الرئيسية | إبداعات الوطن | جعفر يعقوب - البنّاء العاشق -٧-

جعفر يعقوب - البنّاء العاشق -٧-

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

جعفر يعقوب 

ينطق الحاج عبد الله من الصباح الباكر إلى عمله لوضع اللمسات الأخيرة على عمله في بيت الهدار، بصحبة رفيقيه، ولكن تخلف واحد فقط، نعم، هو جاسم الذي أقعده الحمى، وأعاقه المرض. جمنذ الجمعة المنصرم؛ لم يبدُ العريس الشاب كما كان في فتوته وأريحيته، مغموما يحمل على قلبه جبلا من الحزن، وسحابة سوداء تكسو وجهه القمحي. يجلس طويلا لوحده منعزلا عن أقرانه، ولم تعد تستويه مشاركة أصدقائه في رحلة صيد الطيور البرية، وهو الذي يحترفها أكثر من غيره، ويعرف حبائلها، ويجيد حركاتها كصائد هاوٍ ومعلم خبير بفنه.
انقلبت حياته إلى نكد غير معهود به، ولم أحد يعرف سرّ هذا التحوّل، فقط أخوه عبد الله يدرك شيئا من الحقيقة، وإن لم يجزم بها. وأصدقاؤه يستفزونه على الكلام عن حياته الجديدة وسعادة الخطوبة مع شريكة الحب فيلوذ بالصمت، والإعراض، فيعلقون مازحين ..
- الخطوبة أسرار يا جماعة، بس كلها حلاوة .
- علمنا يا جاسم من هالأسرار، حتى نستعد للزواج.
- متى يجي موعدنا؟ متى نشوف النعيم. 
فيضحك الجميع مستمتعين في أمسية يكون جاسم نكهة متعتها.. وأحيانا ترتفع القهقهات يشارك فيها جاسم بتعليقاته الساخرة أيضا، فتروّح عن نفسه التي ضاقت بها الدنيا، كلما عاش في صراع مرير بين ما يريده قلبه، متعلقًا بفاطمة، وواجبه نحو خطيبته وابنة خالته التي يرى أنه جنى عليها بصمته وخضوعه لإرادة عائلته، وسلطة أبيه، وهو الذي كثيرا ما تمرد على الأوامر أو عبّر عن انزعاجه. ففي كلا الحالتين هو جانٍ عليهما، لكن هواه مع فاطمة، فقد سكنت قلبه، ولوّنته بطيف نسائمها ورقة أحاسيسها ونظراتها الشاعرية الدافئة، فهي حاضرة معه رغم بعدها، يستحضر مشهد لقاءاته معها، يستنطقها في مخيلته، فتضحك روحه محلقة في سرب من السعادة.
وحميدة اللطيفة المهذبة تقترب من جاسم، فتشعر أنه بعيد منها، غريب عنها، وهي ابنة السادسة عشرة ربيعا تغرق في حلم جميل، وتغرس الأمل في نفسها بأن تعيشه مع جاسم، لكنها تجد هذا الأمل بعيدا، وتأمّل أن تكون تلك هي البداية فقط، وربما هو الحياء الذي يبعده عنها، وريثما يزول يعود جاسم فارسها الذي تطير معه على جناحيه ويحلق بها في سماء البساتين أو يطيران معا وراء أسراب النوارس المهاجرة في بهجة دافئة، ويضمها لصدره فتنتشي كزهرة برية هطلت عليها غيمات الربيع فكستها هيئة ساحرة وجمالا بديعا.

 

 

شوهد المقال 1429 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الباقي صلاي ـ للاستطاعة ... حدود !

عبد الباقي صلاي في تجربة أجرتها نخبة من العلماء الباحثين حول قدرة النملة التي ضحك سيدنا سليمان عليه السلام لجرأتها، وصبرها ،وحرصها الشديد على
image

فارس شرف الدين شكري ـ بسكرة ليست العاصمة ..الناس تموت مشتاقة شربة ماء

د. فارس شرف الدين شكري  الرجاء تعميم النشر لو سمحتم، لأن الأمر يتعلق بحياة أفراد بسكرة ليست هي العاصمة يا الربّ العالي :  استلمنا نتائج تحليل
image

طارق السكري ـ ما الذي يدفعنا لأن نتأمل نصاً جمالياً وآخر ؟

 طارق السكريإنها حاجة النفس إلى التعبير عن مكنوناتها ، وتلمس أعماقها ، والكشف عن أبعادها ، والتلذذ بما يضفيه النص من جمال يثير فيها
image

أحمد عبد الحسين ـ رسالة في انطباق الشفتين

 أحمد عبد الحسين    قبل ثلاثين سنة قال لي شيخي في قمّ إن الميم هو حرفُ الحقيقة الآدمية، قال: انظرْ إلى تأخّره في آدم ثم
image

طيبي غماري ـ في محاولة الرد على دعوى دراسة تمرد الجزائريين على إجراءات الحجر الصحي سوسيولوجيا

 د. طيبي غماري يضع هذا المطلب علماء الاجتماع أمام المحك، حيث سنجد أنفسنا اذا ما اردنا استجابة صادقة مضطرين إلى إبراز علم اجتماع حقيقي لدراسة
image

ناصر جابي ـ الجنازة كلحظة سياسية مركّزة في الجزائر

د. ناصر جابي  علاقة السياسة بالجنازة والمقبرة والدفن، وبالتالي بالموت في الجزائر من أغرب العلاقات. هذا ما يخبرنا به تاريخنا السياسي في عديد مراحله،
image

رشيد زياني شريف ـ عودة حمالات الحطب لتحقيق ما فشلوا فيه أثناء الحراك

د. رشيد زياني شريف   كلكم لاحظوا عودة حرب الأيديولوجية، من نفس منابر الكراهية، التي عشناها وذقنا علقم صنيعها في التسعينات، وتقوم هذه الوكالات
image

سعيد لوصيف ـ لديّ حلم... (عن نصّ مارتن لوثر كينغ بتصرّف) I HAVE A DREAM ، في الذكرى 28 من اغتيال سي الطيّب الوطني أعيد نشر حلمه وحلم الجزائريين والجزائريات

د. سعيد لوصيف   قبل ثمانية وخمسين عاما، أعلن الجزائريون والجزائريات بالبندقية والشهادة بيان التحرير من ويلات الكولونيالية والاستعمار. كان ذلك اليوم التاريخي
image

وليد عبد الحي ـ دونية السياسي في الحوار الحضاري(2)

 أ.د.وليد عبد الحي  تنطوي المنظومة المعرفية الغربية على بعد معرفي تشكله البيانات والمختبرات واستنتاجات البحث النظري والميداني،وتستند هذه المنظومة إلى شبكة مفاهيمية(conceptual) تتوارى خلفها
image

مريم الشكيلية ـ حديث في مقهى الورق

مريم الشكيليه ـ سلطنة عمان  قالت له : أكتبني حين تكون متوحدا بذاتك...حين يأخذك الحنين إلى مسافات لا حدود لها...أكتبني حين أغادرك وامحو آثار وجودي من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats