الرئيسية | إبداعات الوطن | جعفر يعقوب - البناء العاشق - ٨ -

جعفر يعقوب - البناء العاشق - ٨ -

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

جعفر يعقوب  

 

 

تصحو فاطمة مع زقزقة العصافير وهي تعزف ألحان الصباح كجوقة موسيقية على شجرة السدرة التي تركن في ناحية من بيتهم.. تنتظر الساعات تمر؛ ليطلع عليها شمس النهار ببشرى سارّة تبدد الكابوس الذي داهمها ليلا، وحرمها لذّة النوم. 
مشت كحمامة بيضاء إلى حيث شجرة السدرة تنتظر عودته، ليطمئن قلبها بالنظر إليه، ولو من بعيد.. هاهي فاطمة تذرع المكان حينا، وتلوذ بالسدرة حينا آخر مضطربة منزعجة. 
لمحتها أمّها التي شرعت في أعمال البيت باكرا كعادتها اليومية، فجاءت إليها:
- فاطمة! ويش فيك؟
- ما فيني شي.
- ما فيك شي ؟ مريضة؟ وش امقعدنك هنا هالوقت.
- ما فيني نومه بس .. فجيت أشم الهواء.
خطت الأم راجعة لتزاول عملها، لكن وجه فاطمة منخطف، هكذا حدثها قلبها، فهي تعرف ابنتها جيدا، ثم تمتمت : عساه خير، والله يحفظك يا بنتي.
مضى الوقت ثقيلا على فاطمة، وقلبها مشغول بجاسم، تنتظره بلهفة المحب، واشتياق العاشقين.
- يا الله ..يا الله 
تلك النداءات وطرقات الباب الخشبي، والصوت المعتاد في مثل هذا الوقت أفزع قلبها، فأسرعت لفتح الباب لعمال البناء، فهذي نهاية الانتظار وموعد مجيئه، وهكذا فعلت رغم ثقل مزلاج الباب الخشبي، لكنها نجحت في فتحه. دخل الأول ثم الثاني ثم الثالث، وانتظرت، لكن الرابع لم يدخل. فأوصدت الباب، وقلبها يتفطر لوعة وحزنا.. جاسم لم يكن معهم!
لماذا لم يأت؟ ماذا جرى له؟ وكيف تسألهم عنه؟ 
أين أنت يا حبيب قلبي؟ واختنقت بعبرة محبوسة ثم ركضت إلى غرفتها.
جلست القرفصاء في ركن من الغرفة تذرف دمعاتها على خدّها، وتئن أنين الثكالى بصوت منخفض. 
استيقظت أختها عاتكة من أناتها المتقطعة ونشيجها المحرق والتي اخترقت منامها، فجاءت إلى جنبها مذعورة، وأمسكت يدها: 
- ويش صاير؟؟
- فاطمة، أبي صار له شيء؟ 
- من ؟ خبريني - 
- مو صاير شي قلت لك.
- واصياحش ؟ 
- ما في شي.. روحي نامي. 
- ويش فطوم ؟ انت متغيرة، مو هذي طبيعتك! قولي يمكن أقدر أساعدك ..
واختنقت فاطمة معولة ودمعات تنحدر على وجنتيها.
أدركت عاتكة سرّ أختها، إذن هو الحب، واستعادت مشهد وقوفها معه بأنه لم يكن عابرا، بلى هو الحب يصدّع جدران قلبها! ضمتها إليها بحنو وشفقة عسى تخفف عنها تباريح الوجد ومرارة الاشتياق.
مرّت ساعات والحاج عبد الله ينهي عمله، فقد اكتمل البناء الجديد، وها هو الحاج أحمد يحتضنه مودعا له وشاكرا إياه على تفانيه في عمله، مع رفاقه، ثم ينعطف قائلا: 
- سلموا على جاسم ، عسى الله يشافيه ويعافيه من مرضه. 
بينما كانت فاطمة تراقب المشهد من غرفة مجاورة سمعت كلام أبيها كسهم أصابها في لبّة قلبها، ورددت بهمس:
- مريض؟؟ 
دارت بها الدنيا، واحتبست أنفاسها، فقد عرفت سبب غيابه، وهو الذي لم يجفها يوما، منذ وطأت رجلاه هذا البيت.
- ما مرضه وعلته؟ ليتني أستطيع أن أفتت قلبي وأداويه به؟؟ كيف لي أن أطمئن عليك يا عزيز روحي وأنت بعيد عني؟ وكيف لي بوصالك وأنت فاجأتني بغيابك؟ ترى كيف سألتقي بك؟ ليتني أستطيع أن أكتب لك رسالة يحملونها إليك، أضمخها برائحتي، وأطيّبها بقبلاتي لتعانقك يا حبيبي؟ وغرقت بدموعها بنشيج حزين.

 

شوهد المقال 1405 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ يا دكاترة الجزائر ..انزلوا إلى الحراك لتتعلموا من الشباب ..

د. العربي فرحاتي  سمعت أحد الأساتذة منذ يومين متخصص في علم التاريخ ..ستعرفون اسمه..يقول أن الانتخابات "دوز دوز " شرعية.. وأن "تبون الرئيس" أتى عبر الحراك
image

معتقل الرأي وليد كشيدة .. الميمز ليست جريمة

 #معتقل_الرأي_وليد_كشيدةالمقال بمساعدة صديقيه نوفل و أسامة.وليد كشيدة الإبن الوحيد لأبويه شاب في 26 سنة من عمره ولد في 14 ماي 1995 بمدينة خراطة ببجاية أين
image

كريمة ابراهيم ـ احسان الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراق

كريمة ابراهيم ـ البحرين الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراقحصل الفنان العراقي احسان الجيزاني على الميدالية الذهبي العالمية
image

رضوان بوجمعة ـ في ذكرى وفاته الثالثة ... زهير إحدادن زهد في المكاسب و كظم غيض المتاعب!!

د. رضوان بوجمعة  لم أصادف طول حياتي الجامعية _ودون أية مبالغة_ أستاذا اجتمعت فيه الصفات التي اجتمعت في الأستاذ الراحل زهير إحدادن، فهو المؤرخ ومن صناع
image

حمزة حداد ـ اليسار الأمريكي يقود معركة التوغل داخل السلطة الأمريكية من بوابة الحزب الديمقراطي

حمزة حداد لفتت قفازات السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، الأنظار خلال حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن، وتساءل رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن سرّ هذه القفازات الكبيرة.هذه
image

بوداود عمير ـ ملحمة راهبة في الصحراء ، عين الصفراء

بوداود عمر  من أوجه الخلل في الساحة الثقافية أن بعض الأعمال الصادرة عندنا، رغم قيمتها الأدبية وأهميتها التاريخية، لا تحقق الحدّ الأدنى من الاهتمام، وسرعان ما
image

جباب محمد نور الدين ـ اليهودي بنيامين ستورا :يسعى لإغلاق القوس في زمن لم تعد فيه أقواس

د.جباب محمد نور الدين  لما صدر كتابه حول مصالي الحاج انتظرت الرد من أهل الاختصاص، ولما شاهدتهم "ضربو النح " خشية الإملاق والحرمان من عطايا
image

سعيد لوصيف ـ الأصل في المؤسسات تحييد غريزة الموت وبعث غريزة الحياة..

د. سعيد لوصيف  يعتبر التخويف و ممارساته النقيض المنطقي للاتجاه العقلاني في ممارسات الحكم، بل يمكن اعتباره من الناحية التحليلية سلوكا ساداويا، يعتقد اصحابه أن "العقل"
image

مولود مدي ـ التحديث السياسي

مولود مدي   أحد الباحثين في التحديث السياسي Lucian Pye في كتابه Aspects of Political Development يطرح فكرة، أن المجتمعات على اختلافها، يجمعها شيء مشترك وهو انه
image

عبد الجليل بن سليم ـ إستدلال Joe Biden بالقديس أوغسطين

د. عبد الجليل بن سليم  البارح في خطابه الاول Joe Biden إستدل بالقديس أوغسطين ، باش يكون عندكم خبر برك بلي Joe Biden ينتمي إلى الكنيسة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats