا غبار هذا النهار". وجدت رسالتك على النقّال تخبرني بذلك.
لا غبار.. لهذا أرى يدك تمر على السماء كلها، فتغدو الزرقة أكثر لمعاناً أو صفاءً. لا غبار.. لا شيء.. سوى يدك، ذراعك الممتدة تغطي كامل المشهد حين أفتح عينيّ قبل النهوض من السرير.
لا شيء في هذا النهار سواك، مثل نهارات سابقة.. نهارك سعيد عزيزتي.. متأكدٌ من سعادتك وابتسامتك الآن وانت ترشفين القهوة، وتعبثين مع البخار الصاعد من الكوب.
متأكدٌ أنك لا تفكرين الآن بالأشياء الألف التي كنت تخبرينني عنها. مجرد شيئن أو ثلاث، منها بخار القهوة الدافئ. بينما لا أستطيع تجاهل ذراعك الصافية، مثل صفحة سماء في يوم شتائي مشمس، وهي تسطع من النافذة، من النوافذ أينما ذهبت. من طبعة مربع النور داخل ظلام عينيّ المغمضتين. من شريط الحلم الذي يتدفق كل ليلة. من الأشياء الألف التي أعرفها عنك، وتأبى أن تغطس في النسيان.
نهارك سعيد عزيزتي.. ونهاري كالحٌ مثل رغبتي بالبقاء في السرير الى الأبد، وإغلاق منظّم أصوات العالم، وهو يحتكّ ببعضه خلال الزحام، ويزيح القوي فيه الساهين واللاهين والذين لم يدركوا خطورة ما هم فيه.
نهارك سعيد.. عشتاري التي أغرتني بالنزول من سماء الآلهة الى بيت طينيّ خلف جدار قصب. تدفأنا معاً بحطب مصنوع من روث الجواميس، وأكلنا السمك المشوي غير المملح خلال سبعة أيام وثماني ليالٍ، ولم نخرج من الباب المشرع على الأشياء الألف فوق وتحت هذه المياه، بين أضلاع الظلام، وتحت أسنان قدر غير رحيم.
نهارك وليلك عشتار الأوقات التي رحلت. إلهتي التي جرّبت هذا اللعب المجنون بالطين. تلطّخت أيدينا معاً بما خلقنا. لوثنا ملابسنا ووجوهنا، وما عدنا، نحن والطين، نميز أحدنا عن الآخر. صرنا تماثيل تشويها الشمس وتقف عليها طيور السميجي، قبل أن تغادر ضجرةً، وقبل أن تحركنا الرغبات لنغطس في المياه من جديد.
نهارك سعيد أيتها الربة التي أغرتني بالنزول معها الى هذا الكوخ القصبي المكسي بالطين، أعطيتني كل الأسرار ثم أخذتيها تباعاً؛ سر رغبتي باليوم التالي، وسر تنفسي، وقيامي من السرير. أخذت سر الآلهة المذاب في دمي، ثم عدت الى شاشتك السماوية الصافية. تمسحين ضباب بخار المستنقعات كل صباح. تمارسين يوميات ربّة منزلية تخلت عن حكم العالم أو إعادة خلقه، وصار لها مشاغلٌ ألف، لستُ منها.
.
 

شوهد المقال 1978 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ ذكرى

خديجة الجمعة    وتتشابك الخيوط معلنة عن بدء مذاقها الجميل.فهو يكون؟ مذاق المعمول من صنع يديها ياه ماأروعه من مذاق يحمل الذكريات العذبة. تصنعه لنا عمتي. يحمل
image

عاشور فني ـ التاريخ الثقافي المقلوب ..الجزائر رسمت ابجديتها تاماهق

د. عاشور فني  على حجر عمقه آلاف السنوات أحاول أن أتهجى حروف اسمها. وامام خيمة تضيئها أشعة الشمس الأولى بعد الليلة الأولى بصحراء تادرارت
image

نجيب بلحيمر ـ العلاج بالحرية

نجيب بلحيمر   الأفكار لا تجابه بالسجن، والذين تزدري أفكارهم، أو تحسبهم جهلة، هم في النهاية يعتنقون فكرة مهما كانت مشوشة أو مشوهة. نعيش في مجتمع مغلق، ويحكمنا
image

السعدي ناصر الدين ـ زروال

السعدي ناصر الدين في اليوم الثاني من زيارتي بجاية حيث اقضي كل عام جزء من عطلتي السنوية توجهت مع الاولاد الى تيشي وقضينا يوما رائعا..عدنا
image

عثمان لحياني ـ بكل وضوح : عند رأي خبيه عندك

 عثمان لحياني  "عندك رأي خبيه عندك ، لا تكتبه في الفايسبوك، لا تخرج هن ولي الامر"..لن تستطيع المؤسسة الرسمية أن تكون أوضح من هذا الوضوح
image

رشيد زياني شريف ـ حتى لا يختلط علينا الأمر ونخطئ المعركة

رشيد زياني شريف   ما تطرقت إليه في منشورات سابقة وجديدة بشأن اللغة العربية وما يدور حولها من حديث وحروب، واعتبرتها فخا ومصيدة، لا يعني
image

محمد هناد ـ من وحي الحراك !

 د. محمد هناد  اعتبرني أحد المعلقين وكأنني اقترفت إثما عظيما بمقارنتي الحراك بحرب التحرير. ولعله، مثل الكثيرين، مازال يعتبر هذه الحركة، الضاربة في عمق
image

زهور شنوف ـ #الجمعة66 لا تختبروا صبر "الصبارة" أكثر!

 زهور شنوف    يوم الجمعة 10 جانفي 2020 التقطت هذه الصورة.. كانت تمطر يومها.. تمطر بغزارة، وهذا الشاب يقف تحت شجرة في شارع الشهيدة حسيبة بن
image

عبد الجليل بن سليم ـ نشطاء الحراك تشوه إدراكي إنحياز تأكيدي.. باش نفيقو

عبد الجليل بن سليم  منذ بدأ حراك الشعب و كل ما كتبته أو على الاقل حاولت كتابته كان نقد للنظام و سياساته و منذ عوام
image

وليد عبد الحي ـ عرض كتاب:ابن رشد وبناء النهضة الفكرية العربية(7)

أ.د . وليد عبد الحي يقع متن الكتاب الصادر عام 2017 في 305 صفحات (منها 20 صفحة مقدمة ومدخل) وتم تقسيمه الى 3 ابواب و

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats