الرئيسية | إبداعات الوطن | جعفر يعقوب - البناء العاشق - ١٢-

جعفر يعقوب - البناء العاشق - ١٢-

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
جعفر يعقوب 
 
 
في ليلة الدخلة أوصد باب فرشته بالمزلاج، وها هي حميدة العروس جالسة على فراش قطني مطرز بالنقوش، وراوئح البخور العمانية يفوح عبقها، وطيب فضاء الغرفة الصغيرة. لكنها لم تحرّك شيئا من هيئة جلوسها، وهي تتغطى بمشمر أخضر مطرز بالخيوط الذهبية فوق ثوب النشل بانتظار أن يرفعه جاسم عنها، ويكشف عن حسنها، ليرى عروسه كما تمناها بجمالها ونضارة سحرها، وهي تتصبب خجلا وحياء. اقترب منها بخطوات وبصوت خافض: 
- السلام عليكم.. مبروك يا عروس .. 
وبحياء العروس أجابت: 
- وعليكم السلام .. ولم ترفع عيونها إليه.
ثم مشى خطوتين، وجلس على طرف كرفاية النوم ( سرير الزوجية) تتدلى منها ستائر زاهية ملوّنة، وبقى صامتًا. 
أحسّت حميدة بسكاكين تقطّع أنياط قلبها وتفري أحشاءها، وهي التي تتوقع في ليلة العمر شيئا آخر، بل كانت تشعر بقلق من مغامرة تلك الليلة، وصفتها لها صديقتها التي تزوجت قبلها ببضعة شهور، أو كما وصفت لها الداية بالتفصيل الدقيق حتى تصببت عرقًا.
أعياها التعب وهي تنتظر منه جرأته على فتح كتاب لم تقرأه من قبل، ومعرفة أسرار لا عهد لها بها.. حتى أخذ اليأس يدب إليها وينشر عليها شباكه العنكبوتية..
طفرت دمعة من عينها حملت كل ما يعتمل في قلبها من حسرة وألم، وامتزجت بكحل عينها حتى غرقت بدموعها بنشيج من لهيب قلبها المكسور كالإبريق.
كانت الشموع تسترق أنينها وترقص على وقع جرحها وقلبها المتثلّم، وإبريق الماء الفضي، ووجبة العشاء التي أعدّت للعروسين بلا نكهة ولا طعم .. حتى هو - وهو يشيح بوجهه - لم يقترب النوم من جفنيه، رغم جسده المتعب، وهل يلامس النوم جفنا يتعذب كالسجين، وقلبا تحطمت أحشاؤه مرارة لإمرأة يسقيها كؤوس الغمّ بلا ذنب إلاّ إنها فُرِضَت عليه زوجة وشريكة حياة بلا رغبته؟ فذاقت علقم الحزن بلا جريرة سوى أنها رضيت به زوجًا! 
وما حيلته هو وقلبه يتمزق لفراق فاطمة التي أحبها واختارها قلبه طوعًا؟ 
ولا تزال تنتظره؟ كيف له أن ينهي عذابهما؟ ما أقساه هذا الليل الثقيل يدب بطيئا موحشًا! متى تتسلسل خيوط الفجر، وترفع الصبّاحية نوافذها؛ ليفرّ من عذابات هذه الليلاء المقفهرة! 
نزلت الشمس، فجاءت النسوة لبيت العروس يحملن على رؤوسهن زبلان الخوص مملوءة بالخبز والحلوى الطازجة والمشموم، ويؤدين الطقوس الشعبية التي يتعارفون عليها ب" الدستار "في صباح الصبحة متفائلين بأصبوحة هنيئة وزواجًا ميمونًا للعروسين

شوهد المقال 1560 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats