الرئيسية | إبداعات الوطن | جعفر يعقوب - البناء العاشق -٦٩-

جعفر يعقوب - البناء العاشق -٦٩-

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

جعفر يعقوب 

 

بعد الظهيرة، يتقاطر الحضور من أقارب الحاج حسن والمنضوين إلى ربقته ورفقته، حتى موعد المجلس، بينهم الملا أحمد الذي يشيع حضوره ملاحة خاصة تسرّ محدّثيه بنبرات صوته المرتفعة. 
وهاهي ذكرى
يوم المبعث النبوي بأهازيجه يملأ المجلس فرحة عارمة، بزغردات الملا أحمد وعذوبة أوتاره..
نبيّنا آياته ظاهره
يشفع في الدنيا وفي الآخره
أعظمها القرآن جلّ الذي
أنزله معجزة باهره
وفي انشقاق البدر للمصطفى 
والشمس في آياته ظاهره
وعلى موسقة صوته يتمايل الحضور طربا في ذكرى المبعث.
وبين حين وآخر تدخل المجلس وجوه غير مألوفة، يقوم الحاج حسن الإسكافي بنفسه باستقبالهم، وتشريفهم في موضع خاص من المجلس الذي بدا عليه مظهر أكثر رونقا هذا اليوم.
عيون الحاضرين تتأمّل وجوه القادمين مستغربة من هؤلاء الضيوف الأجانب، فيهم وجيه وقور تلاعب فيه الشيب، وشيخ معمم مهيبًا، قام الجميع توقيرا إليه، وإلى جنبه شاب عشريني يحمل في يده حقيبة صغيرة.
لكنّ واحدا فقط بدا مألوفًا من بعضهم، هو الحاج أحمد الهدّار، وراح الحاج علي بن عيسى يهمس لحسن متروك سائلا:
- وش جابه هالهّدار هنا؟ غريبه!
- يعرفونه من البحر.
كانت أم عبد الله تستقبل ضيافاتها أيضا، لكنّها صعقت حين رأت بينهنّ الملاية فاطمة تدخل بيتها برفقة امرأة وثلاث بنات في عمر الزهور، ولم تطل حيرتها كثيرا حين عرفت أنها عروس جاسم وحبيبته التي ينتظرها، حضرت لخطبتها وعقد كتابه عليها، فلم تتمالك من بثّ فرحتها زغرودة ملأت أجواء البيت، عرف الجميع منها سرّ التجهيزات غير العادية في البيت.
سيارة الهلمن تقلُّ جاسم من المطار لبيته، تقطع الشوارع شارعا شارعا بسرعتها المتواضعة. 
الملا أحمد ينتهي من قراءة المبعث، وترتفع الصلوات عالية، في الوقت الذي يصل فيه جاسم لمنزلهم...
- اليوم الجمعه، والجماعه موجودين ..
- الحمد لله على سلامتك، نوّرت بيتك.
- الله يسلّمك أخي حازم، والنور نورك .. حياك تفضل المجلس أعرفك بالوالد.
يتّجه جاسم نحو باب المجلس؛ للسلام على الحاضرين.. لم تكد ترنو إليه عيونهم حتى هرول الجميع لاستقباله، عناق حار، وتحيات ساخنة المشاعر، واحدا بعد آخر، حتى انتهى إلى أبيه، قبّل جبهته ويديه، فأمسكه أبوه الحاج حسن، ومشى به نحو ضيوفه، عرّفه بهم ..
- الشيخ زين بركات.. تعرف هذا ؟؟ 
هذا الحاج حسن الرملي .. سمعت عنه طبعا؟
احتضنه جاسم بإجلال وتقدير وهالة من التوقير.
- شرفتنا يا حاج هذي فرصه أتعرف عليك ..
- الشرف لي انا، انت صاحب فضل عليي..
- لا .. لا أبدا .. هذا واجبي يا حاج .. مقامك محفوظ، وراسك مرفوع.
- وأظنك جاسم تذكر هذا الرجال الطيب؟
- نعم، هذا الحاج أحمد الهدار.
- الهدار صديقنا من سنين، يا ولدي.
مدّ جاسم يديه مسلما، وهمّ بالخروج، لكنّ الحاج حسن استسمحه بالجلوس إلى جانبه، فانصاع لطلب والده.
- حاضر.
الدهشة تستحوذ بجاسم، وتثير فيه سؤالا واحدا: ما الصدفة التي جمعت هؤلاء في المجلس؟ وما علاقة والده بالحاج الرملي؟ 
لكن دهشته لم تطل حين بدأ أبو راشد بالكلام..
- يا ولدي جاسم، الحمد لله على سلامتك.. انت رجال عطوف وقلبك كبير، وصاحب القلب ما يترك احد قلبه مكسور . صح ولا لا..؟
هزّ جاسم موافقًا، وانتظره يكمل حديثه..
- فاطمة ابنة الحاج أحمد تنتظرك كل هالسنوات، وانت تنتظر لحظه اتشوفها زوجه في بيتك! واحنا جينا لبيتكم ، نقرّب بينكم، والجميع راضي، بقت موافقتك.
صدمت جاسم المفاجأة، فاحتار بالردّ! وهو ينظر لوجه أبيه، فقرأ موافقته في وجهه، فابتسم حياء من هذا العرض المغري الذي لم يتوقّعه، والمفاجأة الغريبة.
أراد الرملي أن يبدد حيرته، ويضعه أمام الواقع..
- وش قلت يا جاسم؟ العروس تنتظرك داخل بيتكم؟ وهذا أبوها موافق، والشيخ زين موجود جاهز يكتب العقد!
نظرات الجميع تتجه لجاسم في صمت ودهشة..
عقّب الشيخ زين بركات :
- ما بني بيت بعد الإسلام أفضل من الزواج.. يا أخ جاسم.
- على بركة الله.
انفرجت الأسارير في بهجة، وجاسم نفسه يغرق في حفلة فرح، تسيل فيها وديان قلبه غبطة، وترفرف 
طيور الحب على شرفة حناياه تعزف مزاميز بهجة طالت سنوات انتظارها. 
نادى الحاج حسن على ولده علي، وأسرّ في أذنه، خرج بعدها علي.
ارتفعت زغاريد النساء في بيت الإسكافي، ودوّت فرحة الزواج الذي ربط جاسم بفاطمة .. بين قلبين عاشقين ..بكلمات باركها صوت الشيخ زين الذي أخذ توكيل فاطمة في عقد قرانها بجاسم، وارتفعت الأصوات تبارك المكان بذكر الصلاة على النبي وآله، وصوت الملا أحمد يزجي قوافي الفرح هزيجا يتناغم معه الحاضرون طربًا بفرحة العقد. 
أم عبد الله تنتشي فرحة بحلم لم يخطر ببالها، فاطمة التي تمنتها زوجة لجاسم هاهي في بيتها تستقبل التهاني، وهي إلى جنبها، ما أسعدها لحظة حلم! والبخور العماني بعبقه الأخّاذ يملأ أرجاء البيت غبطة وبهجة.
تقدّم الجميع من جاسم يباركون له، متمنين له عشّا زوجيا ينعم فيه بالرفاه والبنين ..
- وأخيرا جت السعادة عندك، وعرفت تخطفها يا صديقي. 
قالها جلال عبد المصطفى بعد أن طبع على خدّ جاسم قبلة صادقة لصداقة حميمة، تنفست منذ الصّبا، وتبرعمت مع العمر، تحضر وقت الحاجة؛ لتوقد شمعة . 

شوهد المقال 2158 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت
image

عز الدين عناية ـ الكنيسة في العراق

عزالدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية
image

بوداود عمير ـ "أبي، ذلك القاتل" من أدب الإعتراف جرائم فرنسا في الجزائر ثييري كروزي

بوداود عمير  هناك بعض الأعمال الأدبية تبدو مرتبطة "بالذاكرة"، تتضمن شهادات إنسانية مؤثرة، تشرح التاريخ في بعده الأخلاقي والإنساني، من عمق الواقع."أبي، ذلك القاتل": كتاب صدر

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats