الرئيسية | إبداعات الوطن | جعفر يعقوب - البنّاء العاشق -١٥-

جعفر يعقوب - البنّاء العاشق -١٥-

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

جعفر يعقوب 

 

 

مع الضحى، إلى شجرة السدرة امتدت عيون فاطمة، تتأملها، وتنظر إلى عش من الخوص والقش بناه زوجان من طيور الحب الصغيرة بلونيهما الفاقعين، بين أغصان السدرة المتفرّعة فيه منذ أمد.
الشمس ترسل خيوطها الذهبية عليه ناعمة، وتداعبه برفق. 
فاطمة ترنو برمشين فاتنين استدارا بهلالي حدقتي عينيها النجلاوين، وهي تناجي ذلك العش الصغير، وتبثه وجْدَها الذي يحفر في نسيج قلبها الرهيف أخاديد من الحسرة. 
آه .. حميمية بيضاء تكتنف روح هذين الطائرين، وألفة تجمعهما. ما أجملهما! ويا لدفء هذا البيت الصغير! كيف له أن يمدّ جناحه؛ ليمنحها هذا الفيض من الحنان؟ تقترب بمنقارها الصغير منه، فيسقيها هذا الإكسير الجوري الحميم؟ ما أبهاه! وهو يرتمي بجناحيه عليها فيغرقها برذاذ لطفه المتدفّق! 
يوشوشها، ثم يطير عنها، وسرعان ما يعود إليها، وهو يزقزق فرحًا، فتحتضنه مسروره! أهو الحب الذي جمعهما، و يفرش عشهما مشاعر حميمة؟ 
- آه .. كيف عذبتني بحبك وسقيتني رحيق قلبك وهجرتني بعيدا ؟ ألا تدري كم أفتقدك يا ساكن قلبي؟ ألا تعلم عطشي إليك ؟ رحماك بي يا جاسم ! كفاك لقد أحرقتني بنارك يا قرّة عيني! 
جالت بها هذه الخواطر بزفرة، وأوهجت رماد قلبها بضرام ذلك الشوق الذي يزيدها برحًا ولواعج كلمّا طال ابتعاد جاسم عنها. 
اقتربت منها أمها التي تتقطع ألمًا لحالها واحتضنتها برفق، وقالت: 
- الزواج قسمه ونصيب يا بنتي. 
- أمي .. هذي الشجرة تعرف جاسم، تفتقد جاسم؛ فكيف احنا؟ .. في كل مكان ريحته، أحسه وياي ، وخياله ما يفارقني ، بس ما أشوفه، لكن روحه، وضحكته في كل مكان في البيت، أشلون أنساه؟ أشلون.
- لا تعذبين روحك وتعذبيني معاك .. شوفي وجهك في المنظره .. وين الوردة البيضاء الفاتنة ؟ ذبلت.
- تعرفين يا امي .. ليلة زواجه شفت السما تقصف رعد والعاصفة تزمجر والغيم أسود، وأنا هنا والريح مجنونة تسحبني، وانا محتضنه شجرة السدرة، وهي تمسكني، وتقول لي اتمسكي بي، فكنت أقاوم بقوه وأنا أصيح، وبعدين هدأت العاصفة، وطلعت الشمس .. هذا حلمي يا أمي.. معناه لازم أصبر على فراقه، وبانتظره طول عمري، لازم بيرجع إلى هذي الشجرة، وهو وعدني، ما يخلف وعده .. قلبي يقول هذا...
- الله يهدّي سرك ويلطف بك.. 
نظرت في وجهها برأفة، ومسحت دمعة انزلقت من عينيها .. ربتت على كتفيها، ثم تركتها عند شجرة السدرة، واتجهت إلى حيث تنتظرها أعمال البيت.

 

 

 

شوهد المقال 913 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب يصدر ديوانه الثامن عشر { المرأة الحلم } في بغداد

المرأة الحلم ..قريبا في بغدادديوان جديد للشاعر العراقي المغترب علاء الأديبفي موعد قريب ومن بغداد سيصدر الشاعر العراقي علاء الأديب المقيم في تونس ديوانه الثامن
image

وليد بوعديلة ـ ذاكرة "قالمة " وهويتها في رواية سنوات المحبة للأزهر عطية

د.وليد بوعديلة  رواية " سنوات المحبة" للكاتب الجزائري الأزهر عطية:تحولات وطن،وهج فني وهوية مدينة بعد أن أبدع الكثير من النصوص التي عانقت التاريخ الجزائري، يختار الكاتب
image

محمد محمد علي جنيدي ـ هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ يا فؤادي لا تسلْ كيف ارتضيتُ هذه الدنيا قلاعٌ من عذابٍ وسيولٌ من دموعي فاكتفيتُ كانت الأيامُ
image

معتقلي الرأي في الحراك الشعبي الجزائري

ابراهيم دواجي  اخوتي: محمد دعدي، توفيق حلاتي، محمد سمالح، نبيل بوالقمح، رضا عمرود، رابح بلكور، الشيخ ڨاريدي، رشيد، رضا بوعريسة، بوعلام الغاز، الصادق، بشير،
image

زوايمية العربي ـ محمد شرفي وتاريخه الأسود ضد الجزائريين

 زوايمية العربي  محمد شرفي الاسم الذي لم انساه منذ 33 سنة . افلاني ريعي من ولاية قالمة كان صديق
image

البروفيسور الجزائري عبد العزيز برغــوث يحرز على جائزة التميز الدولية لهذا العام "جائزة جواهر العالم الإسلامي" بمساهماته في وضع خطة ماليزيا للتنيمة 2050 منذ سنوات

محمد مصطفى حابس : جنيف /  سويسرا The JEWELS OF MUSLIM WORLDLes joyaux du prix du monde musulman هجرة العقول أو الكفاءات ظاهرة تاريخيّة لم ترتبط بمكان
image

حمزة حداد ـ المختفون قسرا في الجزائر حراك مستمر

حمزة حداد  منذ أسبوع تدخل الأستاذ مصطفى بوشاشي بمقر حزب الافافاس، حول قضية المساجين السياسيين والمفقودين بدزاير في فترة التسعينات، وتحدث عن حجم المعاناة
image

نوري دريس ـ فرصة تاريخية للجزائر يجب أن لا تضيع...

د.نوري دريس   منذ بداية الحراك، وكلما دخلت في نقاش مع الناس العاديين، إلا و قالوا لي: سوف تقوم السلطة باعتقال طابو( بسبب غباء السلطة
image

جباب محمد نورالدين ـ شاهد على إعدام سيد قطب : من عمق القرية في الأوراس الجزائرية

د. جباب محمد نورالدين    كان ذلك في الستينيات و في العطلة الصيفية التي أقضيها في القرية مثل معظم الجزائريين في تلك الفترة كانت والدتي أطال
image

عماد البليك ـ فصول من كتاب جديد: الفكر المطارد في السودان عبر القرون 3

عماد البليك البدايات.. ثورة أركاماني:  بالعودة إلى جذور التاريخ السوداني وإلى أول الممالك القديمة في السودان الشمالي، قبل الميلاد، سوف نجد أن الكهنة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats