الرئيسية | إبداعات الوطن | محمد جربوعة ..... حيزية ( الحلقة 4 )

محمد جربوعة ..... حيزية ( الحلقة 4 )

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد جربوعة

هي ليلة العيد .. ولم تكن عين حيزية خالية من الدمع والخوف كبقية بنات الحي .. توسّدت كفّها أوّل الليل لتنام ، لكنها ما نامت من الليل إلا بقدر ما رأت في أوله حلما استيقظت منه خائفة ترتجف.. وظلت تقلّب ما رأت تطلب له تفسيرا إلى الصبح.. 
باكرا قبّلتها والدتها مهنّئة بالعيد ، متمنية لها ما تتمنى النساء عادة لبناتهنّ من السعادة والخير.. غير أنها لاحظت عليها صفرة وذهولا ، وسألتها إن كانت قد نامت ليلتها جيدا..فأجابت حيزية: 

وضعتُ رأسي على كفّي .. ولم أنمِ 
رأيتُ حُلْما ..ويا للحلم من حلُمِ 
رأيتُ نفسي .. كأنّ الطيرَ تأكلني 
وتنثر العظم والأشلاءَ فوق دمي
حاولت أهربُ ، لم أقدر، ففي قدمي 
كالقيد ، يمنعُ، أو أنّي بلا قدمِ
ناديتُ ..ناديتُ..أهلَ الحيّ صارخةً 
باللهِ ،بالدين، بالقربى ..وبالرحمِ 
فما رأيتُ سوى النظرات تشتمني 
وكنت أبكي من الإحساس بالألمِ
حظي قليلٌ.. وعمري ينتهي كمدا 
يا حسرتاهُ..و(جفّ الحبر في القلمِ)

وكانت لحيزية حمامة بيضاء جميلة متميزة بين حمامات أهل الحيّ ، تهتمّ بها اهتمامها بنفسها .. تتعهّدها بالرعاية ، وتقضي معها أوقاتا تأخذها فيها بين يديها ، تقرّبها من خدها في حنان ، وتحدثها عن أحلامها البريئة وعن خوف قلبها من القادم من الأيام ..وكم بللتْ حيزية ريش تلك الحمامة بريق ثغرها تقبيلا،أو بدمعها بكاء .. 
وكالعادة كان على الصبية أن تتفقّد حمامتها هذا الصباح .. ويا للهول حين رأتها باردة قد يبّسها الموت..والضيق يأتي كالسرور موجات موجات ، وغيمات غيمات .. وبدا لحيزية أنّ موسما للحزن ينتظر قلبها .. وازدادت غصة ضبوعها اشتدادا.. ومدّت يدها بحنّاء العيد تمسح دمعتين، دمعةَ رحمةٍ بحمامتها ، ودمعةَ شفقة على نفسها..والدمعتان ساخنتان بقدر ما تحسّ صبية من انكسار حظّها أو ضعفها عن مواجهة أقدار تخافها..
رفعت الحمامة بين يديها واهتزت تحدّثها بالبكاء والنشيج:

أنا وأنتِ.. بلا حظّ ولا أملِ 
- دون الحمامات، والنسوانِ- لم نزلِ 
جئنا إلى هذه الدنيا على عجلٍ 
وسوف نرحل يا أختي على عجلِ
سبقتِني لتراب الأرض صابرةً 
مثلي على الظلم والأحزان والوجلِ 
إن فاض قلبي كمثل الكأس ممتلئا 
مما يثيرُ عليّ الناسُ مِن جدلِ 
لمن سأشكو جراحي ؟من سيفهمني؟ 
ومَن سأمطرُ بالدمعاتِ والقبَلِ ؟
أنتِ استرحتِ بهذا الموت غاليتي 
أمّا أنا ، أختك الكبرى، فلم أزلِ
وسوف أصبرُ حين الشوقُ يعصرني 
وأنتِ مثلي إذا ما اشتقتِ فاحتملي
وسوف ألحقُ ..هذا القلبُ يخبرني 
ولن يطولَ – بإذن الله- بي أجَلي

أخذت حيزية حمامتها لتدفنها قريبا من الخيمة ، وترامت إليها أصوات فرح بالعيد ، بعضها ضجيج أطفال صغار، وبعضها غناء وزغاريد نساء .. وبعضها أصوات بارود .. وقابلها والدها ( أحمد بن الباي) خارجة ، وقد رأى الحمامة بين يديها ، وعرف ما تكابده لأجلها من الحزن ، لكنه أراد أن يسرّيَ عنها ، فقال : (اليوم عيد يا ابنتي ، فاغسلي دموعك وافرحي مع صاحباتك )..وأجابتْ: 

مما روى الناس في المحكيّ ، أو نقلوا : 
( الحزنُ إن جاءَ لا تجدي بهِ الحِيلُ )
فكيف يا والدي قل لي أودّعها ؟ 
وكيف – أرجوك- أنساها وأحتملُ ؟
ما استأذنتني دموعي حينما انهمرتْ 
فكيف أصنعُ في حزني؟ وما العملُ ؟
ما ذنب عيني إذا سالتْ بأدمعها 
وكان قلبي رقيق اللحم ينفعلُ ؟
و( الله يعلمُ...)، ريشاتي مكسّرةٌ 
تكادُ روحي إلى مولاي تنتقلُ
كل الحمامات ، فوق الحيّ طائرةٌ 
إلا حمامتنا..للقبر تُحتملُ 
قليلةَ الحظ عاشت عمرها قلَقا 
في عينها الحبّ، والأحزانُ والوجلُ
وقيل في كتب الأسلافِ في سندٍ 
بالعنعناتِ إلى الأشياخِ يتّصلُ:
((تبكي الدروب لذكرى عابرين بها 
إن قال مُخبرها : ( ساروا وما وصلوا)..))

وسارت حيزيةُ إلى جهة تقبر حمامتها ، بينما عينا والدها تشيعانها في حنان وإشفاق.. ولم يكن شيء ساعتئذ يؤلم قلب حيزية كهذا الجرح على صدر حمامتها من أثر طلقة أصابتها منذ ليلتين ..وقد بذلت حيزية لإنقاذ حمامتها جهدها ..غير أنّ الجرح كان أكبر منها ومن احتمال حمامتها.. وقد أودى بها.. 


شوهد المقال 1562 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

البرهان حيدر في ديوانه " إلى إمراة ما " قصيدة النوم بين ذراعيك

البرهان حيدر      حين أنام بين ذراعيكِ، أنسى الألم من حولي … أشعرُ أني فراشةٌ تمتصُ رحيق العالم من ثغرك النابضُ كزهرةِ رمَّان في المساء.
image

فوزي سعد الله ـ باب الدِّيوَانَة...باب السَّرْدِينْ...باب الترسانة...

فوزي سعد الله   خلال العهد العثماني، كانت هذه الباب التي تُعرف بباب الدِّيوانة، اي الجمارك، وايضًا باب السَّرْدِينْ لوظيفتها المرتبطة بنشاط الصيادين، بابًا
image

وليد عبد الحي ـ العُوار في تحليل الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط

 أ.د. وليد عبد الحي  يبدو لي ان محاولات التنبؤ بالسلوك الامريكي في منطقتنا تعتورها إشكالية منهجية تتمثل في محاولة تفسير السياسة
image

أزراج عمر ـ قصتي مع مخابرات نظام الشاذلي بن جديد

 أزراج عمر   أنشر هنا لأول مرة وثائق المتابعات العسكرية والمخابراتية والأمنية ضدي في عام 1983م بسبب قصيدتي " أيها
image

نصر الدين قاسم ـ "الإعلام" في الجزائر.. عار السلطة والنخب الآخر

نصرالدين قاسم  (هذا مقال كتبته قبل عشرة أيام للجزيرة مباشر، لكنه لم ينشر لأن مسؤول القسم قدر أن "البوصلة متجهة ناحية مصر"**  الإعلام لم يكن في الجزائر
image

رضوان بوجمعة ـ الجزائر الجديدة 109 سياسيو التعيين في جزائر التمكين

 د. رضوان بوجمعة    نجحت الأمة الجزائرية في جمعتها ال31 اليوم، في أن تحاصر الحصار الذي فرض على العاصمة بتعليمات رسمية أقل ما يقال عنها
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجزائر31 مظاهرات لحقن الدماء ..

د. العربي فرحاتي  كم هو مؤلم أن تتعاطى السلطة الفعلية مع الحراك الشعبي السلمي بمنطق (الاعداد) فتجتهد ولو بخرق القوانين والدستور إلى إجراءات تخفيظ
image

محمد هناد ـ الحل لن يأتي من العسكر

د. محمد هناد    السيد أحمد ڤايد صالح، لا يمكنكم – وليس من صلاحياتكم على أية حال – حل الأزمة السياسية الحالية بصورة منفردة. يكفيكم أن
image

محمد هناد ـ لا لانتخابات رئاسية مفروضة !

د. محمد هناد  أيها السادة أعضاء القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي :   القرار الذي اتخذتموه بصورة متسرعة وانفرادية بشأن إجراء انتخابات رئاسية قبل نهاية السنة الجارية
image

حميد بوحبيب ـ مشاهدات من قلب العاصمة الجزائر La bataille d'Alger act 2

 د.حميد بوحبيب  بعد خطاب استفزازي مسعور وتهديد بتوقيف كل من يشتبه فيه أنه من خارج العاصمة .بعد استنفار قوات القمع ومضاعفة الحواجز الأمنية واعتقال عشرات المواطنين

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats