الرئيسية | إبداعات الوطن | جعفر يعقوب - البناء العاشق - ٧٠ - الأخيرة

جعفر يعقوب - البناء العاشق - ٧٠ - الأخيرة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 جعفر يعقوب 

 

 

سترة تستقبل بذراعيها صباحها بنشوة أمل، تتجاوب معه سواحلها الهادئة، ورموش الشمس تستقبلها ضاحكة..
- انا ما نمت البارحه! اسمع اصوات في البيت، طلعت أشوف، ولا شفت احد في الحوي" فناء البيت"!
نظرت زوجة الهدار إليه مستغربة، ولم تعقّب، فواصل كلامه متأثرا.
- الأصوات تجي من صوب السدره.. قلت أكيد البيت مسكون.. 
- بسم الله واعوذ بالله.. وش هالحچي من الصبح .. الله يكفينا الشر.. عوذتك عوذتك باسم النبي واهل بيته.. كهيعص ..
لكنّ فاطمة ابتسمت حين سمعت كلام أبيها، ودقت أوتار قلبها راقصة، وهي ترقب حبيبها يأتيها بنفسه اليوم، كما أخبرته عمّتها أم عبد الله أمس.
يا لعبة قدرها أن تراه اليوم هنا، حيث رأته أول مرّة وخطف قلبها لمرافئ العشق، تبحر معه، وتغامر في سندباداته بين أمواج العشق العاتية، من هنا بحضور السدرة، سمعت همسهما، ونظرات عيونهما، ولكنها لم تروِ ظمأ عينيها من جمال وجهه، ولم ترتشف نظرات عيونه إليها، لم يحتوِها بين ذراعيه، ولم تسكر معه في رشفة حالمة، رحل النورس عنها، وغاب عنها كلّ هذه السنوات، تاركا إياها تتضوّر شوقًا إليه، وقلبها يحترق لهفة إلى معين حبّه، لا تنطفئ نار الصبابات المتشظية في صدرها، بهمسة من قلبه، بنظرة عابرة منه.. تركها سفينة عند رمال المرسى، يلعب بها الموج وحرارة الشمس، حتى ذوت وتحطمت، وتكسرت أضلاع صبرها، فكادت تستسلم لمعول الزمن تضرب فيها..
وهاهي المفاجأة تصدمها بعودته إليها حبيبا وزوجا، اقتربت منه دون أن تراه ويراها..
نظرت أمها لها، فرأت شرودها، فأعادتها بلطف..
- وانت قالت لك السدره شي بعد؟ كلكم في هالبيت تتكلم وياكم السدره .. الظاهر بس أني ما تعرفني..
ضحك الجميع من تعليق الزوجة الساخر الذي تماهى مع فرحتهم بالضيف المنتظر.. 
- يا بنت عمي .. ويش جاسم جاي .. الله الله اتحمّلوا فيه.
ثم استمر في حديثه:
- لو شفتين الناس أمس في المجلس مستانسين فرحانين .. انا اعيوني دمعت من الفرحه .. الصراحه .. من حقش فطوم تنتظرينه كل هالسنين..طيبه واخلاق. 
تورّد خدّ فاطمة حياءً..
- حتى بيتهم النسوان طيبين واجد، كلهم لاصقين بفاطمه ولا خلوها من فرحتهم.. كأننا نعرفهم من زمان.
فاطمة صامتة تقرأ صفحات وجوههم، تسمع حديثهم، لكنها وحدها قلقة من الموعد القريب.. نهضت لغرفتها، مع أختها عاتكه.. حضنتها بدلال: 
- خايفه.
- خايفه ولا متشققه من الفرحه.. الحبيب جاي .. حتى اني بتنسيني .. 
- والله قلبي يدق بسرعه .. شكلي بموت قبل ما أشوفه.. 
- شكله هو بيطب سكته من يشوف حلاوتش..
- فديته .. عمري .. مو مصدقه، انا في حلم يا عاتكه..
كانت كرة الشمس تجري، وتحمل معها حكاية فصل جديد، وعقارب الساعة تبدد دقائقها، والجميع انتظار، حتى حاج أحمد لم يخرج لسوق مهزة كعادته اليومية.. ومع مرور دوران الساعة تلو الأخرى يزداد وجيب قلب فاطمة خوفًا بمقدار فرح اللحظة.. جلست في غرفتها وحدها تنتظر بقرب النافذة وعيونها على شجرة السدرة في حديث صامت معها.
- حملت عتابك سنين.. وسمعت أناتك سنين .. بسّك لا تئنّين .. ساعه والقدر يجمع اثنين.. 
لم يكن طرق الباب وهزّ رتاج الباب الخشبي مرتفعا، لكنّ الترقب قاتل والانتظار أصعب، فينفتح الباب ..
جاسم هو عينه واقف بالباب..
- الوالد موجود.
فيرد عليه صبي فوق العاشرة " عادل" الشقيق الأصغر لفاطمة.
- بلى ..
لم ينتهِ الصبي من رده، حتى جاء الحاج أحمد لاستقبال ضيفه وزوج ابنته..
في البنكلة " المجلس" جلس جاسم مكرمًا، قضى وقتًا تناول فيه طرف الحديث مع الحاج، قطعه دخول فاطمة مع أمها بحياء، وصوت متهدّج، سلّمت على جاسم، والأرض لا تكاد تحملها، بنظرات خفرة منكسرة الطرف.. دنت منه بصمت شاعري، بينما بادلها بتحية أكثر جرأة .. ثم جلست بالقرب منه..
- هذي فاطمه اللي ما نستك يا جاسم.. ذكرك على قلبها وفي لسانها من شافتك أول مره في هالبيت! 
- وانا يا عمّه ما نسيتها، أشوفها بعيون قلبي، ولا اتبارح خيالي صورتها.. حملتها في قلبي تلسعني نار الشوق ليها.. وبتظل في قلبي طول عمري. 
نظراته لم تبتعد عنها، وهي تبادله نظرات ذائبة بين حين آخر.
بعد ساعة صفا الجو للطائرين العاشقين، التقى السندباد بمحبوبته على شاطئ هادئ، ودنا جاسم منها، أمسك طرفا من يدها بحنوّ وشفقة.. ليمسح عن فؤادها المجروح شظايا الغربة، وقسوة البعد، ومرارة السفر..
- اتعذّبت واجد يا فاطمة؟ كل هذا العذاب من أجلي؟ 
ذرفت دمعة من عينها على خدها الأسيل ، فمدّ يده ومسحها..
- راحت اسنين الانتظار والعذاب، وحانت لحظة حبنا اللي بيدفي حياتنا. بسّك ادموع يا بعد عمري..
- قسيت عليي يا جاسم، تمنيت أموت ولا أعيش بعيده عنك، جمرة حبك تصليني ليل ونهار!حاولت أنساك ما قدرت، فكرت أجفي قلبي واحطمه فاتولّع بحبك أكثر.. اسأل السدره اللي ظلّت حاسّه بناري وعذابي.
رفع رأسها إليه برفق..
- خليني أشوف اعيونش.. أشوف بريق الزمردات فيها، أشوفش حبيبتي.. أغسل تعبي من نورها..
انهرقت مشاعر الحب ساخنة بين العشيقين، ذاب جليد الحرمان، تماها جسدا واحدا وقلبًا واحدا، في سكون الصمت الجريئ وحدهما في لحظة ظمأ لرشفات كآسات العشق.
حتى شجرة السدرة صمت، غضّت بطرفها، وطفرت منها دمعة ساخنة من المشهد. 
حلّقت مع المساء زغردات الطيور في غناء بديع ينثر على الأفق أحلام الورد، يتراءى في الشفق قلبان ينبضان بحرارة، ينغمسان في قبلة اشتياق ونشوة حب.

 

Bottom of Form

 

شوهد المقال 2106 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت
image

عز الدين عناية ـ الكنيسة في العراق

عزالدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية
image

بوداود عمير ـ "أبي، ذلك القاتل" من أدب الإعتراف جرائم فرنسا في الجزائر ثييري كروزي

بوداود عمير  هناك بعض الأعمال الأدبية تبدو مرتبطة "بالذاكرة"، تتضمن شهادات إنسانية مؤثرة، تشرح التاريخ في بعده الأخلاقي والإنساني، من عمق الواقع."أبي، ذلك القاتل": كتاب صدر

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats