الرئيسية | الوطن السياسي | رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. رضوان بوجمعة 
 
الجزائر الجديدة 195

بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول جمعة بعد اثنين الذكرى الثانية للحراك التي شهدتها أكثر من 29 ولاية.
الأجهزة الأمنية قمعت بعض المسيرات في الولايات التي لم تشهد السيول البشرية التي تمنع هذا القمع، وهو الأمر الذي يعري كل خطابات التعامل الحضاري للسلطة مع مسيرات سلمية، فالقمع كان هو السائد في كل مكان كان فيه عدد أفراد الشرطة أكبر من عدد المتظاهرين، وهو ما حدث الثلاثاء الماضي مع مسيرة الطلبة في العاصمة.
قطع الأنترنت، محاولة منع السير والكذب الاعلامي.. أدوات عمرها سنتين
مسيرات اليوم تم قمعها في أكثر من ولاية، و بالرغم من محاولات قمعها في الكثير من الولايات الأخرى، إلا أن إرادة السير كانت أكبر، ففي العاصمة مثلا حاولت الأجهزة الأمنية منع السير، لكن فشلت أمام التدفق البشري الهائل وفي كل الاتجاهات، وهو السيناريو نفسه الذي كان في أول جمعة يوم 22 فيفري 2019، وهو ما يعني أن النظام لا يزال أمام الأدوات نفسها في مواجهة الحراك منذ عهد بوتفليقة رغم تغيير 3 مدراء على هذا الجهاز في ظرف سنتين فقط، وهو يعتقد رغم مرور عامين، أنه يمكن للوقت أن يكون في صالحه ويؤدي إلى إفشال هذه المسيرات السلمية وإطفائها، كما أنه لايزال في أدوات التضليل نفسه!
فقطع الأنترنت ومحاولة منع السير والكذب الاعلامي هي الأدوات نفسها التي حاول النظام استخدامها لفرض العهدة الخامسة لبوتفليقة، والكل يتذكر قطع الأنترنت ليلة 22 فيفري 2019 ويوم المسيرة لمنع نشر الفيديوهات والصور الخاصة بالمسيرات، وهو الأمر نفسه الذي حدث اليوم، كما أن ممارسة القمع لمنع المسيرات كانت نفسها والمتظاهرون والمتظاهرات ردوا عليها برفض الاستفزاز وترسيخ السلمية كعقيدة للتغيير حماية للجزائر ككيان قانوني وسياسي، كما أن الكذب الاعلامي والتضليل بقي نفسه، فالمنظومة الاعلامية التي قالت أن الابقاء على بوتفليقة هو عنوان للاستقرار وأن الجزائر تتعرض لمؤامرة خارجية وأن الدعوة للتظاهر ضد بقاء بوتفليقة تقودها أيادي قذرة، هي نفسها التي عادت للقول إن الجزائر تتعرض لحرب إلكترونية وأن مقيم المرادية منفتح على كل مقترحات التغيير، وهو الخطاب الذي تكذبه الأفعال خاصة وأن السلطة تسير بالأدوات نفسها لقمع الحراك وتخوين المتظاهرين وتخويف المواطنين، والأغرب أن آخر تعديل حكومي بين أن السلطة لم تجد حتى حرجا في إعادة وجوه إلى الاستوزار كانت مع بوتفليقة من أول يوم له إلى يوم استقالته أو إقالته.
من تخوين "الصومام" إلى تبنيه كدعامة تضليل
السلطة بأبواقها الاعلامية والحزبية بعد عام من استراتيجية تضليلية، بدأت بتخوين منطقة القبائل في محاولة لعزلها عن باقي الجزائر والقول إن الحراك "تزوف" و"انحرف في خطاب هوياتي"، وفي هذا الاتجاه تجرأت الدعاية اللامسؤولة حتى إلى تخوين مؤتمر الصومام الذي ولد فيه جيش التحرير الوطني، وهو المؤتمر الذي حضر فيه سياسيو وعسكريو الثورة، كما حاولت اختصار الحراك في الاسلاميين وفي "حزب محظور"، لكن الجديد في التضليل الاعلامي في 48 ساعة الماضية، خروج السلطة عبر وكالة الأنباء الجزائرية، لتستخدم مؤتمر الصومام كدعامة تضليل، من خلال تلخيص موقف أحد الحالمين بدخول البرلمان و المقيم في فرنسا والمقرب من شخص وزير الاتصال عمار بلحيمر، للقول بأن شعار "مدنية ما شي عسكرية لا علاقة له بلوائح مؤتمر الصومام، وأنه شعار تعود جذوره لحركة الاخوان المسلمين، وهو الشعار نفسه الذي تعرض لحملة أخرى قادتها وجوه على علاقة بحركة الاخوان المسلمين على غرار عبد الرزاق مقري وعبد الله جاب الله وبن قرينة على أساس أنه شعار علماني يريد الالتفاف على البعد الاسلامي والهوية الاسلامية للمجتمع..
كل هذه الدعاية والتضليل تبين بأن السلطة وحلفائها بعد سنيتين من مسيرة الجزائريين والجزائريات نحو التغيير، يمكن ان تفعل الأمر ونقيضه، لأنها لا تسعى لحل مشاكل الجزائر بتغيير منظومة الحكم وتغيير أدوات ممارسة الحكم الذي كان الحراك إعلانا واضحا بموتها، لكن تسعى في كل مرة لتوظيف أدوات التضليل نفسها التي فشلت فشلا ذريعا، وأصبحت اليوم تهدد الجزائر في وجودها.
جسور التوافق أنفع من جدران التضليل
مسيرات، اليوم، بينت أن الأمة الجزائرية تبقى أمة حية لا يمكن تسييرها بأدوات الدعاية البدائية، وبأن حياة الجزائر ومستقبلها مرهون بهذا الجيل الذي نجح في حماية الجزائر من جنون العهدة الخامسة والدعاية الانتحارية غير المسؤولة التي أرادت زرع بذور الفرقة والجهوية والاصطفاف الايديولوجي العنيف بين الجزائريين والجزائريات، وهو الجيل الذي يشكل أكبر ضمان لمواجهة كل مخططات الخارج مهما عظمت، فهل يوجد داخل منظومة الحكم من يتفطن إلى أن الطريق الذي تسلكه السلطة هو طريق مسدود يهدد الجزائر في وجودها؟ وبأن التخويف والتخوين والكراهية أدوات تهدم ولا تبني، تعمي ولا تنير، تسيء للجزائر أمة ودولة، لأن الدعاية والتضليل والكراهية هي ورقة تعادي السياسة، والسياسة هي فن الممكن.. فن لا يتقنه موظفو السياسة الذين لا يعرفون قيمة العمل، ولا مشعوذوها الذين لا يعرفون من السياسة إلا المناصب والمكاسب، والجزائر اليوم بحاجة إلى بناء جسور التوافق لبناء الدولة وهدم جدران الفرقة والتضليل، جسور التوافق التي تبني براديغم جديد لبناء دولة المواطنين والمواطنات/ دولة الحق والقانون، الدولة التي يبنيها المجتمع المفتوح، المجتمع الحي الذي يريد أن يعيش لتحيا الجزائر التي تهددها منظومة ميتة وقاتلة. منظومة أصبحت تشكل خطرا حقيقيا على الأمن القومي، فهل يتفطن أصحاب القرار إلى ما هم فيه، وهل تأكدوا اليوم بأن تضييع الوقت لا ينفع لأن الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة.

شوهد المقال 278 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه
image

رشيد زياني شريف ـ ماكينة الإعلام، مخلب العصابة

د. رشيد زياني شريف  مرة أخرة، ومن جديد، تتوّحد كافة وسائل الإعلام، المكتوبة منها والمرئية، المعربة والمفرنسة، "العلمانيةّ و"الإسلامية"، الحداثية والمحافظة، في الدفاع كلها عن الجلاد

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats