الرئيسية | إبداعات الوطن | جعفر يعقوب - البنّاء العاشق -٤٥-

جعفر يعقوب - البنّاء العاشق -٤٥-

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 جعفر يعقوب 

 

 

أتون من الجحيم لا تجد فيه فاطمة سوى أن تزأر بصوتها في وجه اخطبوط منفوخ ومتهوّر، بل فاح نتنه، وانتشرت روائحه الكريهة، فلم يعد أحد في عائلته يخفى عليه معاناة فاطمة وحرمانها، إذ لم تنل حتى خردلة من حقوقها مع طيش راشد وأحلامه السوداء.
يصرخ في وجهها كجارية ذليلة، ولا تجد إلاّ التعاطف منهم، دون أن يتغيّر في راشد شيئ من قسوته؛ حتى امتدّت يداه إليها ضربًا وإذلالاً بدون أن يرفّ في قلبه لها جناحٌ من الرحمة.
راح يعنفها بألفاظه النابية لخروجها من البيت وتأخرها بصحبة أمّه وأخته لجارتهم أم سيد كامل التي استبد بها المرض، حتى أضحت مشلولة في فراشها.
- وين كنت يا طير الشؤم؟
أنا ارجع البيت وانت هايمه في بيوت الناس ؟ 
- كنت مع عمتي ...
يقاطعها بصراخه..
- انت ما علّموش أهلش ولا ربّوش تهتمين ابيتش بس .. ولا يخصش الناس .. بيتش بس يا وقحه ..
تنفجر عيونها بحرقة، وينصدع قلبها من سيل إهاناته وألفاظه الجارحة..
- حرام عليك .. اني ما قصرت وياك ..
- انت ما ينفع معاش إلا الضرب .. صدق المثل " يا من شرا له من حلاله علّه".
يخرج من غرفته مزمجرا وهو يرمقها شزرا. 
تجلس على الأرض ويداها على ركبتيها منكسة الرأس تذرف دموعها على إهانات لا مبرر لها.
ولحظات تمرّ وبابها يدق بأصابع ناعمة، فتمسح دموعها، ثم تقوم لتفتح الباب..
- وينش الغذا جاهز.. ينتظرونس يا أميره..
- اتغذوا مو مشتهيه! 
- ويش فيش .. وعيونش حمرا؟ 
- ما في شي ..
- ما في شي ؟ ووجهك مخطوف ولدموع تصب ! 
من هالمعجرف راشد !
أغلقت الباب، واتجهت لمخدعها بحسرة تذرف صبابات دمعاتها.
في المساء صارحت عمتها برغبتها في الطلاق من راشد، متعذرة بأن لا طاقة لها على احتمال وقاحته وفظاظته، ولا أمل لها في تغيير تنتظره منه.
- يا بنتي .. تعرفين غلاوتش عندي، وكلنا ساخطين على راشد.. امفشلنا وياش .. صبري لا تستعجلين ، عسى الله يهديه ويصلحه ..
وبصوت مكسور خافض ردّت ..
- اصبر لمتى عمه؟ وكشفت عن ذراعها؛ لتبدي لأمه آثار ضربه على ذراعها ومتنها. هال أم راشد ما رأته من احمراء على جسد فاطمة، فأشاحت بوجهها متألمة ..
- إنا لله وإنا إليه راجعون ..
سمعت شهزلان، وهي بالقرب من الباب ما دار بين أمها وفاطمة التي أحبتها، وتعلقت بها، فعدت مسرعة لغرفتها تلملم دمعاتها بحرقة.
قصّت أم راشد لزوجها الحاج مأساة فاطمة ورغبتها في الطلاق من راشد، فاغتاظ الحاج حسن من تصرفات ابنه المخجلة، ووعدها بمحاسبته عند عودته للبيت. 
ولكن متى يعود، وقد أدمن السهر مع رفقاء الليل.
كانت الأضواء الخلابة لقصر بلاستينيا العريق تتلألأ على ضفاف التايمز، بينما جاسم ورفيق سفرة إبراهيم أبو ماضي يتجاذبان أطراف الحديث، وهما يسيحان على ضفة النهر في جوّ صاخب بالسائحين الذين يعشقون روعة التايمز وهوائه الدافئ في ليل مفعم بالحياة. 
- والله هالديره تنسيك أهلك من حلاوه .. شوف. هالغزلان ..
يضحك جاسم، ويرد ممازحا ..
- بخبر أم عبد الرحمن عنك امغازلك حريم لندن..
- هالجمال تسميه حريم ؟ قوول ألماس .. قول قوارير.. هالجمال يرد الشباب ..
- وام عبد الرحمن حوريه ..
- اشويه وبتقول مارلين مونرو هههه والله انت طيب ما تعرف للحريم .
في الصباح كان صوت الحاج حسن الرملي يرتفع غضبًا ومعنّفا راشد، ويصفه بالابن بالمارق. نفثة فرّغت جام غضب الأب على ابنه الذي مازال بحجم طفل لا يحسن المسئولية، وبعقليه أرعن لا يعي مزالق تهوره وجموحه. وراشد يتلقى الصفعات مستشيطا، يفيض صدره لهاثًا كثور هائج مستمرا في مكانه كنصب من الطين.
- متى تصير رجّال، الجسم جسم بغله، والعقل عقل سخله.. قوّتك على هالمره الفقيره اللي ما قصّرت معاك ..
وصّلت المره إلى كرهك وتطلب الطلاق .. يا عيب لرجال مثلك.
والله إذا ما تعقل وتحسن تصرفك أطردك من البيت وأحرمك من الميراث .. 
بلغ السيل الزّبى، وطاش عقل راشد، وأزبد ، فخرج هائجًا من وجه أبيه، وهو يعِد ويهدد فاطمة.
بعد يومين عادت فاطمة إلى سترة محمّلة بهموم بحجم الجحيم، فراشد يزيد صلافة، ويذيق فاطمة سياطا من العذاب والقسوة. لكن شجرة السّدرة غارقة هي الأخرى في أحزانها.

 

 

 

شوهد المقال 1298 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats