الرئيسية | الوطن السياسي | رضوان بوجمعة ـ الأيديولوجية الأمنية تدمر الممارسة السياسية

رضوان بوجمعة ـ الأيديولوجية الأمنية تدمر الممارسة السياسية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. رضوان بوجمعة 
 
الجزائر الجديدة 191

تمر اليوم 29 سنة كاملة من تاريخ استقالة أو إقالة الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، وهي الاستقالة التي تابعها مباشرة قرار توقيف المسار الديمقراطي وفرض حالة الطوارئ في التاسع فيفري 1992، والتي لم ترفع إلا في سنة 2011 أي بعد 19 سنة!
توقيف المسار الديمقراطي صفّقت له كل القوى الحزبية بمختلف ألوانها الأيديولوجية التي لم تحصل على أي مقعد في البرلمان، كما أيدته كل الأجهزة الإعلامية التي استفادت بعدها من ملايير الريع الاشهاري والتسهيلات الإدارية والجبائية واللوجستية.
وفي كل مرة تحل هذه الذكرى إلا ويتحرك المؤدلجون من أجل إنتاج تلوث رمزي يمنعنا من قراءة ما حدث واثاره الكارثية على المجتمع بعيدا عن الخلفيات الأيديولوجية وحسابات الأجهزة الحزبية وكل المنتفعين من ريع البولتيك والدعاية.
العنصرية الاجتماعية لنخب الصالونات والأجهزة
منتجو التلوث الرمزي يوجدون في كل "النخب" من نخب الصالونات والأجهزة، وهؤلاء يحاولون كل على مستواه تبرير تأييده الانقلاب على الإرادة الشعبية المعبر عنها في الدور الأول من أول اقتراع تشريعي تعددي عرفته الجزائر في ديسمبر 91، وهؤلاء يحاولون ـ كل على مستواه ـ تزوير التاريخ بعد أن شوهوا الواقع وساهموا في حملات التضليل والكذب والتزوير، بل ودفعوا المجتمع نحو العنف وبرروه باسم الدفاع عن الجمهورية أو الوطنية أو الإسلام، وكل هؤلاء وعلى الرغم من اختلافات ألسنتهم ونبرات أصواتهم وألوان دكاكينهم الحزبية والإعلامية متفقون على شيء واحد وأساسي وهو احتقار الشعب وممارسة عنصرية اجتماعية مقيتة ضده، عنصرية لا تختلف عن عنصرية الكولون والاقدام السوداء في عمقها وبنيتها.
العنصرية الاجتماعية واحتقار الشعب، هو عامل مشترك بين هؤلاء، بين ذلك الذي قال إنه أخطأ في المجتمع بعدما خرج فارغ اليدين من صندوق الانتخاب، وبين من أعتقد نفسه رمزا للإسلام المتنور والمعتدل والذي كان يقول إن الشعب اختار الدهماء والشاقوريست، وبأن دبابات العسكر خرجت لتحمي الديمقراطية من اعدائها، وبين من وصف الشعب بالغاشي الذي لا يعرف الاختيار... وغيرهم، وكل هؤلاء اصطفوا صفا واحدا لتأييد الانقلاب وتبرير كل المجازر والكوارث التي أنتجتها سياسات انتحارية بايديلوجية أمنية تعتقد أن الحزب هو ملف إداري، وبأن المجتمع ظاهرة أمنية تسير أمنيا، وبأن القيادات السياسية هي واجهات مدنية مكلفة بتطبيق سياسة عنوانها "لا أريكم إلا ما أرى"!
وبالرغم من أن أحداث التاريخ في 29 سنة الماضية على الأقل تبين أن هؤلاء وأولئك متفقون في الجوهر وهو بقاء منظومة التعيين في قصر المرادية، ومنظومة التعيين في المجالس المنتخبة بمنطق الكوطات الذي تعمق في كل الاقتراعات التعددية التي عرفتها الجزائر من 16 نوفمبر 1995 إلى 12 ديسمبر 2019.
أمننة السياسة وتفكيك المجتمع
هذه السياسات وهذه الأيديولوجية الأمنية وبالرغم من فشلها الذريع، وجرائمها التي خلفت أكثر من مئتي ألف قتيل وملايين المهجرين وآلاف المساجين والمختطفين، لكنها بقيت هي السائدة، وبالرغم من أن كل الاجهزة الإعلامية والحزبية والجمعوية التي صنعتها ورعتها واخترقتها هذه المنظومة، والتي صفقت وهللت لزروال وبوتفليقة، وأصبحت لا وزن لها ولا مصداقية لها، إلا أن هذه الأيديولوجية الأمنية لازالت تسكن الإعلام ودكاكينه، والبولتيك بقطيعه، وهي الان في عملية إعادة تركيب نفسها من أجل دعم العددية الحزبية الإعلامية بدكاكين وبأجهزة وبأرقام أخرى وبعناوين جديدة وبمنطق قديم لا يزال يحلم بتسيير المجتمع بأدوات السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
هذه الأيديولوجية الأمنية هي التي فرضت عبد العزيز بوتفليقة في الحكم، وحاولت اختصار أزمة منظومة الحكم في شخص بوتفليقة، وهي الأيديولوجية نفسها التي فرضت تبون في قصر المرادية وعرضت الوحدة الترابية للبلد لكل المخاطر بعد أن دفعت بمرشحين للرئاسة إلى الاقتراع مع مقاطعة شاملة لمنطقة بكاملها، حيث لم ينشط أي مرشح من هؤلاء الحملة الانتخابية لا في بجاية ولا في تيزي وزو، وكأن هذه الولايات خارج الجزائر، وهي التي تدفع كذلك إلى إنتاج هويات قاتلة باسم الأمازيغية أو العروبة أو الإسلام.. كما أنها تعتقد أن الدفع ببعض الأسماء التي فرضتها في بلاطوهات الإعلام في بداية الحراك الشعبي إلى تأسيس واجهات حزبية جديدة بالمنطق الأمني نفسه كفيل بقتل طموحات الجزائريين والجزائريات في بناء دولة الحق والقانون، وهي الدولة التي لا يمكن أن تبنيها الأيديولوجية الأمنية لأن الأيديولوجية الأمنية دمرت الممارسة السياسية، وأنتجت العنف وزورت التاريخ وتلاعبه به وهي تهدد البلد في جغرافيته وفي وجوده ككيان سياسي وقانوني.
الجزائر في 11جانفي 2021 
 

شوهد المقال 216 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فضيلة معيرش ـ لا تبكي معي

فضيلة معيرش ـ المسيلة احتضنت مريم وجهها الطفولي الدقيق الملامح المشرئب بالحمرة بكفيها ، ناولتها الخالة نسمة منديلا ورقيا معطرا بالدهشة والحيرة ، وقد تناثرت حبات
image

محمد هناد ـ د̲ع̲ن̲ا̲ ن̲ت̲د̲بّ̲̲ر̲ ا̲ل̲أ̲م̲ر̲ !̲ لسنا بحاحة إلى اعتراف الدولة الفرنسية

د. محمد هناد  هل نحن في حاجة فعلا إلى اعتراف الدولة الفرنسية، رسميا، بالجرائم المرتكبة أثناء فترة الاحتلال لبلادنا كما لو كانت هذه الجرائم غير كافية
image

العربي فرحاتي ـ يا دكاترة الجزائر ..انزلوا إلى الحراك لتتعلموا من الشباب ..

د. العربي فرحاتي  سمعت أحد الأساتذة منذ يومين متخصص في علم التاريخ ..ستعرفون اسمه..يقول أن الانتخابات "دوز دوز " شرعية.. وأن "تبون الرئيس" أتى عبر الحراك
image

معتقل الرأي وليد كشيدة .. الميمز ليست جريمة

 #معتقل_الرأي_وليد_كشيدةالمقال بمساعدة صديقيه نوفل و أسامة.وليد كشيدة الإبن الوحيد لأبويه شاب في 26 سنة من عمره ولد في 14 ماي 1995 بمدينة خراطة ببجاية أين
image

كريمة ابراهيم ـ احسان الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراق

كريمة ابراهيم ـ البحرين الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراقحصل الفنان العراقي احسان الجيزاني على الميدالية الذهبي العالمية
image

رضوان بوجمعة ـ في ذكرى وفاته الثالثة ... زهير إحدادن زهد في المكاسب و كظم غيض المتاعب!!

د. رضوان بوجمعة  لم أصادف طول حياتي الجامعية _ودون أية مبالغة_ أستاذا اجتمعت فيه الصفات التي اجتمعت في الأستاذ الراحل زهير إحدادن، فهو المؤرخ ومن صناع
image

حمزة حداد ـ اليسار الأمريكي يقود معركة التوغل داخل السلطة الأمريكية من بوابة الحزب الديمقراطي

حمزة حداد لفتت قفازات السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، الأنظار خلال حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن، وتساءل رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن سرّ هذه القفازات الكبيرة.هذه
image

بوداود عمير ـ ملحمة راهبة في الصحراء ، عين الصفراء

بوداود عمر  من أوجه الخلل في الساحة الثقافية أن بعض الأعمال الصادرة عندنا، رغم قيمتها الأدبية وأهميتها التاريخية، لا تحقق الحدّ الأدنى من الاهتمام، وسرعان ما
image

جباب محمد نور الدين ـ اليهودي بنيامين ستورا :يسعى لإغلاق القوس في زمن لم تعد فيه أقواس

د.جباب محمد نور الدين  لما صدر كتابه حول مصالي الحاج انتظرت الرد من أهل الاختصاص، ولما شاهدتهم "ضربو النح " خشية الإملاق والحرمان من عطايا
image

سعيد لوصيف ـ الأصل في المؤسسات تحييد غريزة الموت وبعث غريزة الحياة..

د. سعيد لوصيف  يعتبر التخويف و ممارساته النقيض المنطقي للاتجاه العقلاني في ممارسات الحكم، بل يمكن اعتباره من الناحية التحليلية سلوكا ساداويا، يعتقد اصحابه أن "العقل"

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats