الرئيسية | إبداعات الوطن | جعفر يعقوب - البناء العاشق -٥٥-

جعفر يعقوب - البناء العاشق -٥٥-

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 جعفر يعقوب

 

 

كانت التحريات تصل يوميا مكتب الضابط سالم حمران، وتؤكد علاقته راشد بجويبر، ولقاءاتهما المستمرة في أكثر من مكان. 

لكن التقرير الأخير الذي نقله المتحري للضابط كان شاهد إدانة بتورطهما، وشهادة موثقة يمكن الاستفادة منها في التحقيق مع راشد، فربما خرج بنتائج جديدة.
- في شارع باريت " شارع باب البحرين " 
كان جاسم يترقب مرور جويبر لأكثر من ساعة ، و تبدو عليه العصبية والتذمر، حتى رآه قادما من جهة الدكاكين والمحلات مخترقا السوق المسقفة، وحين وصل إليه كان راشد غاضبا، فأمسك به، وارتفعت الملاسنة بينهما ..
- وينك؟ تتهرب مني؟ انتظرك، وانت مختفي ولا تسأل ؟
- ما أتهرب منك يا راشد، بس كنت مشغول.
- أنا اروح انتظرك 
على حسب الموعد في الفرضه، وانت ما تجي.
والان ويش سويت مع التاجر؟
- ما رجع من السفر؟
- ما رجع .. انت تقص عليي؟ خلاص انسى سالفة هالشركه اورجع المبلغ! 
واحتدم الجدل بينهما، حتى كاد يتحوّل اشتباكًا بالأيدي.
- فلوسك بجيبها لك بس انتظرني؟
- ليش انتظرك، انا غلطان وثقت بكلب مثلك. 
وين لفلوس.
انفضّ الخصام، فتركه جويبر مسرعًا، بينما وقف راشد مواجها عمود الإنارة، يضربه بيده بقوة.
قرأ الضابط هذا التقرير، ثم توجّه إلى المقدم فريد: 
- يتم إطلاق سراح شاكر السرو، واستدعاء راشد للمركز للتحقيق معه.
- أوامرك سيدي.
وصل الاستدعاء بطلب شاكر للحضور على عنوان الوكالة، فشعر راشد بقلق. 
وجد نفسه في عاصفة من الخوف، وفريسة في شباك الأسئلة التي تحاصرة، ولا يجد من يفك رموزها أو يخف من ضغطها سوى الشيطان الذي ورّطه فيها، ولكن أين يجده الآن؟ 
تداول جميع العاملين خبر استدعاء راشد بريبة، وراحوا يفسرونه بتأويلات من نسيج أوهامهم.
خرج من المكتب ونظرات العمال إليه، ففسر نظراتهم كسهام تنهش في جسده، فأسرع خطاه كالمجنون.
كانت الدنيا تدور به، وأَنَّ له أن يستقر في طاحونة تكاد تنهي حياته، وتهدر أحلامه التي باع كل شيئ عزيز عليه من أجلها .. كيف لهذا البناء الذي أشاده أن يتساقط في لحظة؟ كيف له أن ينظر في عيون أبيه وأمه وأخواته لو رفع الغطاء وانكشف المستور.
عقارب تنهي دورتها العاشرة، فأسرع بخطاه نحو مطعم اليماني، فسأل عن جويبر، لكن أحدا لم يره، ولم تخطُ قدماه إلى المطعم.
- مهبول راشد.
علّق عبد الله اليماني عليه، وهو يراه هائجا، يلهج في كلامه مستعجلا. ولا شك الذي قارب خريفه الستين يعرف زبائن المطعم واحدا واحدا.
حتى الحاج حسن الرملي أيضا كان أسير الحيرة من استدعاء ابنه راشد، لكنه لم يذهب بعيدا، فقد فسره كإجراء قانوني لكشف الحقيقة، وخيطا يساعد في فك شفرة جريمة السرقة، لا سيما وراشد يعرف أسرار الشركة، كما هو اعتقال شاكر محاسب الشركة.
كان شبح القيود تصفد يديه ورنينها تزيده ارتباكا، فماذا يفعل بعد أن شعر بالإرهاق من البحث عن جويبر الذي 
اختفى كإبرة في رمل المدينة، حت لم يجد أحد أثرًا له، وكأن المنامة ابتلعته. 
عاد المكتب، ونفسه يكاد ينقطع، فطلب كأسا من الماء. 
- وينك؟ رحت المركز؟
- لا .. يا ابي.
لاحظ الحاج قلق راشد في ملامحه وصوته، فأحب تهدئته..
- هالإجراءات روتينيه ما دام ملف القضيه مفتوح.. والله يجزي الضابط السالم خير .. حريص على القبض على الحرامي عديم الضمير والتربيه.. وين بيروح من محكمة العداله.
لم تكن كلمات الحاج سوى الإسفين الذي أشعل نار الخوف في صدر راشد، فراح يتخيل نفسه في المحكمة وفي يديه أذلال العار والجريمة التي لن يتطهر من ذلها.
دق جري المكتب بأصبعه، فدخل الشرطي حميد جعفر:
- هل حضر المتهم راشد حسن الرملي؟
- لا . سيدي.
- ارسل قوة لإحضاره للمركز.
- أمرك سيدي.
دخل شرطيان لمكتب الحاج حسن وسلماه أمر القبض على راشد، فقام من فوره إلى مكتب راشد، ومعه الشرطيان. 
شعر الجميع بذهول، وهم يرون راشد مكبلا بالإيفكري، حتى الحاج نفسه وجد في الأمر ما هو أخطر مما يظن. 
تولّى المقدّم فريد غازي التحقيق بنفسه مع راشد:
- وش علاقتك بجويبر مصلح! 
- معرفه عاديه.
- وين تلتقي بجويبر؟
- في المقهى، وفي بيته، واحيانا نسهر.
- من متى معرفتك به؟ 
- سنه.
- هل عندك مفاتيح للوكالة؟ 
- نعم.
- هل جويبر يزورك في الوكاله؟ 
- لا.
- ولا مره زارك.
- ولا مره.
- ويش تفسيرك لوجود بصماته على خزينة الشركة؟
- ما ادري.
- هل تشك فيه انه سارق صندوق شركتكم. 
- لا.
- هل أعرته مفاتيح الشركة ولو مرة ؟
- ما صار.
- ضاعت منك مفاتيح الشركة؟ 
- لا
- يمكن استغلك وسرق منك المفاتيح ودخل الشركة؟
- لا .. أبدا.
- عجل انت متعاون معاه، وسرقتم صندوق الشركة؟ 
- لا ،، ما صار.
- عندك أقوال أخرى؟
- لا..
- يا راشد .. إذا انت متورط فاعترافك من الآن بيخفف عليك الأحكام، أحسن لك، حتى تتلبس الجريمه فيك، ويفر الجاني من العداله.. انت يا راشد متهم والأدله قويه ضدك.
- ما انا متورط.
- نأمر بتوقيف المتهم راشد حسن الرملي على ذمة القضية لمدة خمسة عشر يوما، حتى تثبت لدينا براءته.
خرج المقدم فريد، وأبلغ الحاج حسن بتوقيف راشد لملابسات القضية، في حين بدا التأثر عليه واضحا، وهو يرى راشد مقيدا، يؤخذ للسجن.
في الوقت نفسه كان شاكر السرو يتهلل فرحا ببرائته، متجها لعائلته . 

شوهد المقال 1140 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats