الرئيسية | إبداعات الوطن | محمد جربوعة ....... حيزية (1)

محمد جربوعة ....... حيزية (1)

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد جربوعة 

 



1- 
كان الصباح لطيفا شفيفا خفيفا نظيفا ، في أوائل هذا الصيف من سنة 1874 م ..وللصيف في بداياته أنفاس دافئة معطّرة ببقايا يابسة من أعشاب الربيع ووروده .
وللصباح دائما ما يقوله لهذا الحيّ الصحراوي المسمى ( سيدي خالد) ، والذي يستيقظ من نومه الآن ، مستعيدا دبيب الحياة في أرجائه ونواحيه بعد ليلة صافية هادئة.
أما هي، فقد استفاقت باكرا على سقسقات العصافير قرب خيمتها ، وقد تعوّدت على أن تقول للشمس وللامتداد الآسر: (صباح الخير) ..
فتحت مطلّ الخيمة لتطيّرَ عينيها السوداوين الواسعتين كزلماوين (1) جارحتين، تستكشف الآفاق الممتدة ، وتكنس برموشها الطويلة ما حول حيها من امتداد للمكان .. 
لم تجاوز سنتها التاسعة والعشرين عمرا ، لكنها تجاوزت خطوط الفتنة جمالا.. فكانت زينة صبايا الحيّ، وحلم رجاله ..
صبية ميسورة الحال تقطر دلالا وتذوب رقة، جريئة القلب في انكسار خجل للعينين .. أبوها سيّد قومه .. هلالية لها من جدتها ( الجازية) الكثير.. ولها من نفسها ما يجعلها متميزة لا تشبه الصبايا ولا يشبهنها.. 
هي ذي تطل.. وهي تلبس اسمها الجميل الغريب ( حيزية)..هكذا ..حاء ، ياء، زاي، ياء، وتاء مربوطة. .ولم تكن التاء وحدها المربوطة..فقد كانت هناك غزالة جميلة مربوطة إلى وتد خيمتها ، وبجانبها خشف يسرّي عن قلب المحزون..
بأصابع الحناء تزيل الستار جانبا..تطل.. تتراءى لها خيام الحيّ منثورة في تجاور أو تباعد .. وقطعان الحيّ مبكّرة نحو مراعيها ..وبعض النوق والخيول .. والرجال والنساء والأطفال .. ودجاجات تنكش الأرض وتثير الضجة في المكان.... 
يختلط الثغاء بالرغاء برنات الخلاخل ..بينما ترتفع الشمس متوكئة على عكازها نحو قلب السماء ، ذهبية ، أنيقة.. تبتسم..
لم تكن تلك سوى ( حيزية بنت أحمد بن الباي) تبتسم وهي تمسّح ضفيرتها من أعلى إلى أسفل، تعبث بما جُدلت به من شريط أصفر ، يتداخل في سواد الشّعر جمالا وشدة.. 
مضت عليها أيام ثلاثة مذ أحسّت بنبض طارئ يهزّ قلبها الصغير البريء، وبنهر أبيض كالحليب يعبر جوانحها ويفتح عينيها على ما تنفتح عليه أعين الصبايا في سنها عادة ، حين يحرّكهنّ النسيم في موسمهنّ العاطفي الأول..
ثلاثة أيام ..أحسّت فيها بوجه هذا الفتى ، ابن عمّها ( سْعيّد) يكبرُ داخلها مثل قمر ..حتى ليكاد يملأ مساحة روحها..
وهي الآن تغمض عينيها من خلال مطلّ خيمتها ، تستشعر رائحته ، تشهق ، لتملأ صدرها منه استعدادا ليومها الرابع في عمرها الجديد ، بنبضها الجديد.. ولعلها وهي المغرورة قد استخسرت في غيره جمالها الآسر، فهزت اللحن بصوتها الجميل خافتا، وهي تتأمل قوامها وجمالها:

روائحُ العطر في ثوبي وفي بدني 
له، وهسهسة الأقراط في أذُني
له الأساورُ في رسغيَّ صارخةً 
وما غلا في عيون الغيدِ في الثمنِ
له الخواتمُ ، والحنّاءُ فوق يدي 
تفشي بزخرفها سرّي وتفضحني
وفتنة الشَّعر شرقيّا، وما ضفرتْ 
أميمتي فوق أكتافي من الفتنِ 
ولابن عمّي مناديلي مطرّزة 
بـ (السين) و( الحاء) بين السرّ والعلنِ 
إن قلن ( ما السينُ ؟ سمّيهِ لنعرفهُ) 
خفضتُ عيني .. ولم أنطق ، ولم أُبِنِ
فإنْ أعدنَ، أقول : ( الصبح موعدنا 
صبرا جميلا ، فإنّ الوقت لم يحنِ )
له ليالٍ يمسّينا ويُسهرنا 
إلى الصباح ، بلا غمضٍ ولا وسنِ
يا ليتَ ساكن بالي مرّ، صبّحنا 
بوجههِ الشاعريّ الباسم الحَسَنِ

وانفرجت شفتاها عن بسمة كنسمة ، ثم أرخت ستار خيمتها ، وعادت إلى الداخل لبعض أشغالها .. 

2- 
على صهوة جواد أدهم ، يطأ في بياض وينظر في بياض ، على ناصيته كالهلال ، كان الفتى ( سْعَيّد) ينطلق نحو أفقٍ بكّر إليه الرعاة ، يتفقّد المرعى وقطيع والده.. يحرّك الضبحُ والنقع والقدح في جوانحه غصن الكلام الجميل.. هو الذي لم تكن تخطر على باله أنثى... لكن حيزية ابنة عمه ، قد بعثرت كلّ كثبان رمله منذ يومين حين قابلته آيبة من نبع الماء، وحدجته بعينين جارحتين ، هو إلى الآن يعالج ما فعلتاه فيه.. 
أترى هذا الذي يتلجلج فيه الآن كما يتلجلج الدم في عروق جواده زئبقيا حارقا، هو الذي يسمونه (الحب)؟ أتراها استطاعت أن تهزّ فيه خيام قلبه بصرصر عينيها مقتلعة أوتادها بعد عشرين سنة ما اهتزت له فيها شعرة لحسناء ؟ 

هزت به ما تهز الريحُ في الشجرِ 
من الغصونِ، وما تجتاح من ثمرِ
وما تطيّر من طيرٍ، تروّعها 
وما تحتّ مِن الكثبان والحجرِ
وجرّفت فيه ما الأمطار تجرفهُ 
في النهر بعد (أسابيعٍ) من المطرِ
وزلزلت فيه ما انشقت جوانحهُ 
له وخلّف في الأضلاعِ كالحفرِ
وغيّرته بشيء في بآبئها 
وأكثرُ الحبّ في العشّاقِ بالنظرِ
وكانَ يشبه ( أهل الله) معتكفا 
على الصلاة وذكر الله والسوَرِ
ما كانَ أُعجِبَ في ( عشرينه ) أبدا 
بحسن أنثى، وما أثنى على قمرِ
والآنَ يشعر أنّ دماءَه ولهًا 
تغلي ، ويشعر في عينيهِ بالشررِ
وصار ينسى ..وما ينسى حبيبتهُ 
وصارَ يرجف بالتطريب كالوترِ
ويقرأ الشعر، يبكي حين يحرقهُ 
ولا ينام سوى جنبٍ على إبرِ 
إذا مشتْ مسّ ما مسّت بأرجلها 
والشوق يُبردُه العشاقُ بالأثرِ
وحظه ما رمتْ من قوس أعينها 
بين الرموشِ وبين الكحل و الحورِ

كانت الشمس لا تزال تتوكأ على عصاها ، نحو منزل الضحى في السماء ..والسماء منازل.. بينما ضحكات الصبايا تتعالى في طريقهنّ إلى النبع، وهنّ يسألن ( حيزية) عما طرأ على حالها من تبدّل .. 

هامش:
1- مثنى زلماء والزلماء أنثى الصقر.


 

شوهد المقال 3931 مرة

التعليقات (2 تعليقات سابقة):

فضيلة زياية ( الخنساء) في 09:36 07.06.2014
avatar
قصائد الشّاعر "محمّد جربوعة" قصائد رجّاجة مزلزلة. وهاهو يتحفنا بملحمة "حيزيّة" الأصالة والعفّة والخفر البدويّ الجميل الأصيل. قرأتها فاستمتعت وإنّي لفي شوق شائق كيف تنتهي فصول هذا المسلسل؟ قصّة "حيزيّة" نعرفها! لكنّني في شوق مشرئبّ العنق إلى كيفيّة نهايته ((شعريّا)) بقلم شاعرنا "محمّد جربوعة" الّذي نكنّ له كلّ الاحترام والتّقدير لهيبة قلمه السّامق.
عمار نقاز في 04:53 08.06.2014
avatar
سيكتب التّاريخ يوما ،أن الفضل في إنتعاش الشّعر ورقيه ،وتربع القصيدة العمودية على عرش الأدب في الجزائر وفي الوطن العربي ، يعود الى الشّاعر محمد جربوعة ...كيف لا ؟!!!وهو من أحيا موات الشعر ، وسقى بذرته بماء العكاظيات الواحدة تلوى الأخرى ولازال يبدع في نسج خيوط ملحمة حيزية كما أبدع قبلها في ملحمة الساعر وبردة هذا العصر ""قدر حبه""
هنيئا لنا بك أستاذ محمد وهنيئا للشعر بك ودام الحرف طوع أمرك.

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان - أوجاع بصرية

 عادل السرحان - العراق             الرصيف يسرح النظر الى آخر السفن الخشبية المغادرة وهي ترشه برذاذ من دموع الوداع دون ان تلتفت اليه بين انين ووجوم ودخان وصيحات سرب
image

كلمة الى الرئيس بوتفليقة من دون زيف او تدليس

جزائرية  أيها الرئيس إنني الآن قبل أن أخاطب فيك قلب صاحب الجاه والسلطان فإنّني أخاطب فيك قلب الإنسان ،لأتوجه إليك باسم عدالة السماء التي لم تجعل
image

الصمت القاتل: سجن باحث اقتصاد في الإمارات الدكتور ناصر بن غيث

 أورسولا ليندسي  حكمت محكمة إماراتية الأسبوع الماضي على ناصر بن غيث، الخبير الاقتصادي البارز الذي يدعو للمزيد من الديمقراطية وحقوق الإنسان، بالسجن عشر سنوات. وتضم جرائمه المزعومة
image

تاريخ مؤلم من العبودية خلف تنوع الموسيقى العُمانية

بنجامين بلاكيت  مسقط – لم يمضِ وقت طويل على مقابلتي مع ماجد الحارثي، المختص بعلم موسيقى الشعوب (علم الموسيقى العرقية)، حتى تحدث عما يراه تميّزاً هاماً. قال موضحاً بحماس ودود “لا
image

ناهد زيان - فيرحاب أم علي عمدة النسوان

 ناهد زيان  كنت لا زلت طفلة تلعب بالدمى وتقضي يومها لاهية في جوار جدتها وعلى مرأى من أمها في غدو ورواحها وهي تقضي حوائجها وتنجز
image

عبد الباقي صلاي - غياب الاستثمار الحقيقي في الجزائر إلى أين؟؟

عبد الباقي صلاي* لا أدري لماذا كلما استمعت إلى خطاب الحكومة حول الاستثمار سواء كان محليا أو أجنبيا  إلا وتذكرت فيلما شاهدته عدة مرات عنوانه "بوبوس"
image

سهى عبود - موعد مع الياسمين.. تفصيل بحجم الكون.. الحلقة الاولى.

  سهى عبود سماء القرية هذا الصباح متواطئة مع حالتي النفسية.. تزيح عنها الغيوم برفق لتفسح الطريق لخيوط ذهبية خجول..تحدثتُ طويلا مع امي قبل ان أغادر البيت،
image

محمد مصطفى حابس - الرجيمة" مسرحية تستغيث ، من يرشدها ؟

  محمد مصطفى حابس : جنيف -  سويسرادُعيتُ نهاية هذا الأسبوع في إطار النشاطات الثقافية للتقريب بين الأديان، للتعليق على مسرحية دولية، أمام جمهور غربي!! و كل ما في أمر
image

مادونا عسكر - القصيدة مخلوق في لحظة سجدة " لمحة نقديّة في نصّ للشّاعرة التّونسيّة فريدة بن رمضان

مادونا عسكر - لبنان - النّصّ:يناوشني اللّيل:"في قلبي لكِ كلمة"يهمس في أذني الشّعر:"حان أوانُ الغزل"أختلسُ غفلةً من زمنٍ هجيعوأفرُّ إلى سجدة!(فريدة بن رمضان)- لا يكون الشّعر شعراً
image

عامر موسى الشيخ - عكود السماوة و سماء التسميات ...

عامر موسى الشيخ - شاعر و روائي.عكد اليهود  ، عكد الشوربة ، عكد دبعن : أسماء مرّت عليها عقود  ولازالت على قيد التداول. فوق  أريكة من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats