الرئيسية | إبداعات الوطن | جعفر يعقوب - البناء العاشق -١٤-

جعفر يعقوب - البناء العاشق -١٤-

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 جعفر يعقوب 

 

بعد أربعة عشر يومًا على زواج لم تنل منه سوى تغيير حالتها الاجتماعية، ولم تنهل منه سوى الخيبة مع زوج يعيش معها باردا، خبت فيه نكهة الرجولة التي وُعدت بها، فلم تعد حميدته إلا ديكورا يتستّر به عن كلام الناس، كفانوس يتدلى في فرشتها بلا بريق..
- آه لحظي العاثر ! 
في زيارة صديقتها صفية الصافية التي تقول عنها حميدة كلما التقت بها:
- أنت أجمل ما حصلت عليه في هالدنيا. 
هي صديقتها، ومستودع سرّها منذ عرفتها وهي صغيرة وجارتها التي لعبت معها في أزقة الفريق، في الحيّ الوسطى من الديرة، وفي البيت العود نقشت معها ذكريات لا تُنسى كانت زاهية بمرح الطفولة وألعاب البنات، فلا عجب أن تكون لصيقة بها، وقريبة إلى قلبها.
خلت بها في الفرشة، وكانت سعيدة لأجلها، فهمستها ضاحكة مازحة:
- ماذا فعلت بالخرقة الحمراء؟ 
فانكسفت خجلا، واحمرّت وجناتها حياء وحزنا، وجفلت كالخشبة، حين طرق سمعها هذا السؤال الذي طالما تهرّبت منه حين تلحّ عليه عمّتها وأقاربها، وخاصة في صبح الصّباحية، وما عسى أن تقول لهن؟ 
فتغمغم حميدة، وتنكس رأسها، فترنو إليها صفية بنظرة حانية، وهي تدنو منها:
- حميدة ! 
وانفجرت حميدة باكية، فضمتها صفية بشفقة، وهي ترى عبراتها تنسكب على خديها الأسيلين، وهي تنحب نحيب الفاقد الموتور، حتى هدّأت روعتها، وأطفأت نيرانها المسجورة ..
وبصوت منكسر قصت حميدة وجعها المكنون في صدرها، وهي تتأوه تأوّه الملدوغ، وصفية تصغي إليها متألمة لحال صديقتها التي تغبطها البنات بجاسم.
- ربما أصابته عين الحاسدين! 
.. تعلقي يا مرة لو تحت شجرة ..
ثم تمتمت: 
-اصبري فربما يتحسّن حاله بعد الحوّال! 
أطلقت تنهداتها الساخنة، ونشّفت دموعها، ونهضتا 
استعدادا للحوّال، فالآن عليها أن تستعد لجمع ثيابها وعطوراتها، وأغراضها الثمينة، لتنتقل إلى بيت زوجها في موكب مهيب. 
تحلت بقلادة ذهبية، وبعضا من الحلي والأساور، وتطيبت بعطر خاص، ومداخن البخور. تملأ غرفتها، بينما كانت صفيّة تشرف عليها، وتساعدها على ترتيب حاجاتها، وتضعها في صندوق مبيّت. 
لم يدم الوقت طويلا، حتى اجتمعت النسوة في باحة البيت بانتظار خروج العروس، يستقبلنها بالتتبيت والجلوات الشعبية في جوٍّ بهيج، ويومين عليها قطعًا نقدية ومشمومًا وبعضًا من الحلويات..
رحنا وجينا بها رحنا وجينا بها
أَمَّا تكثرون الممروس وإلا ردينا بها
سبعة خواتم على السارية قومي اطلعي له يالغالية
وينطلق موكب الفرح يقطع الطرق إلى بيت الإسكافي، فقد تمّت تهيئة غرفة خاصة لهما، ودعوات القلوب تهمس بأن ترفَ عليها طيور السعادة، وأن يملأ بيتهما بالبنين والبنات ..
لكنهن لا يعلمن شيئا عن تلك العروس المجروحة، سوى صديقتها التي بدت على وجهها سحابة حزن.
وجاسم غارق في وادٍ من الحزن، يحرّك بيديه سبحته، ينتظر لحظة وصوله لبيتهم؛ ليرمي ثقلا من فوق كاهله، ويتخلص من غصصٍ حبست أنفاسه بين أقرانه وأصحابه، كما يفعل في كلّ نهارات زواجه التي قضاها في بيت حماه . 

شوهد المقال 1323 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ ميلاد

خديجة الجمعة  واقترب ميلادي فما هي إلا أيام تفصلني عنه. أحببت عيد ميلادي، لأنه ليس فقط عيد ميلاد يغنى به . لا بل وبالصدفة البحتة .
image

الذكرى السنوية الأولى لرحيل الدكتور الشيخ عشراتي

الوطن الثقافي   منذ سنة بالضبط خسرت البيض ركنا من أركانها، وارتاح الكثير من الجبناء لرحيل قلم أزعجهم كثيرا، لمس الراحل كل النقاط بكل شجاعة، ولم يخش
image

أحمد سليمان العمري ـ كورونا المتحوّر: هل اللقاح فعّال ضد الطفرة الجديدة؟

د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف  يُعتبر عيد الميلاد هذا العام في بريطانيا هو الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية. قبل أيام من نهاية الفترة الانتقالية لخروج الأخيرة
image

وجيدة حافي ـ ما ذنب الحُكومة إذا لم يتحرك الملك والرئيس

وجيدة حافي كل الشعوب العربية تُطالب بإسقاط حُكوماتها وتغيير وزرائها عند أي زلة أو خطأ بسبب فشلهم في تحقيق التنمية
image

عفاف الصادق ترشة ـ هالة عبسي وتغيير نظرة المرأة السوفية للرياضة

عفاف الصادق ترشة    المتتبع للتغيرات الإجتماعية الحاصلة خلال السنوات الأخيرة في الجنوب الجزائري وفي ولاية الوادي تحديداً ، تأثيراً ملموساً على نظرة المجتمع السوفي الصحراوي "
image

رشيد زياني شريف ـ سخرية الأقدار؟ بل "كلُ نفسٍ بما كسبتْ رهينةٌ"

د. رشيد زياني شريف  يوم 16 يناير 2020، يصادف الذكرى 29 لعودة بوضياف من منفاه، على رأس المجلس الأعلى للدولةHCE بعد انقلاب 11 يناير 1992،
image

مريم الشكيلية ـ وجوه متشابهة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان  يا سيدي....الحزن توأم الشتاء وبملامح خريفية......عندما يغزوك الحزن تنكمش مشاعرك ويتقلص فرحك...كذا الشتاء يجعلك متشبثا" بدفئ سترتك ويديك متشابكة وكأنها تشعل
image

.شكري الهزَّيل ـ ذباب الاستبداد والفساد!!

د.شكري الهزَّيل تبدو الأمور أحيانا كثيرة خارج النص واحيانا بكامل نصها وأخرى بلا نص ولا معنى ولا فحوى عبر ازمان تزمَّنت زمانها وأماكن تمكَّنت مكانها
image

عفاف الصادق ترشة ـ منصات التواصل الإجتماعي مكان للصراعات الثقافية الإفتراضية

عفاف الصادق ترشة   مع بروز ما سمي بمنصات التواصل الاجتماعي إكتسح مفهوم الثورة السلوكية لرواده والذي عكس الغطاء الخارجي لثقافة ومجموعة التوجهات الفردية المنحازة بواقع الثقافة
image

وليد عبد الحي ـ المقاومة الفلسطينية والجهة الخامسة خلال السنوات الاربع القادمة

أ.د.وليد عبد الحي تتعامل الدراسات المستقبلية مع متغير تسميه المتغير " قليل الاحتمال عظيم التأثير"(Low Probability-High Impact ) ،أي المتغير الذي يكون احتمال حدوثه محدودا لكن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats