الرئيسية | إبداعات الوطن | أحمد سعداوي - رَجُلُ الحُلُم

أحمد سعداوي - رَجُلُ الحُلُم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
أحمد سعداوي 
 

اتذكر بالكاد حميد وهو يخطو بعكازتيه وكأنه يؤدي رقصة غريبة، او تمريناً رياضياً. وكأن ساقه المختفية مطوية الى الخلف مثل معاقي الافلام السينمائية. اتذكر چنبر العطور الزيتية الذي يجلس وراءه كل عصر وسط سوق مريدي المزدحم، وعلاقاته الواسعة مع اناس يحترمونه بزيادة طفيفة، لا لشيء إلا لكونه معاقاً. وانا وحدي من يعرف ان حميد كسب بساقه المفقودة شيئاً اهم من الاشياء الاخرى جميعاً. لقد دخل في حكاية هي اهم منه بكثير، غدا ـ بسبب ساقه المقطوعة ـ برغياً مناسباً في آلة الحكاية الكبيرة. حدث ذلك في السنة الاولى لعوقه، في ردهات مستشفى الرشيد العسكري. كان رأسه يزدحم في تلك الفترة أثناء النوم بصور لشوارع وأزقة غريبة يتجول فيها وكأنه يسبح على الارض بخطوات ناعمة. كانت اماكن بالغة الهدوء، وذات كثافة حميمة، يجللها ضوء متناثر المساقط، لا يعرف من اين يبزغ، يضاعف من هدوء وسكينة هذه الشوارع والازقة الغريبة. وكان يخطو خطواته الناعمة تلك بساقه اليمنى دائماً، بساقه التي فقدها.
ولا يتذكر دائماً الوضع الذي تبدو فيه ساقه السليمة داخل الحلم. وكان المشهد بأجمعه يبعث في نفسه الارتياح والقلق معاً، بما يشكل مزيجاً غامضاً هيمن بالتدريج على نظرته خلال النهار، وبالتحديد في تلك الاوقات التي يفقد فيها الاهتمام بما يجري حوله.
هناك، في احدى ردهات مستشفى الرشيد العسكري، تعرف على حمدان. كان ذلك لقاءهما الوحيد، فعبثاً حاول العثور عليه في ما بعد. جلس بجواره على احد الكراسي البلاستيكية المصفوفة على حائط ممر طويل، وطوى ردن بنطلونه الاسود تحت (نصف) فخذه. وظل يرمق الساعة بين حين وآخر.
كان قد انتبه وهو يتقدم في الممر بعكازتيه الى نظرات هذا الشاب شديد السمرة، والذي يرتدي دشداشة بيضاء بأزرار مفتوحة. لم يعرف مغزى هذه النظرة التي ملأت حدقتيه الواسعتين، ولكنه تعود على فضول العيون، فمنظره شاذ، وهو جسدياً أقل من رجل، مهما حاول تجاهل ذلك.
ورغم امتلاء هذا المستشفى العسكري في تلك الاوقات بالرجال المبترين في مناطق قطع مختلفة، إلا ان ما أثار فضول هذا الشاب انتقلت عدواه الى حميد بعد دقائق معدودة، حين انتبه الى القدم المقطوعة لحمدان من منتصف الفخذ (مثله تماماً) ولكن، في الساق اليسرى.
وسرعان ما انفتح الكلام بينهما مثل جنديين مجازين إلتقيا في كرسيين متجاورين في حافلة تغذ بهما بعيداً عن جبهات القتال. لقد جاء حمدان من الرمادي لزيارة قريب له جلب مجروحاً من شرق العمارة.
حمدان يتعامل مع نفسه وكأنه مازال بقدمين اثنتين، ومازال يحافظ لهذا السبب على نشاطه الزائد كرجل ذي اصول ريفية، الحركة والتنقل، وزيارة الاقارب مهما كانوا متفرقين وبعيدين جزء من رجولته، مثلما القعود جزء من طبيعة النساء. وهذا أمر يختلف كثيراً لدى حميد، الذي يرى القعود والجلوس فرصة التصالح الوحيدة مع الاشخاص سليمي الجسد، فهو معهم، في وضع الجلوس، لا يحتاج لساقه المبتورة كي يكون مماثلاً لهم، اما القيام والحركة فهو الانفضاح الاكبر.
وكما يجري في مثل هذه المواقف، فان الحديث ينتهي دائماً الى ذكريات اللحظات العصيبة، الى التفاصيل المرة التي فرقت بين الساق وصاحبها. كان الامر لدى حمدان شظية صاروخ ارض ـ ارض، اما لدى حميد فهو احتجاج الجبل والطبيعة على تخريب الانسان وتدميره، وقد تسلم حميد لوحده هذا الاحتجاج بصخرة ثقيلة صلدة.
ثم وكأنه وجد الشخص المناسب لتفهم هواجسه أخبر حميد حمدان بكوابيسه الغريبة، تجوله في تلك الازقة والشوارع التي تشعره بالامان الغامض، خطواته المنزلقة دون احتكاك على ارض هذا المكان السحري ضاغطاً بكل ثقله على ساقه اليمنى المفقودة. الالفة الدافئة مع قدم عضلية عادت اليها دماؤه الفائرة اخيراً.
ـ الى اين ينتهي الحلم عادة؟
سأل حمدان. فضغط حميد على جبهته محفزاً تلك الاعماق الغائرة في ذاكرة الليل كي يعرف صورة النهاية التي تسبق اليقظة. شعر بارتباك وهو يقطع لحظات الصمت ببعض الجمل القصيرة ثم يتوقف، واستعاد الذكرى المشوشة للمشاهد الختامية؛ جدران من الطابوق مطلية بالطين. نخل كثير. مياه. ارضية مكسية بالخراسانة. امرأة، امرأتان، كذا كذا كذا.
ـ انه بيتنا في الرمادي.
قال حمدان بنبرة واثقة، ثم أوقد سيجارة سومر طويلة، متجاهلاً يافطة التحذير البلاستيكية فوق رأسه الداعية للامتناع عن التدخين، وحالما زفر اول نفس من دخان سيجارته أكمل:
ـ وهذه المرأة هي امي وتلك زوجتي، وهذه النخلة الشائخة مازالت موجودة قرب سياج البيت.
تحدث حمدان عن اشياء مشابهة لتلك التي رواها حميد. تفاصيل حلمية ترافقه ككابوس منذ تلك الليلة المشؤومة التي صحا فيها على فقدان ساقه اليمنى. في هذا الكابوس هو يسير ايضاً بساقه المعطوبة، ويدخل ازقة وشوارع حلمية لم يرها سابقاً، و الخ الخ الخ.
انتهى حمدان للدخول (في حلمه) الى بيت بنّيّة ويارالله و(انا!) ورؤية التنور الطيني ذي الشبح الدخاني الاسود على حائط الجيران غير الملبوخ. درجنا الملتوي وسعفات نخلة الجيران التي نتفت انا خضرتها النافرة في الحوش.
ـ ان قدمينا تسيران معاً، هناك، في الحلم.. إذن؟!
قال حمدان او حميد ذلك، قبل ان يقطع استرسالهما نداء من احد الاطباء، لينتهي بذلك الحدث الأغرب في حياتيهما معاً. لقد تنازلا عن قدميهما اذن من اجل ان يسير ذلك الرجل الحلمي، حسب رواية حميد. وهذا ما لا اثق به. من المؤكد ان حمدان طالب دكتوراه في علم النفس الحربي، وفقد ساقه اثناء جولة ميدانية على الحجابات، اجبرته رئاسة الكلية التي يدرس فيها على القيام بها مع غيره من الزملاء حديثي التخرج. وهو يقدم الان بهذا اللقاء غير المخطط له داخل احد الممرات في مستشفى الرشيد علاجاً مجانياً ومفيداً لحميد، كي تضمر لديه وتضعف تلك الكوابيس والهواجس المقلقة، ويتصالح مع نفسه المعاقة أخيراً.

* من؛ الفصل الثاني "تعطيل الحكاية". رواية "إنه يحلم، أو يلعب، أو يموت".
 

شوهد المقال 1361 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن
image

جيجيڨة براهيمي ـ بين الكونغرس الأمازيغي والجامعة العربية / الفصام الجغرافي والنكوص التاريخي العابر للكركرات بالصحراء الغربية.

د. جيجيڨة براهيمي بين هذا وذاك يعيش بعض الجزائريين أوهامهم بالاحتماء وبالانتماء . فريق باسم الأمازيغية يوالي المغرب بحجة احتضانه للكونغرس العالمي الامازيغي بالرباط؛
image

شكري الهزَّيل ـ جيش التنسيق الفلسطيني الى اين؟!

د.شكري الهزَّيل الغابة الفلسطينية تتسع ووراء كل شجرة تختبئ غابة أخرى من الاحاديث والاقاويل والمجموعات والملتقيات والنقاشات الى حد أصبحت فيه الخيانة الوطنية العلنية مجرد وجهة
image

محمد بونيلرسالة مفتوحة إلى السيد وزير المجاهدين..."في الجزائر الجديدة"!

محمد بونيل في صبيحة هذا اليوم الأحد 22 نوفمبر 2020، أفتح قوس (لهذا الشهر رمزية عظيمة، ففي الفاتح من شهر نوفمبر من عام 1954،
image

خديجة الجمعة ـ طال الغياب

خديجة الجمعة   هناك أعاصير في القلب فجرتها في لحظة انهيار. وتاهت مني الكلمات، فلم أجد أمامي إلا لوحة وألوان وأصبحت حينها كالمجنونة ارسم لكن ، هذه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats