الرئيسية | إبداعات الوطن | جعفر يعقوب - حكاية البنّاء العاشِق -١-

جعفر يعقوب - حكاية البنّاء العاشِق -١-

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

جعفر يعقوب 

 

 

يتململ على سريره القطني في غرفة تجمعه مع أخوته الثلاثة، حيث الليل ينشر ملاءة سواده، والسّكون يخيّم على بيتهم وخارجه، عدا دبيب خفيف وأصوات تصدرها السنانير التي اعتادها تتصارع كل ليلة. الجميع غاص في رقاد عميق، إلاّه، يقلقه مشوار الغد، ذلك أن عليه أن يصحو في الغداة، مستجيبا لطلب أخيه الأكبر الحاج عبد الله و يرافقه للعمل معه إلى سترة؛ لبناء غرفة وحمام في بيت أحمد الهدّار.
طار النوم من عيني جاسم، والأرق يشاغله عن معانقة الكرى أجفانه في جوف هذا الليل الثقيل.
في الصباح استيقظ على صوت أخيه الأكبر، وأدى صلاة الصبح باكرا،،ثم حمل عدّة العمل الثقيلة على كتفه، وهو منزعج يمشي القهقرى خلف أخيه الحاج عبد الله المعروف بمهارته في بناء المنازل، حتى طارت شهرته في أرجاء كثيرة. 
كان جلّ تفكيره الساعة هذه المسافة الطويلة التي سيقضيها ليصل منطقة مهزة في سترة مشيا على الأقدام. 
لكنه مجبر على ذلك ولا مناص له، ولن يجديه تأففه شيئا..
مشت الأقدام تقطع الخطى حثيثة والمسافات الطويلة تطلب رزق معاشها اليومي، فهي حرفة العائلة، ومع الضحى كان الحاج أحمد الهدار في استقبالهم بقهوة الصباح وفردات التمر الستراوي وبضحكاته المعتادة ولهجته الستراوية المميزة وبطيبة أهلها المعروفة.
كانت مساحة بيت الهدّار محدودة، غرفتان صغيرتان، ومطبخ، وحمام واحد، وزريبة فيها غنيمات وبعض الدجاج، وبراحة تتوسط تلك المساحة. لم يكن هذا المنزل الصغير المبني من الطوب يستوعب حاجة تلك العائلة الفقيرة التي تعتاش على صيد البحر، والمكوّنة من أربع بنات وستة أولاد، ولا مناص من هذا الضيق إلا بتوسعة يجريها الحاج أحمد على بيته الصغير.
مرت الساعات على جاسم منهمكا في عمله بلا راحة، بين الرمل وغيلة الاسمنت والحجارة، ويداه تتصلبان مع مشقة العمل، وجسده يتلوى من تكسير الحجارة بريزة صماء، أو مطرقة يسوي بها لبنات البناء، حتى انتصف النهار في وهج الشمس الحارقة، فكانت استراحة الصلاة والغذاء فرصة لقسط راحة من عناء العمل الشاق.
كان يهمّ لغسل يديه، ويتوضأ ، فلمح طيفها، وهي تسير بخطوات هادئة بأدب جمّ ، وبشمائل فراشة بيضاء مرت أمامه، غضة كغيمة ربيعية دافئة يجللها الوقار والرزانة، وكلمح البصر اختفت من أمامه.. وأخذ طريقه إلى حيث مكان الاستراحة، لكن نظرة إعجاب سحرته في حينها بتلك البنت التي لم تتجاوز الخامسة عشرة ، لم ينسها حتى عودته إلى المعامير متعبا من عناء العمل في البناء، حتى في الليل وهو يهمّ بالنوم مجهدا قبل أن تسدل جفونه ستارة النوم.
كان ابن الثامنة عشرة في صباح اليوم الثاني مختلفا عن أمس، وهو يحمل عدة العمل قافلا إلى بيت الهدّار.

 

للكلام بقية . 

شوهد المقال 986 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عفاف الصادق ترشة ـ هالة عبسي وتغيير نظرة المرأة السوفية للرياضة

عفاف الصادق ترشة    المتتبع للتغيرات الإجتماعية الحاصلة خلال السنوات الأخيرة في الجنوب الجزائري وفي ولاية الوادي تحديداً ، تأثيراً ملموساً على نظرة المجتمع السوفي الصحراوي "
image

رشيد زياني شريف ـ سخرية الأقدار؟ بل "كلُ نفسٍ بما كسبتْ رهينةٌ"

د. رشيد زياني شريف  يوم 16 يناير 2020، يصادف الذكرى 29 لعودة بوضياف من منفاه، على رأس المجلس الأعلى للدولةHCE بعد انقلاب 11 يناير 1992،
image

مريم الشكيلية ـ وجوه متشابهة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان  يا سيدي....الحزن توأم الشتاء وبملامح خريفية......عندما يغزوك الحزن تنكمش مشاعرك ويتقلص فرحك...كذا الشتاء يجعلك متشبثا" بدفئ سترتك ويديك متشابكة وكأنها تشعل
image

.شكري الهزَّيل ـ ذباب الاستبداد والفساد!!

د.شكري الهزَّيل تبدو الأمور أحيانا كثيرة خارج النص واحيانا بكامل نصها وأخرى بلا نص ولا معنى ولا فحوى عبر ازمان تزمَّنت زمانها وأماكن تمكَّنت مكانها
image

عفاف الصادق ترشة ـ منصات التواصل الإجتماعي مكان للصراعات الثقافية الإفتراضية

عفاف الصادق ترشة   مع بروز ما سمي بمنصات التواصل الاجتماعي إكتسح مفهوم الثورة السلوكية لرواده والذي عكس الغطاء الخارجي لثقافة ومجموعة التوجهات الفردية المنحازة بواقع الثقافة
image

وليد عبد الحي ـ المقاومة الفلسطينية والجهة الخامسة خلال السنوات الاربع القادمة

أ.د.وليد عبد الحي تتعامل الدراسات المستقبلية مع متغير تسميه المتغير " قليل الاحتمال عظيم التأثير"(Low Probability-High Impact ) ،أي المتغير الذي يكون احتمال حدوثه محدودا لكن
image

حكيمة صبايحي ـ انتظرتها نصف قرن، وسأنتظرها ما تبقى لي من عمر: ثورة الشرف

حكيمة صبايحي  اندلعت وطنيا، ثورة الشرف السلمية الجزائرية الراهنة يوم الجمعة 22 فيفري 2019، وتلتها مسيرات الجامعة منذ الثلاثاء 26 فيفري 2019 ـ على الأقل بالنسبة
image

جلال خَشِّيبْ ـ الجزائر، نظام التفاهة.. ورَجلَ فُكاهةٍ أيضا..

جلال خَشِّيبْفي الملخّص الأخير الذّي نشرته هنا لمقال والتر راسل ميد، هناك نقطة مثيرة حقّا للقلق والخوف في آن، خاصّةً إذا ما تتبّعناها في واقع
image

جباب محمد نورالدين ـ أمريكا : قوس قزح لم يكتمل بعد، وسوف يطول الزمن

د. جباب محمد نور الدين  وأنا أشاهد الجيش الأمريكي وهو مدجج بالأسلحة و بآلياته ،يحمي في الكونغرس رمز الديمقراطية في أمريكا ، تذكرت الحكيم الراحل عبد
image

عثمان لحياني ـ دروس من التجربة التونسية

عثمان لحياني  انقضي عقد من عمر الثورة في تونس ، عشر سنوات كان فيها الانتقال الديمقراطي صعبا ، ومخاض الديمقراطية أصعب بكثير مما كان يتصوره التونسيون

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats