الرئيسية | إبداعات الوطن | جعفر يعقوب - البنّاء العاشق -١١-

جعفر يعقوب - البنّاء العاشق -١١-

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

جعفر يعقوب 

 

 

السماء تتلبد سحبًا سوداء، تتدافع على بعضها، والريح تنثر أزيزا تتناغم معه النوافذ الخشبية، وأغصان شجرة السّدرة تضطرب، وأوارقها تتساقط واحدا تلو أخرى، وفناء البيت خال تلعب فيه الريح كيف شاءت، عدا فاطمة التي وقفت تتشبث بشجرة السّدرة بقوة، حتى لا تجرفها ريح العاصفة، وكأنها تصارع من أجل البقاء في هلع وذعر، وصوت الرعد يزمجر بقسوة بعيون كأنها جمالات صفر ترمي بشرر كالقصر، فيزيد إصرار فاطمة على حضن جذع السدرة بما أوتيت من قوة تحتمي بها من سياط العاصفة الهائجة. ومع لمعان البرق تهطل جيوب السماء بغزارة تغمر فناء البيت، ورويدا رويدا تنقشع السحب الداكنة، وتفرّ الغيوم مذعورة، فتبتسم الشمس، وهي تطلّ بوجهها الضحوك، في نشوة مفعمة بالأمل.
استيقظت فاطمة من حلمها هلعة مضطربة من هذا الكابوس الذي بددّ رغد نومها، فهبّت خائفة تتلمس حائطا تعتمد عليه، وأضواء الغرفة خافتة تتجاوب مع الكابوس المخيف.
خرجت من الغرفة، بينما عاتكة تمازح أمها التي انتصفت العقد الثالث من عمرها، وبمرحها المعهود مالت نحو أمها التي أنهكتها أعمال البيت، وما زالت ترتب بعضًا من أواني مطبخها المتواضع بعد أن تناولت العائلة عشاءها بغياب عميد العائلة، وقالت مبتسمة:
- وين الوالد أبو ناصر غايب الليلة؟ ما حضر على العشا؟ هذا مو من عوايده؟ 
- راح المعامير مدعو على وليمة معاريس. 
- معاريس ؟ الله الله !
واقتربت من عاتكة تهمسها: 
- اخفضي صوتك ! لا تسمع أختك! 
- الليلة زواج جاسم ؟ 
- حبيب فطومة ؟ أوووو الليلة؟ يا ويلي.
- نعم .. لا تخبري أختك.
كانت فاطمة تضع رجلها على عتبة المطبخ وكلمات الأم تطرق سمعها، فنظرن لها بدهشة وصمت خائفتين.
أما فاطمة، فوقفت واجمة برهة متجمدة كالتي أصابها مسّ من السحر، فأر ادت أم ناصر أن تغيّر الموضوع بسرعة مرتبكة، فتشاغلت بعملها.
وعاتكة تتسمّر كخشبة في مكانها، فلم تنبس بكلمة وعيونها تدور بين أمها وأختها.
وقفت فاطمة للحظات على الباب تترنَح كورقة تلعب بها الريح، وهي تنظر لهن ذاهلة،مقبوضة مخنوقة، كأنما جبل يثقل على صدرها، فسقطت على الأرض مغشيًا عليها، فصرخت أمها، وهرعت إليها، وهي تصرخ:
- بنتي .. ماتت بنتي ! 
وهوت عليها معولة تضمها إلى صدرها، وتلملم جسدها النحيف إليها ناحبة:
- فطوم فطوم ..
خرجت بقية العائلة أخوة وأخوات مفزوعين من الغرف على صراخ الأم التي رأوها ممدّدة على الأرض محتضنة فاطمتها العزيزة فتجاوبوا مع صرختها تكاد قلوبهم تطير من الرعب.

 

 

شوهد المقال 1147 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats