الرئيسية | إبداعات الوطن | بصيرة الظلال للشاعر الإيراني رضا صفريان ..ترجمة محمد الأمين

بصيرة الظلال للشاعر الإيراني رضا صفريان ..ترجمة محمد الأمين

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 *ملحمة شعرية للشاعر الإيراني رضا صفريان

ترجمة : محمد الأمين
الصورة بعدسة : صابرين كاظم

 

 

 

 

 

 

 

آنذاك أطللتُ عليهم قائلا:
أيها السادة، أيتها السيدات!
ثمة حكاية في الخرافات المندرسة تقول:
يـُعرف الإنسان بإحسانه
والإحسان ليس عدم الإساءة فقط.
أيها السادة، أيتها السيدات!
لهذه الحكاية قرينةٌ مخالفةٌ هي:
حرّ أنا، مجبرون هم الآخرون.
حينها هتف أحدهم: الإحسان هو الإساءة
الإساءة هي الإحسان،
إن لمن لا يسيء معلما اسمه الخوف.
أيها السادة أيتها السيدات!
حتى الصخور تصيب وتخطئ.
عندئذ صرخت امرأة من القفص:
حدقوا بعينيه!
يا للأسى. انه سيفنى.
آنذاك أطللت على الظلال السامقة،
يا له من سعي عابث، البحث عن العتمة في النور
البحث عن الموت في العتمة!
فرد خطيب الجماعة: من لم تكن حياته مجدية
فيجدر به أن يمضي نحو أية جهة شاء
أن يمضي يعني أن يموت.
حينها رمتني مقالع الضحكات في غمرة الثلوج.
أيها السادة، أيتها السيدات
لا يمكن السير في البرد
إلا إذا كان هناك خوف أو حالة حب
وكنت أتمرن على التوازن
إذ قال لي فيلسوف طفل: هي ذي الحياة،
هي ذي الحياة بعينها
هل تجيد الركض على الثلوج؟
إن ارتطم هذا الجدار بوجهك ستتكسر أسنانك
كيف ستقول كلمتك. آنذاك أيها الأدرد؟
يا لك من كائن بلا حسب ونسب
لا تكاد تصلح لأي شيء
اذهب، اذهب وابحث عن سلاسلك
اعثرعليها حيث دفنتها
أما علمت أن الشجرة بحاجة للجذور والإنسان للسلاسل؟!.
لذا أطللت عليهم قائلا: وداعا!
هكذا قلت، لأنني كنت أتداعى بحثا عن سلاسلي المفقودة.
حينما كان المغرف يستحيل جوار بيت القمر
إلى جمل أخضر
كنتَ طفلا يفكر بحافة الكون
وما حافة الكون سوى شرفة سقف توارى
كنت تسقط من الشرفة على الأبدية
والأبدية هي الرؤيا.
ما كنتَ تنتظره لم يكن ذا أهمية
لأن يقظة الإنسان ديمومة أحلامه
وبالعكس
الآن، سيسوطوننا بخطبٍ تفوح منها رائحة الموت
لكن، لا تولوني ظهوركم
فان لم تعتبروا الموت مسندا ضروريا للحياة
فانا أعده كذلك.
ما معني ذلك؟
لا تعلم.
لا تعلم وحبك محال.
لن يحبك إنسان أو حيوان لأنك جاد كالكركدن.
لا أعلم،
في الخامسة والعشرين من العمر كنتُ ذا خمسة وعشرين عاما
في السادسة والعشرين، ذا عشرة أعوام
وها هو ذا موعد الركض في أزقة الخمسة أعوام
وملاحقة القمر
القمر الساطع على خرائب هذا الوعي المعتم
أنت لا تعرف ما الوعي، أنت منبهر به فقط
وتسمي انبهارك الغامق تأملا.
هذي الأفكار التافهة ليست لائقة بعقل الإنسان
هذه الانفعالات الضحلة ليست لائقة بقلب الإنسان
أقول ذلك لأني شهدت، تحت العجلات المسننة للضرورة
أحيانا، يصل الأمر إلى حد،
يتعين عليك أن تنظر إلى ساعتك لتترنم:
هذي الدقائق الخمس مخصصة للحب
وحينما تعود لتتأكد مما قاله قلبك
تري أنك صرت فسيلة جافة في مهب زوبعة عمياء.
البعض يبكي، هنيئا لهم ولبكائهم
البعض منهمك بالعمل
هنيئا لهم أنهم منهمكون!
لكنني أتساءل: هل الإنسان المنفصل عن قلبه سوي فسيلة جافة
هل الزمن المنفصل عن الأبدية سوي زوبعة عمياء؟!
أتساءل لأني شهدتُكَ: حينما كان طريق واحد أمامك
سرتَ في الطرف الثاني
حينما طريقان. .
سلكت الطريق الثالث
وحينما مئة طريق. . استدرتَ حول نفسك
وكمجنون دونما جنون، صرختَ:
آه يا كل هذه الطرق الغارقة في قعر الظلمات!
آه يا كل هذه الأعين الفاقدة البصر
وآه أيتها الطرق المغلقة!.
ولم تدرك أن في كل مكان، تفضي الطرق إلى المتاهات
والمتاهات إلى الطرق
تائه هو من يفكر بالطريق
وهو في غمرة الطرق والمسالك الملتوية.
لم ندرك وصرخت:
آه يا زوارق بلا أشرعة
عائمة في الحلم
فوق مياه مكتظة باللامكان
ـ حقا انه جواب وضّاء وعميق ـ
آه أيها الحلم وآه أيتها اليقظة العظمى في الحلم!.
آنذاك صنعت من اليقظة خصما لك
-
حينما سقطت قطرتا شمس على جبيني، أفقتُ
لم يكن للهواء معنى جوار سجن العادة
إن غاص طائران في قعر الشمس فليس ذلك بجديد
كل ما سيقولونه عن هذين الطائرين
-وعن كل طيور العالم-
لن يكون ذا صلة بهما
ومؤكد أن لا أحد قد رأى طائرا بجناحين من ثلج
نعم، حين سقطت قطرتا شمس على جبيني، أفقتُ
قلتُ لظلي: لنرحل علـّـنا تفهم من الحب شيئا
ولقد رحلتَ وصحبت ظلكَ معك
وظل الإنسان ظل جسده فقط
وحينما عدتَ كان الظل يرددُ:
كانت هناك الشهوة ولم يكن الحب
بعد الشهوة، كان ثمة عشق ولم تكن الأخلاق.
بعد العشق، كانت الأخلاق ولم يكن الجمال
شجرة الأخلاق هذه، جذرها منغرس في أرض الخوف.
أعلى من شجرة الأخلاق
كان الجمال ولم يكن الحبُ
أعلى من الجمال، كان الحب مرتعبا من اللاوصول
أعلى من هذا الخوف
كان الإنسان يبتدئ
الإنسان المتواضع ولكن المقتدر
وكنتَ تقول:
المعرفة ليست الامتلاك
الجهل أيضا ليس بمعرفة
لكن الامتلاك هو الجهل بعينه
ليتنا لم نرحل ولم ندرك شيئا
وأنا الذي لم أفهم من هذا الحديث شيئا، قلت
الحب هو لعبة النسيم المعطّر في زقاق الأكاسيا
الذي لا ينتظر دليلا أو سببا لمداعبة ضفائر الحبيب
لكنك قلتَ
الحب كيمياء سماوي نادر
يعيد حمار الأنانية من صحارى الموت الشاسعة
وقلتَ:
الحب يقين بلا برهان
لكنني قلتُ:
الحب
قبعةٌ على رأس أول حرف من مفردة ماء
في الصف الأول المشمس لمدرسة ابتدائية
من يعرف الحب مصاب بسوء الحظ
سيلهث ككلب ظامئ على سواحل البحار المالحة
وقلتَ يا للحكمة الثمينة الكامنة في حكاية البحار المالحة
كل بحار العالم
بكل أعماقها وأمواجها وزبدا ومرجانها
لن تستطيع أن تنقذ إنسانا ظامئا
مثلما آنية بسيطة مملوءة بماء عين نقية ومتواضعة.
حينها قال ظلك:
إن من يملك روحا بحرية ومن سقط بثقل على الأرض كما البحر
لا صنيع يليق به في هذه الحفرة
سوى أن يضرب بقبضته رأسه
ورأسه بالحجر
وقلت إلا إذا نهض من ذاته وتسامى
سيصير حلوا مذاق الغيم والمطر
قلتَ ذلك وكنتَ تواصل البكاء على ساحل البحر
ومن بين جميع حكم الإنسان كنتَ تردد حكمة سفر الجامعة :
باطل الأباطيل
باطل الأباطيل
باطل الأباطيل
وحينما كنت ترى الإنسان واقفا بلا وظيفة على الأرض، وهذا هو عين البؤس
كنتَ تتساءل
ماذا نفعل اليوم
ماذا نفعل غدا
ماذا نفعل أبدا
هكذا أنت
لم تستجب لمحبة قطة
ولا قلبك تغير إثر حقيقة المطر
كنتَ ترى وضوح الصحراء فقط
وان وضعت قدميك تارة في غاب الوساوس
دهم كل قلق العالم قلبك
فتسأل أرنبا سارحا في الحلم
أنت يا رسول القمر
ما فرقك عن أرنب الخليقة الأول
لا تعلم
كل ما في الأمر أن رأسك أثقل قليلا مما مضى
لكن جهلك هو نفس الجهل
ذات الحاجة للتعلق لكن التعلق بالآخر شاق وعسير
والآن بمقدورك أن تهرب بسهولة
أن تهرب ألف فرسخ في نصف يوم
أن تهرب من ذاتك
كانت تلك اللحظة لحظة فجر
عدت صوب المرآة
والمرآة ملأى بالمخاوف الصغيرة
حينها أطللت عليهم قائلا
هذه المخاوف أكثر دناءة من وحشة المخاوف ذاتها
كانت لحظة للركض
وركضت نحو الوظيفة
ارتطم رأسك بعمود الأرقام
فكرة خطرت في ذهنك
ماذا يعني الميزان إذن؟
وكان الجماعة يضحكون
اتجهت نحوهم وكنت تعلم أن عليك أن لا تسأل
لكنك سألت مجددا
ماذا يعني المصير
هل كان الملكوت الأعلى خفيا في هذه الضحكات
هنيئا للنائمين في ثنايا الروح
هنيئا لكم ضحكاتكم
حينها قال طبيب لا مبالٍ
الجنون ليس بعظمة
يمكن التشافي منه حتى بقرص دواء
لكنك خسرت نفسك كفانوس في النهار
كنت بحاجة للبكاء ولم تقدر
كنت قادرا فقط على الصراخ في أعماقك
ماذا يعني المصير؟
هل كانت للإنسان روح كيميائية؟
وذاك المصير ما اسمه؟
لن يجيبني أحد ما خلاصي إزاء علم الطبيب
إزاء أرباب الواقع
إزاء خسارة الروح .
خــُـفّ، أما علمت أن الرياح الثقيلة
ترتطم، دائما، بالأبواب الموصدة
خــُـفّ كمثل نسيم
كي تفتح الفتيات متوردات الخدود نافذة لك
وتفد إلى القلوب وتحيا
المٌلك الدائم هو أن تعثر على وردة الخيال
قل لفكرك أن يلزم الصمت كي لا تفر الوردة
اجلس قدامها
كن مضاء ببسمتها
وعوضا عن الجدل حول ما جاؤوا به ولم يردوه
اقرأ لها شعرا
وحينما أقول الشعر
فاني أقصد المزحات الصغيرة لإنسان ذي قلب مبتهج
وليس خطابا ثقيلا لنبوخذ نصر
قل لها مثلا
إن جئت يا حبيبتي سأهديك سوارا
كي تعرفي ما هو السوار
إن بقيت سأبتاع لك زبيبا
وأتكئ على الكرسي
حينها سيكون المشرق قدامي
لن أقرأ المثنوي
وان لم تقيمي معي لن أقرأه أيضا
إن من يقرأ المثنوي إما ذو قلب نير أو ذو رأس مكتظ بالدعاوى
فماذا يجدي أن تقرأ المثنوي
لا تقرأ وافتح ديوان شمس التبريزي
واقرأ لها ابسط غزل:
يا روحي الحلوة قبلة واحدة بكم يا روح
أريد قارورة سكر من ذاك السكر يا روح.
آه أيها القلب الساحر
أنظر ماذا تفعل؟!
أنظر كيف تسحلني من طرق التأمل الموصدة 
إلى حواشي الحياة الخضراء
آه أيها الفكر اللا أبالي
أنظر كيف يتسكع هذا القلب في مرج التخيّل الأخضر 
كظبي بلا علم ومذهب
وأنت تبخل عليه بكل أشيائك
بذريعة أن لا فسحة الآن لمثل هذه الأمور
تماما، كما أي وقت مضى
آه يا وهما موحشا ها أنت تختلق الأعذار
لشوارع هذه الحضارة الغامضة، الراقدة على القير والمقررات
ولا تدع السماء تكشف، هنيهة، عن وجهها البهيج
ولا تتيح لهذه الأعين التواقة فرصة لقاء
لا وسوسة ولا تلَ نظرٍ
في مكان، استأنس فيه القلب بالعزلة.
لا برزخ شك
ولا جحيم ندم،
في زمان لا يفكر الفكر فيه.
لكن، ذات يوم 
لا أعلم إن في يقظة أو صحو
ممرا إثر ممر، وضعت قدميك في محطات الشك
درعا إثر درع،
واجهت الاستدلال
واعتذرتَ للنورس 
على تأخرك في الفهم
غمست يديك في ماء بسيط لا تعريف له
حينها قلت: "أحبها"
ثم تساءلت: "لكن لماذا؟"
فدهمك الرعبُ
ترى ماذا يسمون هذا الصنيع في الكتب المقدسة؟
وأيُّ صنيع؟
إن من يفكر بصواب صنيعه
سيصاب بداء
وكنتَ مريضا 
وكما أي إنسان حائر 
كنتَ تلجأ للثمالة
وحين الثمالة، كنت تكسّر صمت ذكائك
ملفقا الأكاذيب :
-"آه يا فراشة الرؤيا، أحبكِ
أحبكَ كحبّ قنديل لليل، كي يضيئه
كحبّ مسيحي ساذج لمريم
كحبّ أم لطفل وحيد 
كمثل حبي لكِ
اعذريني أيتها الوردة البريئة إن لجأتُ إلى النسيان
لمقبرة التريض في البرد
آه يا فراشة الرؤيا
خشية أن أفقدكِ فقدتُ ذاتي".
لقد تفوهتَ بهذه الأقاويل 
دون أن تدرك أن في التناقض بين العشق والخوف من العشق
ما يتبقّى من المرء 
سلطة جسده، فقط
ومن روحه 
وحش مرعب.

متى نصل؟،
مرارا يسألني ظلي
إلى أين نرحل؟
لماذا يهتز المقصد، دائما، من على بعد مسافة؟
ألم تقل إن أنجزنا بضعة أفعال سنكون سعداء
ها قد أنجزنا أكثر من الوعود 
فأين هي السعادة؟
لمَ لا نضع بضع فواكه في أفواهنا 
ونفترش هذه الأرض المتواضعة
ونزرع ورود البهجة؟
وقلتُ:
-"إن ما نبحث عنه لا يفضي إلى السعادة
ما دمنا خائفين من عدم بلوغه".
وقلتَ: 
-"ما يُدركُ يفنى
إذ لا يعد غاية الطموح".
حينها قالت الأنا:
"ولأننا في خوف من ضياع ما ظفرنا به".
وقلتَ:
-"دعنا نكف الحديث عن المكسب والمكاسب
ونتعلم البحث عما في اليد
ونتوسل لما نظن أننا قد افتقدناه
ونتعرف إلى فضاء الأشياء والأشخاص المطلق
تعال نبحث عن الأبدية في غمرة الذهاب والمجيء 
ونفصل حساب المتحول عن الجمال 
والجمال عن الشعور بالجمال
ونتعلم الإنسانية من السلوك الدقيق لطائر يحلق تحت أشعة الشمس
متى نصل 
لماذا يهتز المقصد دائما 
مرارا سألني الظل
حدقت فيه مليا ولم أجبه 
صحبته إلى الأسواق
فرأى الحياة الضحلة
ورأى الوساوس في الحيوات الضحلة
لكنك، حينما كنت تنظر، لم تر أي شيء.
الظل رأى الوساوس 
وفيما كنتَ تغلق عينيك بوجه النهار وتوقعات النهار
عسى أن تصير إنسانا وإن مقدار ذرة،
صار الظل كلبا
والكلب يربك سكينة قلبك
وخلف ظاهر الاستغناء
كنت في منتهى الحاجة لشيء غامض
ذلك أن ظل الإنسان، إنما هو ظل جسده.
العسير يسير 
اليسير عسير 
ولم أكن أعلم
كنتُ أبحث عن السعادة
فيما كنتَ تتهرب من التوازن
كمثل طفل من الدواء 
وما كان بمقدورك رؤية السعادة 
لأنك كنت تهرب من التوازن 
كمثل طفل من الدواء 
كنت تقول: العزلة
فيما كنتَ تبحث عن الجمال 
وتسمي الجمال عزلة 
كنتَ جادا
لا تملك جرأة الارتجاف
ولا القدرة على الصنيع الحسن
أينما حللتَ، كنت تتفوه بكل ما يدور في رأسك 
دون مراعاة أو تلميح
ولم تدرك أن الإنسان اختار الثياب لا ليستر جسده
إنما ليستر كلماته 
ليستر رغائبه وحركاته
ليستر الحقيقة 
لكنك كنت تريد الحقيقة عارية 
دون أن تفهم أن الخط المستقيم يعني أطول مسافة بين إنسانين
وكنتَ تتجه مباشرة إلى الحياة 
لذا كنتَ أبلهَ.

لم أكُ أعلم شيئا 
كنت أرى الأعشاب فقط
وكانت الأعشاب تموت
وكنت أحدّث ذاتي: 
-"ترى هل تدرك هذه الأعشاب أنها الآن ميتة؟
هذا العشب الميت هل يدرك أنه الآن ميت؟".
كنتُ أبحث عن الضياء 
وكانت ذكرى الشمس هاربة من ذهن الشتاء
وكنت أرى ذاك الطائر 
والشتاء العبوس الضائع
وكان الطائر يفد من السماء
ويحط على شجرة القيقب 
ثم يمضي نحو الضياء
يصطدم بصفحة زجاجية ويسقط
وكنت أتساءل:
-
"ترى هل يدرك هذا الطائر انه الآن ميت ؟
هذا الطائر المتجمد الساقط عند جذع شجرة القيقب
هل يدرك الآن انه ميت؟".
كان الإنسان يبحث عن الحق
كان الإنسان يبحث عن الحقيقة 
وكنتُ مرتعشا كمثل ظل على الماء
كنت أرتجف وأتساءل:
"هل ثمة فرق بين الحق والحقيقة؟"
تجيبُ السماء 
تلمع نجمة على صفحة الماء
يفد الضوء إلى قلبي 
فاتجه نحو الهانئين بالحياة 
فضيلتهم المصيبة 
والاستغناء عن الحقيقة 
والانهماك بالبحث عن حقوقهم 
يسمون الوهم حقيقة 
والتفكير وهما 
والحساب تفكيرا
وكنتُ صامتا 
فيما كانوا يضحكون 
إن بفرح أو دونه 
كانت الحياة ملكا لهم 
وكنت أرى تلك الحياة يسيرة 
لكنها جد عسيرة.
كنت صامتا كثمثال بائس
والتمثال رأى المرأة
وكانت المرأة تدرك المنطق فقط
لكن، لا المنطق الأرسطي 
إنما منطق التناقض
إنما منطق التكتم
أن تكون في البعد، قريبة
في القرب، بعيدة
وكنت صامتا 
كتمثال مندهش تحت ضوء القمر
وكان قلبي يتحطم
وكان للمرأة قلب جذّاب
لكن جل ثقتها بالأمان
وكنتُ منبهرا بين الخير والشر
ولم تك المرأة معنية بالخير والشر 
كانت منبهرة بالقدرة فقط
وكان وعيها بالقدرة والانتظار يسيرا 
لكنه شاق و عسير جدا .
ولم أك لأعي شيئا 
كنتٌ تمثالا جادا تحت سماء بلون المياه المعقمة
جوار تلك المياه، كنتٌ أفكر بمصير الفكر
وجوار تلك المياه، كنتٌ أرى الفكر مجتثا
رافعا يده عن الحقيقة
كنت أرى الخيال يصير حديدا
والحديد يصير صخبا
والصخب إحصاء
والإحصاء حقيقة.
وكنت أرى الزمن موزعا على ثلاثة دلاء عديمة المعنى
وكنتٌ أرى الأبدية تستحيل إلى روزنامة 
والروزنامة خصم الروح 
"ماذا نفعل اليوم
ماذا نفعل غدا
دائما، ماذا نفعل؟"
من يسأل يعرف الإجابة
وبمحض امتلاكه للإجابة 
يفتقد الإجابة ذاتها 
أما أنا فلم أك أعرف شيئا
كنت أصطدم بإنسان ميت
وكأن الإنسان الميت يتمنى النسيان
وكان النسيان يسيرا 
لكنه عسير جدا.
لم أكُ أعلم 
كانت الحيرة أقوى من النسيان
وكلما سلكت طريقا اصطدمت بذاتي 
وهؤلاء جميعا كانوا خصوما محتشدين فيَّ
كنت أرد على حججهم
والا بائس هو من يتحدث عن بؤسه
ليس شاقا تمييز الأنا عن كلّ هؤلاء المحتشدين فيَّ
الشاق إنما تمييز الأنا عن الأنانية.
كان قلبي معتما 
أقرأ الكتب بحثا عن الضوء
فيزداد قلبي عتمة
اتجهت نحو الخطباء
بعضهم نصحني بالضوضاء
الضوضاء فقط
الضوضاء شاقة 
لكنها جد يسيرة
لكن حتى الضوضاء اليسيرة بحاجة لجهل مقرون بالقدرة
والجهل والقدرة ثمرتا اليقين
واليقين في غنى عن الضوضاء 
لذا فان البحث عن الضوضاء يختتم بالصمت.
كنت أتجه نحو الشعراء
نحو الشعراء الباحثين عن الحزن
كانت نظراتهم ثرية بموت جميل
وكنت أرى في نظراتهم زهرة نرجس
تتأمل ذاتها
على حافة بحيرة مرّة
كانوا يصطحبون معهم أينما مضوا إوز تدعي الحقيقة 
وكلما رأيت الإوز
بكاءات كنت أبكي 
لكن لا بدموع نيّرة 
وإنما بدموع معتمة 
أعود إلى الشعراء
بعضهم أجاز لي الشعوذة واللهو 
قمار الحب وتقلبات القلب
ولكن تقلبات القلب تستلزم قلبا منبهرا 
والقلب المنبهر لا يجيد التقلب
لذا يفضي قمار العشق إلى العزلة .
ها أعود إلى حكماء صامتين 
لقد نصحوني أن أتعلم لغة القمر والماء
أن أرافق طفولتي 
أن أبتاع لها كرة زرقاء عوضا عن موسوعة ميتة 
أن أحتفي بها عوضا عن عبادتها
أن أصطحبها لزيارة الآخرين
أن أتحدث وفقا لرغبتها 
وأن أكف البحث عن الحقيقة
أن أكون متصالحا مع العالم كما النسيم
أن أفكر بغمّ الجار
وأن أكون صغيرا وبسيطا
لكن إزاء النظرة المتسائلة 
كان الماء محض سؤال
القمر معتما
و الطفل أبكم
لذا ينتهي حديث الماء، العفوي
بصخب الطوفان
وهبت القلب لأقوال الحكماء المتقاعدين
نصحوني بالصمت
وتركيز العين والذكاء على اللاشيء 
أن أغلق العين بوجه الصور
واللاتفكير 
واللاتفكير
واللاتفكير
وتحصيل جدارة للقلب 
والبقاء صامتا ومطفئا 
بانتظار الضوء والألطاف
لكن، شاق هو اللاتفكير
وتحصيل الجدارة القلبية لا يتقنه الجميع 
وبما أنني الجميع
صار رأسي محل نزاع بين الهوس والفضيلة
عدت إلى حشد الآخرين
على أمل أن تتفتح وردة إجابة واحدة 
إن في نظرة امرأة أو فيلسوف أو إقطاعي
ولكن البشر مرايا بعضهم البعض
ما كنت أراه في وجه الآخر، ليس إلا انعكاس وجهي الخفي
لذا يئست من العثور على ابتسامة ناصعة
وكأبي الهول، وحيدا، بقيت
وحينما تأملت العزلة من النافذة 
ووجه الضرورة المنجمد
ووجه طفولتي 
تيقنت أنني لست وحيدا فقط
وإنما، إلى الأبد، وحيدا سأبقى
العين ترى 
لا ما تبحث عنه اليد
اليد تبحث 
ليس ما يرومه القلب
القلب يروم
ليس ما يستوعبه الفكر
أي منهم أنا؟
وان لم أك واحدا منهم 
فماذا تعني هذه الأنا
وان كنت جميعهم فما معنى الأنا؟
ذلك العشب 
والطائر الذي حط على شجرة القيقب
أين هما الآن؟
ما معنى أحاديث رسول القمر؟
ترى من يملك الإجابة 
وان كان هناك من يملك الإجابة فإنه لن يفصح عنها 
كي أعرف حيلتي إزاء خصم اسمه السؤال
إزاء هروب طفل اليقين من وجه العقل المجهد الباهت
إزاء إشراقة الأبدية في نظرة دمية الموت!
اغلق عينيك 
وكن خامدا بانتظار الضوء وعناية الألطاف.

 

شوهد المقال 1595 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats