الرئيسية | إبداعات الوطن | جعفر يعقوب - البنّاء العاشق -٤-

جعفر يعقوب - البنّاء العاشق -٤-

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

جعفر يعقوب 

 

 

تفجرت أسارير جاسم بعد أن رآها رغم الخجل الذي لوّن سحنته القمحيّة وأخرس لسانه، لكنه رآها بعينها، وهذا يعني له الكثير ويختصر السؤال عليه، فهي ابنة الحاج أحمد الهدار، ذلك الرجل البسيط الذي لا تفارق الضحكة شفتيه، ولا تراه إلا مداعبا خفيف الظلّ، نعم، إنه عرف العنوان، وماذا عليه سوى أن يلفت انتباها إليه، ويمهد الطريق للزواج منها، هي ما كان يبحث عنه، لقد وجد ضالته، ولكن كيف ؟ كيف؟ سأل نفسه عابرا كلمح البصر، وعكف يحمل أسطال الرمل واحدا بعد واحد، غير عابئ بثقله.
ومرت الأيام، وهو يراقب بنظراته البيت داخلا وخارجًا، حتى غدت بينهم وأصحاب البيت ألفة، وكم تحيّن فرصة سانحة ليسأل أخاه الأكبر خلال عمله أو في الذهاب أو الإياب عن عائلة الهدار، وكم سرّ قلبه حين يسمع من أخيه تمجيدا وإطراءً عن تلك العائلة البسيطة، ولم يغب عن بال الحاج عبد الله كثرة سؤاله ورغبته في معرفة الكثير عنهم، ففاجأه ذات مرة: 
- وش عندك تسأل؟ هل يهمّونك؟ 
فتلكأ الشاب في ردّه متحيرا، وقال: 
- لا .. لا .. مجرد سؤال.
لم يشعر الحاج عبد الله براحة من استرسال أخيه في جمع بيانات بيت الهدار سؤالا بعد سؤال، وكأنه فهم ما يرمي إليه أخوه الصغير، وأدرك مسعاه، ذلك أن الحاج عبد الله يعلم أن أباه الحاج عيسى قد همس لخاله برغبته أن يزوّج جاسم من ابنة خاله حميدة. لكنه لم يشأ أن يتقدم على أبيه في هذا الموضوع، فيخبر جاسم بهذه المفاجأة. 
قرأ جاسم ردّ أخيه الحاج عبد الله ما صدمه، وحدّ من اندفاعه، مقررا أن يعبّد طريق حبّه، ويفرشه يزنابق الورد، حتى إذا وثّق وشائج الوصال مع الحبيبة التي تتوقّد مشاعره نحوها يوما بعد يوم، حينها يفاتح أباه وأخوته بهذه الخطبة المباركة.. إنه يعي الآن أن ثمّت أكواما من الحجارة تسدّ الطريق إليها، لكنه واثق بأنه سيفعل شيئا ليحقق ما يريد.
الفتى العاشق لا تغيب عنها صورتها، في الليل هي ملاك يأتيه ليبدد وحشة الليل، وينثر عليها ياسمينات ناصعة البياض تتوقد زيتونتها شذى عبقًا، وهي في النهار نسمة باردة تخفف عنه زحمة العمل الشاق كلما رأى شبحها ولو من بعيد.
ويزداد عنادا بأن يفعل شيئا، فالأيام تمضي والعمل في بيت الهدار يكاد ينتهي. 
لكنه هذه المرة وجد سببا ليحادثها، فقنينة الماء لم تبق فيها سوى قطرات والجو لاهوب لا يحتمل، والحاجة للماء البارد أضحت ماسة ليواصلوا عملهم.. 
اقترب منها وقال: 
- السلام عليكم .. ولم ينتظر ردها، فقد كان صوتها خافضًا، لا يكاد يسمع منه إلا حسيسًا..
- الماء نفذ .. هل يمكنك إحضار ماء باردا؟ 
ذهبت ولم تغب طويلا، قفلت تحمل قنينة الماء البارد، وسلمته ليديه..
- شكرا .. 
وبحياء ردت : عفوا .
- ما اسمك ؟ 
- فاطمة .. واتجهت نحو إحدى غرف البيت. 
طار فرحًا، وأخيرا عرف اسمها، وكلمها مقتربًا منها، ولم تخفَ عليه نظراتها باستحياء، لكنه فهم منها الكثير. 
.....

 

 

شوهد المقال 919 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ يا دكاترة الجزائر ..انزلوا إلى الحراك لتتعلموا من الشباب ..

د. العربي فرحاتي  سمعت أحد الأساتذة منذ يومين متخصص في علم التاريخ ..ستعرفون اسمه..يقول أن الانتخابات "دوز دوز " شرعية.. وأن "تبون الرئيس" أتى عبر الحراك
image

معتقل الرأي وليد كشيدة .. الميمز ليست جريمة

 #معتقل_الرأي_وليد_كشيدةالمقال بمساعدة صديقيه نوفل و أسامة.وليد كشيدة الإبن الوحيد لأبويه شاب في 26 سنة من عمره ولد في 14 ماي 1995 بمدينة خراطة ببجاية أين
image

كريمة ابراهيم ـ احسان الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراق

كريمة ابراهيم ـ البحرين الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراقحصل الفنان العراقي احسان الجيزاني على الميدالية الذهبي العالمية
image

رضوان بوجمعة ـ في ذكرى وفاته الثالثة ... زهير إحدادن زهد في المكاسب و كظم غيض المتاعب!!

د. رضوان بوجمعة  لم أصادف طول حياتي الجامعية _ودون أية مبالغة_ أستاذا اجتمعت فيه الصفات التي اجتمعت في الأستاذ الراحل زهير إحدادن، فهو المؤرخ ومن صناع
image

حمزة حداد ـ اليسار الأمريكي يقود معركة التوغل داخل السلطة الأمريكية من بوابة الحزب الديمقراطي

حمزة حداد لفتت قفازات السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، الأنظار خلال حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن، وتساءل رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن سرّ هذه القفازات الكبيرة.هذه
image

بوداود عمير ـ ملحمة راهبة في الصحراء ، عين الصفراء

بوداود عمر  من أوجه الخلل في الساحة الثقافية أن بعض الأعمال الصادرة عندنا، رغم قيمتها الأدبية وأهميتها التاريخية، لا تحقق الحدّ الأدنى من الاهتمام، وسرعان ما
image

جباب محمد نور الدين ـ اليهودي بنيامين ستورا :يسعى لإغلاق القوس في زمن لم تعد فيه أقواس

د.جباب محمد نور الدين  لما صدر كتابه حول مصالي الحاج انتظرت الرد من أهل الاختصاص، ولما شاهدتهم "ضربو النح " خشية الإملاق والحرمان من عطايا
image

سعيد لوصيف ـ الأصل في المؤسسات تحييد غريزة الموت وبعث غريزة الحياة..

د. سعيد لوصيف  يعتبر التخويف و ممارساته النقيض المنطقي للاتجاه العقلاني في ممارسات الحكم، بل يمكن اعتباره من الناحية التحليلية سلوكا ساداويا، يعتقد اصحابه أن "العقل"
image

مولود مدي ـ التحديث السياسي

مولود مدي   أحد الباحثين في التحديث السياسي Lucian Pye في كتابه Aspects of Political Development يطرح فكرة، أن المجتمعات على اختلافها، يجمعها شيء مشترك وهو انه
image

عبد الجليل بن سليم ـ إستدلال Joe Biden بالقديس أوغسطين

د. عبد الجليل بن سليم  البارح في خطابه الاول Joe Biden إستدل بالقديس أوغسطين ، باش يكون عندكم خبر برك بلي Joe Biden ينتمي إلى الكنيسة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats