الرئيسية | الوطن السياسي | سعيد لوصيف ـ الفهم وَالتشخيص يسبقان تحديد المسار..

سعيد لوصيف ـ الفهم وَالتشخيص يسبقان تحديد المسار..

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. سعيد لوصيف 
 
يعتبر الفراغ الملاحظ حاليا في مؤسسات الدولة حالة باتولوجية نتجت عن سيرورة إفشال نسقي بدأ تاريخيا منذ ما قبل الاستقلال. وبطبيعة الحال فأنا أدرك جيدا أن تناول هذه الظاهرة يبقى أمرا معقدا يستقطب أحيانا الكثير من العواطف والانفعالات وأحيانا أخرى توجّسات وتخوّفات من مصارحة الآخر والذات، إلا أنه وبالرغم من كل هذا فهو يبقى يستدعي منّا نقاشا هادئا يقارب الحقائق من زوايا متعددة ومختلفة قدر المستطاع.
وصراحة، فإنّ كلامي في هذه العجالة لا يهدف إلى تلبية حاجيات نفسية لذوات متعبة ألفت سماع خطاب يريحها ويبعد عنها عناء التفكير والتدبّر، لكن الهدف منه هو المساهمة في فهم الظواهر والعلاقات والحقائق ؛ ذلك لأن الفهم يسبق التشخيص ورسم الحلول و السياسات. وعلى أية حال، فكل ما انا واثق منه هو أنّني لازلت أؤكد بإلحاح والتزام على ضرورة بعث سيرورة تفكير على المدى القصير يسمح استراتيجيا بإعادة هيكلة النقاش وتصويبه نحو الإشكالية الرئيسة والمرتبطة أساسا ببناء الدولة الحديثة ومتطلباتها السياسية والتنظيمية، وآليات ممارسة الحكم، والتنظيم المتوازن للسلطات، والتوزيع العادل للثروة، في ظلّ المتغيرات الاجتماعية والدولية الراهنة.
أما حاليا وفي خضم الضغط الزمني الذي يحاصرنا، فالأمر يتطلب - على ما أعتقد - حسن رؤية وتدبير لإعطاء "الممكن السياسي" فرصة تاريخية لبعث ديناميكية في المجتمع تدفع به وبمؤسسات الدولة نحو التحول المنشود.
ومهما يكن، وحتّى أبقى صريحا مع نفسي والآخرين، فإنّني أرى أنّه من بين المؤسسات الأولى التي يتعيّن عليها انتهاج تحوّل استراتيجي تبقى المؤسسة العسكرية، وبالضبط قيادتها من حيث وظيفتها في القيادة وادارة السياسات والعمليات، وهذا في ظل تحولات سوسيولوجية داخلية ضاغطة، وتحولات عالمية لامتناهية، وفي ظل محيط يعرف أيضا الكثير من الارتياب وعدم الاستقرار. فالمسألة لا تخص هذه المؤسسة لوحدها او تخص إطاراتها ، بل هي مسألة مجتمعية تندرج ضمن مسعى إرادة تحول جمعي. وبهذا المعنى، فإن المسألة تتعدّى التصور التقناوي من حيث التنظيم والهيكلة والاحترافية، بل ينبغي أن تتبلور في تصوّر شامل يخصّ مجتمعا بأكمله وحقّ أفراده ومكوناته الاجتماعية والسياسية في رسم معالم مؤسسة حديثة تساهم بشكل وظيفي وفعّال في ضمان أمن الدولة والمجتمع والانسان.
وبعيدا عن أي التباس أو استخدام سياسوي للموضوع، فإنني أرى من الناحية التحليلية أن المؤسسة، مثلها مثل عدد من المؤسسات الأخرى - كالرئاسة أيضا- ظلّت تعاني من ثقل النسق الاجتماعي التقليدي الذي بقي عامل عطالة حال دون اقتناعها وقبولها بمبدأ سيرورة الانفصال والندّية لمجتمع يطالب أفراده بأن يعاملوا كمواطنين راشدين. والحقيقة أن هذه الحالة تجد لها تفسيرا موضوعيا يمكن أن نستشفه من خلال تطوّرها التاريخي وتركيبتها البشرية و جذورها الاجتماعية، وبحكم هيمنة هذا النسق واستفحاله في دواليب تنظيمها وهيكلتها.
لقد أدى بالفعل ثقل النسق الاجتماعي التقليدي والبرمجة الثقافية للمجتمع بأن تمتزج قيادتها عبر كل مراحل تطوّر الدولة الوطنية بصورة الأم المغذية، مثلها مثل الأم في العائلة الجزائرية التي تستمد سلطتها من وظيفة الرعاية والعناية (بقرة ليتامى في المخيال الاجتماعي) التي تمنحها لأفرادها. فسلطة الأم في المجتمع الجزائري غالبا ما تحدّدها عناصر رمزية يمكن أن نستشفها عبر مختلف جوانب الحياة الاجتماعية وفضاءاتها (قرار المصاهرة والزواج، القرارات المرتبطة بإدارة شؤون الأسرة والبيت، تحديد توجّهات تربية الأبناء ومعالم روابط علاقات القرابة وبخاصة الخال والخالة...).
وبالمثل يظهر لي أنّ المؤسسة العسكرية تحدد علاقاتها بالمجتمع وأفراده كما تتحدّد صورة الأم المغذية بقوة علاقات هذه الاخيرة بأبنائها وسلطتها الكلية عليهم؛ بحيث يظهر أن الجزائري في إطار هذه العلاقة داخل المجتمع هو إنسان بغيره وبالتحديد إنسان بأمه لا بذاته. وعلى مستوى تصور موقعه في مفهوم الدولة هو طفل قاصر لا يمكن له أن يفكر في الإنفصال عن صورة الأم المغذية والسلطة التي تحملها رمزيا المؤسسة العسكرية؛ كما بالطريقة ذاتها تتركب أيضا علاقاته بالمؤسسات السيادية للدولة (الرئاسة، الحكومة... الخ).
وعليه، يظهر أن كل نقص أو عجز في تشكل انساق سلطة مؤسساتية حديثة، نجده يساهم بشكل ملحوظ في انبعاث أنماط هيمنة وتسلط أحادية، ترفض للآخر صفة الندية. كما يظهر أنّ اللاّتماثل واللاّتناظر في علاقات السلطة بين الأم وأبنائها في المجتمع، يفسّر الى حدّ كبير اللاّتماثل في علاقات المؤسسة العسكرية بالمجتمع وأفراده، وبروز آثارها السلبية في أنماط الأبوية والحق الطبيعي للجزائريات والجزائريين في الوجود السياسي والاعتراف المواطني، وتقرير مصائرهم بعيدا عن كل أشكال الهيمنة والتسلط والوصاية.
 

شوهد المقال 424 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي
image

أبوطالب شيبوب ـ كلمتين بالدارجة الجزائرية لمن يحاول التحريض على الحراك الجزائري

أبوطالب شيبوب  كلمتين بالدارجة راهم في خاطري وبغيت نقولهم قبل ما نرقد.. بالاك غدوة نموت ومازالوا حاصلين ليا في الڨرجومة: راه كاين واحد الفرق ااواضح -
image

العربي فرحاتي ـ نقد النقد ضروري..أيضا ..المتنمرون على الحراك الجزائري

د. العربي فرحاتي  كنا ننتظر من نخبنا الحراكية بعد هذه الهبة الاستئنافية للحراك أن تقرأ المشهد الاستئنافي بروية وبصيرة وتوجه انتقاداتها إلى السلطة .وتحثها على
image

خديجة الجمعة ـ امرأة ثلاثينية

خديجة الجمعة وقفت امرأة ثلاثينية، تخاطب نفسها!! اهو الزمان قدعصف بي أم أنا عصفت بهذا الزمان؟! وهل هم الأصدقاء مابرحوا ينتظرون الزهور التي أعددتها لهم؟ أم
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats